منظومة السير إلى الله والدار الآخرة  7

منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 7

الدرس في منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

التقرب إلى الله بأداء الفرائض واجتناب المحرمات

يشرح الدرس أن أقرب الأعمال إلى الله هي أداء الفرائض واجتناب المحرمات، مستدلاً بالحديث القدسي والآيات التي تبين أن المال والنسب لا ينفعان دون عمل صالح. ويسوق قصة الثلاثة الذين توسلوا بأعمالهم الصالحة ففرج الله عنهم، مؤكداً حرص السائرين إلى الله على كل وسيلة تقربهم بالطاعة.

فضل الفرائض والنوافل وثمار محبة الله مع التواضع

يبين المقطع أن التقرب يبدأ بالفرائض ثم يكثر العبد من النوافل لينال محبة الله، التي ثمارها التسديد في الحواس والأعمال وإجابة الدعاء. ويؤكد أن الكمال الحقيقي هو الاجتهاد مع رؤية النفس مقصرة، مما يربي التواضع بالنظر إلى من هو أعلى في الآخرة وإلى من هو أدنى في الدنيا للشكر والزهد.

تقديم الفرائض على النوافل وخطر إهمال الواجبات

يشدد الدرس على وجوب تقديم الفرائض كبر الوالدين وصلة الأرحام على النوافل، وأن من يفرط في الواجبات يفرط في النوافل أشد. وينبه إلى أن النافلة إذا أدت لترك واجب كصلاة الجماعة وجب تركها، محذراً من العجب والمن والكبر كمبطلات للأعمال.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في منظومته "السير إلى الله والدار الآخرة": "يتقربون إلى المليك بفعلهم طاعاته والترك للعصيان". قال: هذه الأعمال التي تقرب إلى الله وتوصل إليه، وهو فعل طاعاته - وهو فعل طاعته لا سيما الفرائض - وترك معاصيه، كما في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». هكذا يواصل الشيخ رحمه الله تعالى في ذكر صفات السائرين إلى الله والدار الآخرة، فذكر من صفاتهم أنهم يتقربون إلى المليك بفعلهم طاعاته. فطاعاته هنا منصوب على المفعولية للمصدر بفعلهم، والمعنى: يتقربون إلى ربهم بفعل الطاعات. وأما قوله: "والترك للعصيان"، فالترك هنا جرى لأنه معطوف على فعلهم، والمعنى: يتقربون إلى المليك بفعلهم طاعاته وبالترك للعصيان، وبالترك للعصيان. فهذا هو الذي يقرب إلى الله سبحانه وتعالى ويوصل إليه. لا يتقرب إلى الله ولا يوصل إلى الله إلا بالعمل الصالح، إلا بترك المعاصي والآثام. لا يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالأولاد والأموال، ولا بالأنساب والأحساب. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفا إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون﴾. فهذا الذي يقرب إلى الله: العمل الصالح، الإيمان، ترك المعاصي. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام لأقرب الناس إليه نسبا وهم أعمامه وعماته وبناته، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئتي، فإني لا أغني عنك من الله شيئا. لا يأتي الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم». وقال عليه الصلاة والسلام: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». فالذي يقرب إلى الله سبحانه وتعالى هي الأعمال الصالحة، والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بفعل طاعته وترك معصيته. وهكذا عباد الله المتقون، وصفهم ربهم سبحانه وتعالى بأنهم يحرصون على التقرب إلى الله، وعلى اتخاذ كل وسيلة تقرب إلى الله. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾. فهؤلاء يتخذون كل وسيلة تقرب إلى الله. وما هي الوسائل التي تقرب إلى الله؟ الأعمال الصالحة، الأعمال الصالحة. ولا يخفى عليكم حديث، أو حديثا، ولا يخفى عليكم حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة. فهل توسلوا بأموالهم؟ وهل توسلوا بأولادهم وأهاليهم؟ ما توسلوا إلا بأعمالهم الصالحة. وهذا نوع من أنواع التوسل المشروع: أن يتوسل العبد بعمله الصالح، لأنه هو الذي يقرب إلى الله، وهو الذي يحبه الله. فذاك تقرب أو توسل ببره لوالديه، وذاك بعفته، وذاك بأمانته، فكان الفرج من الله سبحانه وتعالى. فهذا هو الذي يقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا الذي ينبغي أن يحرص عليه السائرون إلى الله والدار الآخرة. ويستدل على ذلك كذلك بما ذكره المؤلف ها هنا من حديث أبي هريرة في الصحيح، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». قال العلماء: والذي افترضه الله عز وجل على عباده: فعل الواجبات وترك المحرمات. كل ذلك يدخل في قول النبي عليه الصلاة والسلام، وفي قول الله عز وجل في هذا الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». فما تقرب المتقربون إلى الله بشيء أحب إلى الله عز وجل من فعل الواجبات وترك المحرمات. هذا في قائمة أعمال السائرين إلى الله سبحانه وتعالى. ثم قال: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». فالنوافل تكون بعد الفرائض، تكون بعد الفرائض. فهذه من صفات السائرين إلى الله سبحانه وتعالى. قال: "لهذا قلت: فعل الفرائض والنوافل دأبهم، مع رؤية التقصير والنقصان". قال: هذا هو الكمال، وهو أن يجتهد في أداء الفرائض والإكثار من النوافل. هذا الكمال الواجب هو فعل الفرائض. فالسائرون إلى الله لا يقتصرون فقط على فعل الفرائض، بل ويحرصون كذلك على كثرة النوافل، لأنها سبب لتوفيق الله عز وجل للعبد وتسديده وقبول دعائه، كما في حديث أبي هريرة المتقدم: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». فالإكثار من النوافل سبب لمحبة الله عز وجل للعبد. ثم انظر إلى ثماري محبة الله عز وجل للعبد: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. يسدده ربه عز وجل في سمعه، في بصره، في أخذه وعطائه، في ذهابه وإيابه، تسديدا وتوفيقا من الله عز وجل. ولا يقتصر هذا الأمر عند هذا الحد، بل ويكون مستجاب الدعوة. فقال ربنا سبحانه وتعالى في هذا الحديث القدسي: «وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». وكل ذلك من صفات السائرين إلى الله عز وجل. وهذا من باب الكمال: أنهم يجتهدون في أداء الفرائض، ويكثرون كذلك من النوافل. قال: هذا هو الكمال، وهو أن يجتهد في أداء الفرائض والإكثار من النوافل، ويرى نفسه مقصرا مفرطا، لا يغتر بكثرة أعماله وكثرة طاعاته. فمع اجتهاده إلا أنه يرى نفسه مقصرا مفرطا. قال: فاجتهاده في الأعمال ينفي عنه الكسل، ورؤية تقصيره ينفي عنه العجب الذي يبطل الأعمال ويفسدها. وصدق رحمه الله تعالى. فالسائر إلى الله عز وجل والدار الآخرة، مع اجتهاده وكثرة عباداته، يرى نفسه مقصرا ومفرطا. وهذه الرؤية لها أثر عظيم في تواضعه، وفي كذلك عدم اغتراره وتكبره. فلذلك قال: فاجتهاده في الأعمال ينفي عنه الكسل، لأنه يرجو هذه الثمار العظيمة من ثمار كثرة النوافل. فهذا الاجتهاد ينفي عنه الكسل، فتجده مقداما، وتجده كذلك مجتهدا في الأعمال الصالحة. ورؤية تقصيره ينفي عنه العجب. مهما عمل من أعمال عظيمة وكثيرة، إلا أن التقصير من دأب البشر. وكان العلماء رحمهم الله يذكرون من تقصيرهم ومن تفريطهم مع اجتهادهم وكثرة أعمالهم، حتى ينفى عنهم العجب. وكان شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى يقول لطلابه: "مهما حفظت ومهما فهمت من العلم، فأين أنت من الإمام أحمد؟ وأين أنت من شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله؟" انظر إلى من هو أعلى منك في أمور الآخرة، انظر إلى من هو أعلى منك في أمور الآخرة. فهذا يورث لك الانكسار والتواضع والبعد عن العجب والكبر. وهكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام في أمور الدنيا: «انظروا إلى من هو أسفل منكم»، يعني أدنى منكم. هذا في أمور الدنيا، لأن هذه الدنيا حقيرة. فإن أعطيت بيتا، فانظر إلى فلان ما عنده بيت. وإن أعطيت زوجة، فانظر إلى فلان من الناس ما عنده زوجة. وإن أعطيت ولدا، فانظر إلى فلان من الناس ما عنده ولد. هذا في أمور الدنيا. أما في أمور الآخرة، فانظر إلى من هو أعلى منك. إن كنت تصوم الاثنين والخميس، فغيرك ربما يصوم يوما ويفطر يوما، فأين أنت منه؟ إن كنت تحفظ القرآن ورياض الصالحين وبلوغ المرام، فانظر إلى غيرك فهو يحفظ القرآن، وربما الصحيحين، وربما السنن الأربعة، فأين أنت منه؟ فبهذا تنكسر النفس وتشعر بالتقصير، فينفي عنها ذلك الشعور: العجب، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، الذي يبطل الأعمال ويفسدها. من مبطلات الأعمال: العجب، والمن، والكبر. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾. ولا يصدر المن إلا من عجب ومن كبر، والعياذ بالله. فلذا ينبغي للمسلم أن يعمل الأعمال ويشعر بالتقصير، ويشعر كذلك بالنقص والتفريط. فهذا أمر من صفات السائرين إلى الله سبحانه وتعالى. وذكر العلماء قاعدة في هذا الباب، وهي: أن من فرط في فعل الواجبات فهو في النوافل من باب أولى أن يكون أشد تفريطا. فلا تجد حريصا مجتهدا في النوافل وقد فرط في الواجبات أبدا. فمن فرط في الواجبات فهو في النوافل من باب أولى. وقاعدة أخرى يذكرها العلماء عند هذا الباب، ليتبين لك أن الفرائض مقدمة على النوافل: أن النافلة إذا كانت سببا في ترك واجب، فتترك هذه النافلة، تترك هذه النافلة، لأن الواجب مقدم. فلو أنك تقوم الليل صلاة النافلة، ولكن هذا القيام يكون سببا في تأخرك عن صلاة الجماعة، أو في تركك لصلاة الجماعة صلاة الفجر، فقال العلماء: لا يجوز له أن يقوم هذه النافلة، لأنه حرص على هذه النافلة وكانت سببا في ترك فريضة. ومثله السهر في طلب العلم: إن كان هذا السهر يكون سببا في تركك لصلاة الجماعة صلاة الفجر، فلا يجوز لك أن تشتغل في هذه النافلة على حساب ذلك الفرض. ليدل كذلك أخي المسلم على أن الفرائض أولى، ويعد عيبا ومذمة في شخص يحرص على النوافل وهو مفرط في الفرائض. هذا دليل على ضعف تدينه، وعلى كذلك انحراف منهجه وسيره. تجده ما شاء الله حريص على الصف الأول، وحريص على النوافل، وإذا به قاطع لأرحامه، وهاجر لإخوانه. فماذا يغني عنه وتغني عنه هذه النوافل؟ أليس بر الوالدين وصلة الأرحام من الفرائض؟ قد تقدم معنا أن الفرائض يشمل فعل الواجبات وترك المحرمات. وترك المحرمات: فلا يليق بمسلم ما شاء الله تجده حريصا على النوافل، الصيام النافلة، وعلى كذلك الحرص على الصف الأول - والصف الأول ليس واجب - أو حريصا على كذلك خدمة الناس والجري معهم وقضى حوائجهم، وهو لا يقضي حوائج أمه وأبيه، ولا عمه وخاله. فهذا نقص وعيب في هذا الشخص. يبدأ المرء أولا بالأمور الواجبة التي أوجبها الله عز وجل عليه. فأوجب عليك بر الوالدين، وأوجب عليك خدمتهما، وأوجب عليك برهما، وأوجب عليك صلة الأرحام، سواء كانت هذه الصلة بالمال إن كنت مقتدرا على ذلك وهم بحاجة إليه، أو بالزيارة الأسبوعية أو الشهرية على حسب ما يتعارف عليه في المجتمع. فهذه من الأمور الواجبة، فلا تقدم على الأمور المستحبة. يذهب مع صاحبه ويقضي حوائجه، وأمه وأبوه في أمس الحاجة إليه، وأقاربه وأرحامه في أمس الحاجة إليه. هذا من التفريط، وهذا من كذلك النقص في ذلكم الأمر. فإذا ينبغي علينا أن نفيق لهذه المسائل. فمن صفات السائرين إلى الله عز وجل: فعل الفرائض أولا، فعل الفرائض أولا، ثم فعل النوافل. فيجمعون بين هذين الأمرين. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر