رمضان خصائص وفضائل

الخطبة بعنوان رمضان خصائص وفضائل، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٥ شعبان ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضائل شهر رمضان وخصائصه

تستعرض الخطبة فضائل شهر رمضان المبارك من غفران الذنوب بصيامه وقيامه، وتصفيد مردة الشياطين، وفتح أبواب الجنة وإغلاق أبواب النار، مع مضاعفة الأجور في الطاعات والصدقات، وإطعام الصائمين، وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وإنزال القرآن فيه، ومدارسة جبريل للنبي ﷺ القرآن، وتكفل الله بأجر الصائم، داعية المسلمين لاستغلال هذا الموسم العظيم بالتقرب إلى الله والفرح بقدومه.

استقبال رمضان: أقسام الناس وآداب الاستعداد

يقسم العلماء الناس في استقبال رمضان إلى ثلاثة أصناف: الفرحون بالطاعة دليل الإيمان، وغير الفرحين دليل ضعف الإيمان، والكارهون دليل النفاق. ويؤكد الخطيب على وجوب استقبال الشهر بالتوبة الصادقة والعزيمة القوية، والإكثار من دعاء البلوغ، محذراً من إضاعة الأوقات في اللهو والتقنيات الحديثة، مستدلاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن حرمان من أدرك رمضان ولم يُغفر له، مختتماً بأدعية للنصر والتمكين.

دعاء وصلاة على النبي محمد وآله وصحبه

يحتوي المقطع على صيغة صلاة وتسليم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، مع تكرار بعض العبارات الدعائية مثل "يا قاضًا للعزيز" و"اللهم حطي" و"شكرًا شكرًا"، مما يعكس توجهًا تعبديًا وخشوعًا في الذكر والدعاء.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، ما هي إلا بضعة أيام وسيطل علينا ضيفٌ عزيز وموسمٌ عظيم وشهرٌ مباركٌ فضيل: شهر الصيام، شهر القيام، شهر القرآن، شهر العتق من النيران، شهر البر والإحسان. هذا الشهر الذي فضَّله الله عز وجل على غيره من أشهر السنة لما أودع فيه من الفضائل والخصائص. فهذا الشهر، عباد الله، نعمةٌ من الله عز وجل على المؤمنين إذ نوَّع فيه أنواع الطاعات وأنواع القربات، وضاعف فيه الأجور والحسنات، ليتقرَّب المتقرِّبون، وليعترِف المُخطئون، وليستغفِر المُستغفِرون. فينبغِ علينا، عباد الله، أن نستشعر هذه النعمة، وأن نتذاكر ما منَّ به ربُّنا عز وجل علينا في هذا الشهر من تلك الفضائل العظيمة والأجور الكثيرة. فمن خصائص وفضائل هذا الشهر، عباد الله، أن شرع فيه الصيام الذي به تتزكَّى القلوب وتتطهَّر النفوس، ويزدادُ الإيمان، ونكتسبُ التقوى، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾، قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ففي هذا الشهر يُخزِّنُ المسلم تلك الشحنات الإيمانية كي يعيش بقية أشهر السنة في إيمانٍ وفي تقرُّبٍ إلى الله سبحانه وتعالى. إنها نعمةٌ عظيمة إذ أن الله عز وجل جعلَ صيامَ هذا الشهر وقيامَه سببًا في غُفران الذنوب، كما جاءَ في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». أن تصومَ رمضان إيمانًا بفَرْضِيَّتَه وإخلاصًا لله عز وجل في صيامه، وهكذا القيام: أن تقومَ لَيَالِيَ ذَلِكُمُ الشَّهْرِ إيمانًا بسنِّيَّتِه ومشروعيَّته وإخلاصًا لله عز وجل، فذلكم سببٌ لغُفران الذنوب. وجاءَ أيضًا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ». جعلَ لنا ربُّنا عز وجل هذه المواسم وتلك كذلك الأزمان كي نتقرَّب إليه، وكي تتطهَّر قلوبُنا وتتزكَّى نفوسُنا. وهكذا، عباد الله، من خصائص ذلكم الشهر أن جعلَ كلَّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِيهِ لَهَا فِيهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، كما جاءَ في حديثِ أبي هُرَيْرَةٍ عند الترمذيِّ وَغَيْرَهِ وَحَسَّنَهُ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَإِنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا». وأفادَ ذلكمُ الحديثُ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِ وَفَضَائِلِ ذَلِكُمُ الشَّهْرِ أَنَّ مَرَدَةَ الشَّيَاطِينِ تُصَفَّدُ وَتُرَبَّطُ وَتُسَلْسَلُ، وَأَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تُفْتَحُ، وَأَنَّ أَبْوَابَ النَّارِ تُغْلَقُ، لِيَتَقَرَّبَ الْمُتَقَرِّبُونَ، وَلِتَهَيَّأَ الطَّاعَاتُ لِلْعَابِدِينَ. أيها المسلمون، عباد الله، ومن خصائص وفضائل ذلكم الشهر أن الله عز وجل ضاعف فيه الأجور والحسنات، فتعمل أعمالاً قليلة وتؤجر أجوراً كثيرة. فقد جاء عند الإمام أحمد من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه وصحَّحه العلامة الألباني أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «وَمَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ». دقائق معدودة تُصَلِّي فِيهَا صَلَاةَ التَّرَاوِيحَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْتَهِيَ مِنَ الصَّلَاةِ فَتُحْسَبَ وَتُكْتَبَ لَكَ كَأَجْرِ قِيَامِ لَيْلَةٍ كَامِلَةٍ. يَا لَهَا مِنْ مِنْحَةٍ رَبَّانِيَّةٍ وَعَطِيَّةٍ إِلَاهِيَّةٍ. وهكذا من تلكم المضاعفة في الجود والبر والصدقة، فإن الجود في رمضان ليس كغيره من الأوقات. فقد جاء عن ابن عباس عند البخاري أنه قال رضي الله تعالى عنه: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» لكثرة جوده وعطائه عليه الصلاة والسلام. وإذلك جاء عند الترمذي وغيره من حديث زيد بن خالد الجُهني رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ». يَا لَهُ مِنْ أَجْرٍ عَظِيمٍ. يَا مَنْ رَزَقَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْقُدْرَةَ وَالِاسْتِطَاعَةَ عَلَى أَنْ تَتَصَدَّقَ عَلَى إِخْوَانِكَ الْمُسْلِمِينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ الْمُحْتَاجِينَ، لَا سِيَّمَا وَنَحْنُ نَعِيشُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ تِلْكَ الضَّائِقَةَ الْعَظِيمَةَ وَتِلْكَ الشِّدَّةَ الْجَسِيمَةَ، فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ بِحَاجَةٍ إِلَى ضَرُورِيَّاتِ الْحَيَاةِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَسْكَنِ. فَإِنَّهَا فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ طَاعَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ مُوَاسَاةِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ، وَمِنْ نَيْلِ مُضَاعَفَةِ الْأَجُورِ وَالْحَسَنَاتِ. فَأَكْثِرُوا مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْعَطَاءِ. وهكذا من خصائص وفضائل ذلكم الشهر، عباد الله، لنعلم فضل الله علينا ورحمته. من خصائص ذلكم الشهر أن فيه ليلةً هي خيرٌ من ألف شهر، فإنها ولا محالة في شهر رمضان لأن القرآن أنزل في ليلة القدر، وقد أخبر ربُّنا عزَّ وجل أن القرآن أنزل في رمضان، فجمعًا بين قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، وبين قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾، استدل العلماء على أن ليلة القدر إنما هي في رمضان بصريح هاتين الآيتين. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتحرَّى هذه الليلة في العشر الأواخر من رمضان ليدلَّ كذلك على أن ليلة القدر إنما هي في ذلكم الشهر. فليالي العشر من رمضان هي أفضل ليالي العام. هكذا أيها المسلمون، فضَّل الله عز وجل هذا الشهر وميَّزه بتلك الخصائص والمزايا. وهكذا من خصائص ذلكم الشهر ومن فضائله أيضًا أن أنزل فيه القرآن، ذلكم القرآن الذي هو هدايا للمؤمنين، والذي هو نورٌ للمتقين. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وكما قال عز وجل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. فهو كتابٌ عظيم أنزل في هذا الشهر المبارك الفضيل. وهكذا عباد الله، من خصائص هذا الشهر أيضًا مُدارسة القرآن، كما سمعت في حديث ابن عباس، فلقد كان جبريل عليه الصلاة والسلام يُدارس نبيَّنا مُحمدًا صلى الله عليه وسلم القرآن، فهو من خصائص هذا الشهر. وهكذا من خصائص هذا الشهر أيضًا أن الله عز وجل تكفَّل بأجر الصائم وأضافه إلى نفسه، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين، الحديث القدسي، أن الله عز وجل يقول في ذلكم الحديث: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ». نَعَمْ، كُلُّ الْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ وَتَكَفَّلَ بِأَجْرِ فَاعِلِهِ، لِيَدُلَّ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ هُوَ الصَّبْرُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَجْرِ الصَّابِرِينَ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. فَالصِّيَامُ قَدْ سَمَّاهُ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرَ الصَّبْرِ، كَمَا عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ وَصَحَّحَهُ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامَ قَالَ: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، صَوْمُ الدَّهْرِ، صَوْمُ الدَّهْرِ». فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِشَهْرِ الصَّبْرِ لِأَنَّ فِيهِ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الصَّبْرِ: الصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ بِامْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ مِنَ الْإِمْسَاكِ وَغَيْرِهِ، وَهَكَذَا الصَّبْرُ عَلَى الْكَفِّ عَنِ الْمَعْصِيَةِ بِأَنْ لَا تَأْكُلَ أَوْ تَشْرَبَ وَهُوَ أَمْرٌ مُبَاحٌ فِي وَقْتِ الصِّيَامِ، فِي وَقْتِ الصِّيَامِ، وَلَعَلَّ النَّفْسَ تَتَوَّقُ وَتَتَشَوَّقُ إِلَى ذَلِكَ. وَهَكَذَا فِيهِ مَعْنَى الصَّبْرِ عَلَى أَقْدَارِ اللَّهِ، فَتَصْبِرُ، تَصْبِرُ عَلَى شِدَّةِ الْجُوعِ، وَلَرُبَّمَا عَلَى شِدَّةِ الْعَطَشِ وَالْحَرِّ الشَّدِيدِ، لَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْأَعْوَامِ الْمُتَأَخِّرَةِ، فَإِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ يَأْتِي فِي وَقْتِ الْحَرِّ، فِي وَقْتِ الْحَرِّ وَشِدَّتِهِ. فَاصْبِرْ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَعَوِّذْ نَفْسَكَ الصَّبْرَ تُفْلِحْ فِي دُنْيَاكَ وَآخِرَاكَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ الصَّبْرَ إِلَّا أُوتِيَ الْخَيْرَ كُلَّهُ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». فَصَبِّرُوا أَنْفُسَكُمْ، عِبَادَ اللَّهِ، وَعَوِّدُوهَا فِي مِثْلِ ذَلِكُمُ الشَّهْرِ الْفَضِيلِ عَلَى هَذَا الْخُلُقِ الْعَظِيمِ، فَإِنَّ مِنْ خَصَائِصِ هَذَا الشَّهْرِ هُوَ مَعْنَى الصَّبْرِ كَمَا سَمِعْتُمْ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. فَنَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُعِينَنَا عَلَى ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهَدْيِهِ وَاسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أما بعد، أيها المسلمون، فإنه من آثار الإيمان الصادق أن يفرح المسلم بمواسم الخيرات وبقدوم مواسم الطاعات. فإن العلماء ذكروا أنه ينبغي على المسلم الذي قد قوي إيمانه وصفيت نفسه أن يفرح بقدوم شهر رمضان، وأن يبتهج بذلك، وأن يستعد لصيامه وقيامه وقراءة القرآن فيه. فقد ذكر بعض أهل العلم أن الناس في استقبال شهر رمضان على ثلاثة أقسام: فمنهم من يفرح بقدومه ويستبشر، لا من أجل المطاعم ولا المشارب، وإنما من أجل الطاعة والقربة، من أجل لذة الصيام، ومن أجل لذة القيام، ومن أجل لذة مناجات رب الأرض والسماوات. فهؤلاء دليل على قوة إيمانهم وصدق نياتهم. وأما النوع الثاني فهو الذي لا يفرح بقدوم هذا الشهر، فقال العلماء: هذا دليل على ضعف إيمانه. وأما القسم الثالث فهو الذي يكره قدوم هذا الشهر، فقال العلماء: هذا دليل على نفاقه، والعياذ بالله، لأن الله عز وجل يقول في شأن المنافقين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. أَلاَ وَإِنَّ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ صِيَامَ ذَلِكَ الشَّهْرِ، وَكَذَلِكَ قِيَامَهُ. أَلَا فَلْنَفْرَحْ بِهَذَا الشَّهْرِ وَبِقُدُومِهِ، وَلْنَسْتَعِدَّ لِلْتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَالْجِدِّ وَالْاجْتِهَادِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. فَهَذَا هُوَ الْفَرَحُ الْمَحْمُودُ أَنْ تَفْرَحَ بِالطَّاعَةِ وَأَنْ يَنْشَرَحَ صَدْرُكَ لِلطَّاعَةِ. إِنَّهَا السَّعَادَةُ الْحَقِيقِيَّةُ. وَهَكَذَا عِبَادَ اللَّهِ، يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ هَذَا الشَّهْرَ بِالنِّيَّةِ الْحَسَنَةِ وَبِالْعَزِيمَةِ الْقَوِيَّةِ الْأَكِيدَةِ عَلَى التَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ، عَلَى التَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ، وَعَلَى الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. نَعَمْ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، عِبَادُ اللَّهِ. وَهَكَذَا مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ نَسْتَقْبِلَ بِهِ هَذَا الشَّهْرَ أَنْ نَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُبَلِّغَنَا إِيَّاهُ، فَقَدْ صِرْنَا قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى مِنْهُ، وَلَكِنْ هَلْ يَأْمَنُ أَحَدُنَا أَنْ يُدْرِكَ هَذَا الشَّهْرَ؟ لَا وَاللَّهِ. فَلِذَلِكَ أَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ وَقُولُوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ، اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ. فَكَمْ مِنْ أَنْاسٍ كَانُوا مَعَنَا قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، فَإِذَا بِالْمَوْتِ قَدْ فَاجَأَهُمْ، وَإِذَا بِهِمْ صَارُوا مِنْ عِدَادِ الْمَوْتَى تَحْتَ الثَّرَى. أَلاَ فَلْنَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ أَنْ تُوَفَّقَ لِإِدْرَاكِ ذَلِكُمُ الشَّهْرِ الْفَضِيلِ كَيْ تَتَزَوَّدَ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ. وَهَكَذَا شَهْرٌ قَدْ سَمِعْنَا فَضَائِلَهُ وَخَصَائِصَهُ، فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَشْكُرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنْ أَدْرَكْنَاهُ، فَإِنَّهَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا. أَلاَ وَإِنَّ شُكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ أَنْ نَتَعَرَّضَ لِتِلْكَ الْفَضَائِلِ، وَأَنْ نَتَعَرَّضَ لِتِلْكَ الرَّحَمَاتِ وَتِلْكَ النَّفَحَاتِ. نَعَمْ، احْذَرْ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ هَذَا الشَّهْرُ وَأَنْتَ لَا تَزَالُ فِي غَفْلَتِكَ، لَا تَزَالُ فِي لَهْوِكَ وَلَعِبِكَ، لَا تَزَالُ فِي تَرْكِكَ لِلصَّلَاةِ وَفِي بُعْدِكَ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَعَنْ كَذَلِكَ الْمَكُوثِ فِي بُيُوتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَإِنَّهُ مِنَ الْحِرْمَانِ الْعَظِيمِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ الْمُسْلِمُ لِأَسْبَابِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلِأَسْبَابِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِذُنُوبِهِ. جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامَ قَالَ: «رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ ثُمَّ انْسَلَخَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ». أَيْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِرَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَمْ يَصُمْ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، لَمْ يَقُمْ لَيَالِيَ رَمَضَانَ، لَمْ يَتَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَمْ يُهَذِّبْ أَخْلَاقَهُ وَمُعَامَلَاتِهِ. فَإِنَّ ذَلِكُمُ الْعَبْدَ قَدْ حُرِمَ خَيْرًا كَثِيرًا. وَاحْذَرُوا فِي ذَلِكُمُ الشَّهْرِ مِنْ سُرَّاقِ الْأَوْقَاتِ وَمِنْ مُضَيِّعَاتِ الْأَعْمَارِ، فَإِنَّهُ لِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ دَخَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الشَّهْرِ بِوَسَائِلَ وَخُطُوَاتٍ تَصْرِفُهُمْ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَسَوَّلَ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا لَيْلَهُمْ بِاللَّعِبِ بِالْوَرَقِ أَوْ غَيْرِهِ، بَلْ وَتَطَوَّرَ الْأَمْرُ إِلَى إِحْدَاثِ هَذِهِ التَّقْنِيَاتِ الْحَدِيثَةِ مِنَ الْجَوَّالَاتِ وَغَيْرِهَا الَّتِي تَسْرِقُ الْأَوْقَاتَ وَتُضَيِّعُ الْأَعْمَارَ، فَتَجِدُ أَحَدَهُمْ يَجْلِسُ السَّاعَاتِ الطِّوَالَ وَهُوَ يُقَلِّبُ مِنْ مَوْقِعٍ إِلَى آخَرَ وَمِنْ قُرُوبٍ إِلَى آخَرَ، وَيَتْرُكُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَيَخْرُجُ إِنْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ اللَّيْلِ، وَإِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. إِنَّهَا خُطُوَاتُ الشَّيْطَانِ الَّتِي حَذَّرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. نَعَمْ، فَلْيَكُنِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي رَمَضَانَ قَدْ أَخَذَ جُلَّ وَقْتِكَ، نَعَمْ قَدْ أَخَذَ جُلَّ وَقْتِكَ. وَأَمَّا مِثْلُ هَذِهِ الْآلَاتِ فَإِنِ احْتَجْتَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا فَلْيَكُنْ بِقَصْدٍ، وَلْيَكُنْ بِقَصْدٍ، وَلَا تُسْرِفْ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ الضَّيَاعَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. أَسْأَلُ اللَّهَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يُوَفِّقَنَا جَمِيعًا لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى. نَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُبَلِّغَنَا وَإِيَّاكُمْ رَمَضَانَ، وَأَنْ يُوَفِّقَنَا لِقِيَامِهِ، لِصِيَامِهِ وَقِيَامِهِ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الْكُفْرَةَ وَالْمُشْرِكِينَ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ. اللَّهُمَّ انْصُرْ مَنْ نَصَرَ الدِّينَ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ وَلِّ عَلَيْنَا خِيَارَنَا، وَلَا تُوَلِّي عَلَيْنَا شِرَارَنَا، وَاجْعَلْ وِلَايَتَكَ فِي مَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِكَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. اللَّهُمَّ انْصُرْهُمْ فِي عَدَنَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْيَمَنِ. اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَهُمْ، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَأَنْزِلِ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالرَّوَافِضِ الْحُوثِيِّينَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالرَّوَافِضِ الْحُوثِيِّينَ وَمَنْ وَالَاهُمْ. اللَّهُمَّ شَتِّتْ شَمْلَهُمْ، وَفَرِّقْ جَمْعَهُمْ، وَاجْعَلِ الدَّائِرَةَ عَلَيْهِمْ. اللَّهُمَّ اقْذِفِ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ. اللَّهُمَّ زَلْزِلِ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِمْ. اللَّهُمَّ أَرِنَا فِيهِمْ عَجَائِبَ قُدْرَتِكَ، اللَّهُمَّ أَرِنَا فِيهِمْ عَجَائِبَ قُدْرَتِكَ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ. وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ، وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ، يَا قَبْضًا لِلْعَزِيزِ، اللَّهُمَّ حَظِّي، يَا قَبْضًا، شُكْرًا، شُكْرًا.