المحاضرة بعنوان كلمة الأخ الفاضل علي الرازحي - هاتفياً -، الأحد 6 شوال 1432هـ بمسجد الروضة بقصيعر . ألقاها
يؤكد المتحدث على نعمة الاجتماع على الحق والتعاون على البر والتقوى كسبيل لحفظ الدين في زمن كثرت فيه الفتن. ويستشهد بأحاديث تحث على المبادرة بالأعمال الصالحة والفرار بالدين من الفتن، مبيناً أن اللجوء إلى الله بالعمل الصالح هو العاصم من الشرور.
يؤكد المقطع أن اللجوء الصادق إلى الله بالدعاء والتضرع والصلاة والاستغفار هو العلاج الناجع لدفع الفتن والشرور. ويستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تحث على التمسك بالطاعات والرجوع إلى الله عند الشدائد، مبيناً أن العبادة في أوقات الهرج تعدل الهجرة.
يستعرض المقطع قصتي نبي الله يونس وإبراهيم عليهما السلام، وكيف أن تضرعهما الصادق ولجوءهما إلى الله عند اشتداد المحنة كان سبباً في نجاتهما وتفريج كربتهما. ويؤكد الواجب على المسلمين عامة وأهل الإيمان خاصة أن يلجؤوا إلى الله بصدق لدفع الفتن العامة والخاصة.
يختتم المتحدث بالدعاء لله بالتوفيق للطاعة والوقاية من الفتن، سائلاً الله القبول والثبات على الحق. ويشكر الحضور داعياً لهم بالأجر العظيم والجمع على الخير في الدنيا والآخرة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد، فنكرر الحمد لله جل وعلا الذي يسر من إخواننا هذا الاجتماع المبارك، الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل فيه الخير والبركة للإسلام والمسلمين. وكان ولله الحمد من قبل أن وعدنا إخواننا بحضور هذا المجلس الطيب المبارك، ولكن قدر الله وما شاء فعل، حصلت الأسباب المانعة من ذلك، لكن لعل الله سبحانه وتعالى يسر زيارة إخواننا إلى البلاد الطيبة المباركة التي عُرفت بالخير والسنة، والتكاتف على الخير، والدعوة إلى الحق، واتباع الحق، وهي حضرموت، ونسأل الله السلامة لذلك. ومن بعد، فإخواني في الله، حرسكم الله ورعاكم، فإن هذا الاجتماع الذي يسره الله جل وعلا لكم يعد نعمة عظيمة، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. إن الإنسان لظلوم كفار. الاجتماع على الحق، وبيان الخير والسنة للمسلمين، والتكاتف، والتعاون، والتناصر على ذلك، هذا من الأمور المهمة، لا سيما في زمننا هذا الذي قد كثرت فتنه، وانتشرت شروره، وقل خيره عند كثير من الناس. فكان في هذه الاجتماعات، واللقاءات، والمحاضرات، والنصح، والتوجيه للمسلمين، لا شك أنه من الأسباب المانعة من انتشار الفتن، وطمأنينة الخلق، ودعوة الناس إلى الاعتصام بالحق، الكتاب والسنة، والسير على ذلك، حتى يلقوا الله سبحانه وتعالى وهم بالأعمال الصالحة التي تعد عاصمة بإذن الله جل وعلا للعبد من الفتن. وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: «بادروا بالأعمال الصالحة، فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا القليل». أخرجه الصحيح. فبادروا بالأعمال الصالحة. فإذا علمتم هذا، علمتم عظمة حال العمل المبارك، وقيامكم بأمر الخير، وبيان الحق للخلق، ودعوة الخلق إلى الحق، وبيان ذلك للناس. هذا كله من الأعمال العاصمة للعباد في هذا الزمان الذي كثرت فتنه، وموج الفتن. نفع الله بكم وبارك فيكم. ويكون المترتب على ذلك الحفاظ، لأن الولوج في الفتن بيع الدين، كما سمعتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يبيع دينه». وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا، يتبع بها شعف الجبال، ومضاجع القطر، يفر بدينه من الفتن». فصار الأمر كل الأمر عند الحفاظ على هذا الدين، فلا يكبا علينا، والواجب علينا والآخر حفظ دينه ببعده عن شرور الخلق، وعن الفتن. نعم عباد الله، فمثل هذه الاجتماعات دعوة للناس بالإقبال على الله جل وعلا، والاتصال بحبل الله، والتأسي بكتاب الله جل وعلا، وسنة نبي الله صلى الله عليه وسلم، والسير على ذلك، والبعد التام عن الفتن التي قد عمت وخصت، وأخذت القريب والبعيد، فتن عامة وفتن خاصة، نسأل الله السلامة منها إلا من شاء الله سبحانه وتعالى. لكن في هذه الاجتماعات، وفي اعتصام العبد بكتاب الله جل وعلا وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، بإذن الله أسباب ظاهرة وبينة وراضحة في درء هذه الفتن، وفي الإقبال على الخير. نحن في هذا الزمان كما ترون وتسمعون وتعلمون، الفتن فيه منتشرة، فتن انتشار، فتن عظيمة جداً، ولا شيء أدعى للبعد عنها والحفاظ على الدين فيها من اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى، اللجوء إلى الله جل وعلا بالأعمال الصالحة. مثل هذه الاجتماعات طيبة، فهي أحد الأعمال الصالحة التي يرجى من خلالها أن يحفظ الله من شاء من عباده. قال الله جل وعلا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ويتم من خلاله معرفة العبد باللجوء إلى الله سبحانه وتعالى والقربى. فاللجوء إلى الله هو علاج عظيم في إبعاد العبد عن الفتن، وفي دفع الفتن عن العبد بإذن الله سبحانه وتعالى. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا ضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فالواجب على العبد عند ذل السرور وانتشار الفتن أن يرجع إلى الله، وأن يعود إلى الله، سواء كان بمجالس الذكر، أو بالصلاة، أو بالدعاء، أو بالاستغفار، أو بالتوبة من الذنوب. كل هذا من الأسباب التي هي من أنواع اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى. فالواجب على المسلمين عامة، وعلى أهل الحق خاصة، أن يصدقوا في اللجوء إلى الله، ليدفع الله عنهم وعن دينهم، وعن دعوتهم، وعن استقامتهم، وعن سيرهم الشرور والفتن، فإنها عظيمة ومدلهمة بالخلق. نعم إخوتي بالله، نعم عباد الله، فالله الله باللجوء الحق إلى الله سبحانه وتعالى، باللجوء الحق إلى الله سبحانه وتعالى، بالدعاء، بالتضرع، بالتمسك بالحق. فإن الله سبحانه وتعالى قد عاتب أقواماً، قال: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا ضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾، يعني ما حصل لهم استكانة، وما حصل لهم تضرع، وما حصل لهم رجوع، بالرغم من أن الله سبحانه وتعالى قد أنزل بهم البأس والشدة. فما تسمعون أيها المسلم، وما ترون، وما تذكرون من انتشار لفتن العظام الكبيرة، الواجب عليكم الاعتصام بالحق في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتكثر من الأعمال الصالحة، والدعاء، والتضرع: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. واجب المسلمين الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء والتضرع. أخرج ابن أبي شيبة رحمه الله عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه بسند صحيح أنه قال: «ستكون فتن، لا ينجو منها العبد إلا بدعاء كدعاء الغريق»، يعني عند الشدة الشديدة، والتضرع التام، وأن يطرح نفسه عند الله سبحانه وتعالى أن يدفع عنه الشر. فالواجب على المسلمين في هذه الأيام التي كثرت فتنها، اللجوء إلى الله بالدعاء بإخلاص، وبالمحافظة على الطاعات، والاجتناب عن النواهي. في الصحيح عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ فقال: «من يصلي صواحب الحجرات؟ يقوم يصلي، ربكم كاشفة في الدنيا، عالية في الآخرة». قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: في الحث على الصلاة في أثناء الفتن، والنجاء إلى الله سبحانه وتعالى. وكذلك في صحيح مسلم عن معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العبادة في الهرج كهجرة إلي». قال الحافظ النووي رحمه الله: إنما ذكرت العبادة في الهرج لأن الناس يغفلون عنها، تسمعون مشغلين بالأخبار، ويشعرون بمطاعمهم ومشاهدهم وأحوال الخلق من القتل والقتال وما إلى ذلك، فينسى الناس الطاعة. فحفظ الله جل وعلا العباد على الإلزام بطاعة الله، إذ هي فرج، وإذ هي قرب من الله، وسبب لإبعاد الفتن وزوال الشرور بإذن الله سبحانه وتعالى. وهذا هو دأب الأنبياء ودأب الصالحين. فنبي الله يونس لما ألم به ما ألم، والتقمه الحوت، والتقمه الحوت، وبقي في بطنه ما بقي، فتنة عظيمة، فما كان منه إلا أن عاد إلى الله، ورجع إلى الله، وتضرع إلى الله، وسبح الله، وذكر الله جل وعلا، فنجاه الله سبحانه وتعالى عن ذلك الأمر العظيم والفتنة الشديدة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. قال الله جل وعلا: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. فتأملوا رحمكم الله في هذه الفتنة التي ألمت بنبي من أنبياء الله، فلما عاد إلى الله ورجع إلى الله، أصبح الله من شانه ما أصبح، فلفظه الحوت على اليم، وبعد ذلك أنبت الله عليه شجرة من يقطين، وأرسله إلى مئة ألف أو يزيدون. فالواجب على المسلمين، الواجب على المسلمين عامة، وعلى أهل الحق والإيمان خاصة، صدق اللجوء إلى الله، صدق اللجوء إلى الله يدفع الله به فتناً نازلة، فتن عامة وفتن خاصة على العباد في أنفسهم، في أهليهم، وفي أموالهم، وفي مجتمعاتهم، وفي دينهم، بإذن الله سبحانه وتعالى. إبراهيم عليه السلام لما فتن في أهله، حيث أخذها الجبار، كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «فخرج على زوجته سارة، قال لها: إنه قد سألني عنك، فقولي: أختي، فليس على الأرض مؤمن غيري وغيرك». فخرج في سفر، قال: «فذهب أن يصلي، أدباً لله، يصلي ويدعو، ويدعو كربه بالله، ويدعو الله جل وعلا عنه». فدخلت المرأة، فدخلت المرأة إلى ذلك الفاجر بجمالها وحسرها، فقد وضعت وصانت، فمد الكافر الفاجر يده، فقالت: «اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا من زوجي، فاحفظ فرجي من هذا الكافر». فإذا به يركض في الأرض، فقال: «اللهم إن مت يقولون: كافر، أو يقولون: فتنته». فبعد ذلك وضع الله ما به، وعاد الأرض ثلاثاً، ويعود الدعاء، ويعود عليه الأرض. فلما كانت في الثالثة قال: «أخرج عني، فإنك شيطان». وأخدمها هاجر، التي كان منها إسماعيل، والذي كان منه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فالواجب على المسلمين، الواجب على المسلمين، اللجوء إلى الله والتضرع بين يدي الله. إبراهيم عليه السلام لما أمره الله أن يسكن هاجر وولده الصغير الرضيع بغير زرع، وهو بجوار بيت الله في مكة، بجوار الكعبة، لجأ إلى الله عندما رجع، خرج من عند زوجته، فقالت: «إبراهيم، إلا من تكل إلى؟ قال: إلى الله. قالت: فنعم الوكيل». فلجأ إلى الله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. فكان في لجوئه إلى الله أن كشف الله كربته. فعندما اشتد عليها الظمأ، اشتد عليها الجوع، وعلى أولادها، سعت الصفا، وتلجأ إلى الله، وترفع يديها، وتدعو، ثم تسعى إلى المروة، وفعلت مثل ذلك سبع مرات، فإذا بجبرائيل عليه السلام ينزل، فيضرب بجناحه الأرض، فينبع الماء، ثم قال لها: «لا تخافا الضيعة، فإن الله سبحانه وتعالى سيأمر هذا الغلام مع أبيه أن يبني بيتاً له في هذه البلدة، فلا تخافا الضيعة، فإن الله لا يضيعه». أشهد من هذا عباد الله، اللجوء إلى الله، وما يترتب على ذلك من كشف الكرب، ومن الفتوح العظيمة على العبد في أمور دينه ودنياه. نسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يجيرنا وإياكم من فتنه، وأن يجنبنا وإياكم وبلادنا وجميع المسلمين الفتن، ما ظهر منها وما بطن. شكر الله لكم، وكتب أجركم، وأعظم مثوبتكم، وجمعنا وإياكم على الخير في الدنيا، وجمعنا وإياكم إن شاء الله عند نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر