منظومة السير إلى الله والدار الآخرة  8

منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 8

الدرس في منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تعريف الصبر وأقسامه الثلاثة في السير إلى الله

يُعرّف الصبر المحمود بأنه حبس النفس على المكاره لرضا الرحمن، ويُميَّز عن الصبر الاضطراري. وينقسم الصبر إلى ثلاثة أقسام: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على الأقدار المؤلمة، مع أمثلة كالصلاة والصيام.

الصيام في رمضان يجتمع فيه أنواع الصبر الثلاثة

يشمل صيام رمضان الأنواع الثلاثة للصبر: الصبر عن المعاصي كترك الإفطار بغير عذر، والصبر على الأقدار المؤلمة كالجوع والعطش، والصبر على أداء الطاعات. وقد سماه النبي ﷺ شهر الصبر، وأكد الحديث القدسي أن الله يتكفل بأجر الصائمين كما يتكفل بأجر الصابرين بغير حساب.

الصبر على الطاعة وكف النفس عن المعصية

يتجلى الصبر في حث النفس الكسولة على الطاعة وترغيبها في ثوابها. كما يتجلى في كف النفس عن المعصية عند اشتداد دواعيها بتخويفها من عاقبتها وتذكر أجر الصابرين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في منظومته "السير إلى الله والدار الآخرة" وهو يذكر صفات السائرين إلى الله: "صبر النفوس على المكاره كلها شوقاً إلى ما فيه من إحسان". قال في شرحه: الصبر هو حبس النفس على ما يكره الإنسان إذا كان فيه رضى الرحمن، وهذا هو الصبر المحمود أن يصبر العبد لله سبحانه وتعالى وفيما فيه رضى لله عز وجل، لأن بعض الناس قد لا يجد أمامه إلا الصبر فيصبر، ليس تقرباً إلى الله ولا احتساباً للأجر من الله، وإنما يصبر لأنه لا طريق أمامه إلا ذلك، ولكن من صبر واحتسب الأجر من الله فهذا هو الصبر الذي يؤجر عليه صاحبه، ولذلك عرفه المؤلف بهذا التعريف: حبس النفس إذا كان فيه رضى الرحمن. قال: والصبر ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله حتى يؤديها، وصبر عن معاصي الله حتى يتركها، وصبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها. هذه هي أنواع الصبر وهي ثلاثة. صبر على طاعة الله حتى يؤديها، فإتيان الطاعة يحتاج منك إلى صبر، كونك تهرع إلى الصلاة وتترك جميع شهواتك وملذاتك، هذا يحتاج منك إلى صبر، وما ترك الطاعة من ترك إلا بسبب عدم صبره. وهكذا الصيام يحتاج منك إلى صبر، وهكذا غيرها من العبادات تحتاج من مؤديها إلى صبر. وهكذا صبر عن معاصي الله، فما وقع من وقع في المعاصي إلا بسبب عدم صبره، فبعدك عن الزنا أو عن اللواط أو عن الخمر أو عن النظر إلى ما حرم الله أو السماع إلى ما حرم الله، كل ذلك يحتاج منك إلى صبر. وهكذا صبر على أقدار الله المؤلمة، أي الأقدار التي هي ابتلاء على العباد لما فيها من شدة، من برد أو حرارة أو إلى غير ذلك، فهذه تحتاج منك إلى صبر، كموت حبيب أو فقد مال أو فقد دار أو إلى غير ذلك، فهذا يحتاج منك إلى صبر. فهذه أنواع الصبر الثلاثة. ونحن في هذا الشهر المبارك شهر الصبر، هكذا وصفه النبي عليه الصلاة والسلام كما في مسند الإمام أحمد من حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر»، صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. وما هو شهر الصبر؟ شهر رمضان، لأنه هو الشهر الذي يصام صوماً واجباً، فإذا هذا الشهر شهر الصبر، وقد اجتمل على أنواع الصبر الثلاثة: فكون العبد يمسك عن الطعام والشراب وجميع المفطرات هذا صبر على طاعة الله حتى يؤديها، وهكذا قيام العبد في صلاة التراويح هذا صبر على طاعة الله حتى يؤديها وذلك في رمضان. وهكذا صبر عن معاصي الله حتى يتركها، فأنت في هذا الشهر ربما تشعر بحرارة الجوع وشدة الظمأ فلا تفطر، ولا كذلك تخدع وتمكر وتشرب بالسر، وإنما تصبر، فهذا صبر عن معاصي الله، ألا وهو الإفطار في رمضان من غير عذر شرعي، فهذه معصية، وكونك تترك هذه المعصية هذا صبر عن معاصي الله في هذا الشهر. وهكذا صبر على أقدار الله المؤلمة، فأنت ربما تشعر بشيء من الجوع أو العطش أو التعب ولكنك تصبر وتحتسب الأجر، فهذا صبر على أقدار الله. فدل ذلك على أن الصيام قد اجتمل على أنواع الصبر الثلاثة، ولذلك سماه النبي عليه الصلاة والسلام بشهر الصبر. وهكذا مما يؤيد ذلك أن الله عز وجل جعل أجر الصائم إليه كما جعل أجر الصابرين إليه، فقال في أجر الصابرين: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، فتكفل ربنا عز وجل بأجر الصابرين ولم يحدد له أجراً وإنما رد ذلك إليه سبحانه وتعالى، وكذلك في الصيام فإن الله عز وجل تكفل بأجر الصائم ولم يجعل لأجر الصائم حداً، فجاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين في الحديث القدسي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال فيما يرويه عن ربه: قال الله سبحانه وتعالى: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به». فتبين لنا بهذا وجه الربط بين الصبر والصوم، وأن الصوم هو في الحقيقة صبر بأنواعه الثلاثة. قال: فإذا كسلت نفسه عن طاعة الله حثها عليها وألزمها ورغبها إياها بثوابها، فهذا صبر منه، النفس أحياناً تترك إلى الدعا والراحة والكسل، فإذا حثها على الطاعة والاجتهاد فيها وترك الكسل والخمول وإلى غير ذلك فهذا صبر منه على طاعة الله، فيذهب ما به من كسل. وإذا اشتدت دواعي نفسه إلى معصية الله كفها عنها وحذرها وبالها وعاقبة فعالها إذا أقدم على معصية، فتذكر أجر الصابرين وأن هذه اللذة