الدرس في منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن الشيخ أن الذكر لا وقت محدد له ويكون في كل حال، فيزيل الشقاء والهم ويجلب الخيرات العاجلة والآجلة ويطرد وساوس الشيطان. وتؤكد الأحاديث أن المفرِّدين بالذكر يسبقون، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاذاً بالدعاء للإعانة على الذكر وأمر من ثقلت عليه الشرائع بإدامة لسان رطب بذكر الله، فالذكر غرس في الجنة والله يذكر عبده ويسدده.
يذكر المقطع أن ذكر الله يورث معية خاصة بالتسديد والتوفيق، ويكون طريقاً إلى محبة الله كما في قصة قارئ سورة الإخلاص. كما أن الذكر مانع من الغيبة والنميمة لقوله: "ذكر الله دواء وذكر الناس داء"، ويصير نوراً للذاكر في قلبه وقوله وقبره ويوم حشره.
يوضح المقطع أن الطاعات والقربات تعود بالنفع على العبد في حياته البرزخية وفي يوم القيامة. ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر من البيان.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله في كتابه "السير إلى الله والدار الآخرة"، وعند ذكره لصفة عظيمة من صفات السائرين إلى الله، ألا وهي كثرة ذكرهم لله سبحانه وتعالى في السر والإعلان، وبعدما شرح هذا البيت ذكر أبياتاً هي ليست من منظومته "السير إلى الله" وإنما هي أبيات في موطن آخر نظمها، فذكرها في هذا الشرح، فقال رحمه الله تعالى: "ولي من أبياتٍ أي فيما يتعلق بالذكر: ذكر الله سبحانه وتعالى، قال: وكن ذاكراً لله في كل حالةٍ *** فليس لذكر الله وقتٌ مقيد فذكر إله العرش سراً ومعلنا *** يزيل الشقاء والهم عنك ويطرد ويجلب للخيرات ديناً وآجلاً *** وإن يأتك الوسواس يوماً يشرد فقد أخبر المختار يوماً لصحبه *** بأن كثير الذكر في السبق مفرد ووصى معاذاً يستعين إلهه *** على ذكره والشكر بالحسن يعبد وأوصى لشخص قد أتى لنصيحةٍ *** وقد كان في حمل الشرائع يجهد بأن لم يزل رطب اللسان كهذه *** تعين على كل الأمور وتسعد وأخبر أن الذكر غرس لأهله *** بجنات عدن والمساكن تمهد وأخبر أن الله يذكر عبده *** ومعه على كل الأمور يسدد وأخبر أن الذكر يبقى بجنبه *** وينقطع التكليف حين يخلد ولو لم يكن في ذكره غير أنه *** طريق إلى حب الإله ومرشد وينهى الفتى عن غيبة ونميمة *** وعن كل قول للديانة مفسد لكان لنا حظ عظيم ورغبة *** بكثرة ذكر الله نعم الموحد ولكننا من جهلنا قل ذكرنا *** كما قل منا للإله التعبد" فهذه أبيات ذكرها رحمه الله في الذكر، وفيها معنى ما تقدم من فوائد الذكر، ومن كذلك ثواب الذاكرين. قال: "وكن ذاكراً لله في كل حالة فليس لذكر الله وقت مقيد". وهذا يؤخذ من قول عائشة رضي الله تعالى عنها: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يذكر الله في كل أحيانه». فذكر الله ليس له وقت معين، وإنما يذكر العبد ربه في كل حين، فليس لذكر الله وقت مقيد. فهناك من الأذكار المقيدة في المناسبات، وهناك من الأذكار المطلقة من كثرة التسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار وقراءة القرآن، فهذه أذكار مطلقة. قال: "فذكر إله العرش سراً ومعلنا يزيل الشقاء والهم عنك ويطرد". وهذه كما تقدم من فوائد الذكر: ذكر إله العرش، أي ذكر الله، أي ذكر الله سبحانه وتعالى سراً ومعلنا، فيذكر العبد ربه في السر والعلن، فهذا الذكر سبب لزوال الشقاء والهم والغم والحزن، وقد ذكرنا دليل ذلك في أذعية وأذكار كثيرة، ومنها قراءة القرآن. قال: "ويجلب للخيرات ديناً وآجلاً". وإن يأتك الوسواس يوماً يشرد. فذكر الله جالب للخيرات الدينية والدنيوية العاجلة والآجلة، وهذا معنى قوله "ديناً وآجلاً". فهذه أيضاً من فوائد الذكر. "وإن يأتك الوسواس يوماً يشرد": يشرد بذكر الله، والوسواس يعني وسواس الشيطان، وسواس الشيطان. وقد تقدم معنا دليل ذلك من أن قول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» في اليوم مئة مرة، من فوائده أنه حرز من الشيطان في يومه كذلك حتى يمسي. وهكذا ما تقدم معنا من حديث الحارث الأشعري. ثم قال: "فقد أخبر المختار يوماً لصحبه"، أي للصحابة، «بأن كثير الذكر في السبق مفرد». وقد تقدم معنا هذا الحديث، حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «سبق المفردون». فقال ذلك للصحابة وهم في طريقهم إلى مكة، فمر على جبل يقال له جمدان، فقال عليه الصلاة والسلام: «هذا جمدان، سبق المفردون». قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيراً والذاكرات». وعرفنا ما معنى المفردون: أي المنقطعون عن ذكر الناس إلى ذكر الله سبحانه وتعالى. وقوله: "ووصى معاذاً يستعين إلهه على ذكره والشكر بالحسن يعبد". هذا يشير إلى حديث معاذ، لما أخذ من كبه أو بيده، وقال: «يا معاذ، إني أحبك في الله، فلا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». وهذا الحديث فيه أن المؤمن يدعو ربه أن يعينه على ذكره، فقليل ما من يلهم الذكر ويوفق إليه، مع أنه عبادة يسيرة تكون بحركة اللسان، التي هي أخف حركات الجوارح. ذكر ابن القيم عليه رحمة الله أن العمل والحركة التي تقوم بها اللسان، لو قام بها عضو آخر من أعضاء الجسد غير اللسان، لم يستطع أن يستمر على هذا العمل. مثلاً: الرجلان أو اليدان، إذا عملت بهما ساعات طويلة تفتر وتتعب، أما اللسان، لو تكلمت وذكرت الله من الصباح إلى المساء، لما شق ذلك عليها. عبادة يسيرة، ولكن الموفق من يلهم إليها، من يلهم إلى هذه العبادة. فإلهام الله سبحانه وتعالى لك إنما يكون بدعائه، تدعو الله سبحانه وتعالى أن يلهمك هذه العبادة. ومن ذلك هذا الدعاء، تكثر من هذا الدعاء بعد أن تفرغ من صلاتك: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». ثم قال: "وأوصى لشخص قد أتى لنصيحة، قد كان في حمل الشرائع يجهد، بأن لم يزل رطباً لسانك هذه، تعين على كل الأمور وتسعد". ويشير إلى حديث عبد الله بن بسر عند الإمام أحمد والترمذي، أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، وهذا معنى قوله: "قد أتى لنصيحة، وقد كان في حمل الشرائع يجهد". فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فأخبرني بشيء أتشبث به. فطلب النصيحة من النبي عليه الصلاة والسلام، فأوصاه النبي عليه الصلاة والسلام بهذه النصيحة الجامعة المانعة: «بأن لا يزل لسانك رطباً من ذكر الله». قال له: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله»، تعين على كل الأمور وتسعد. فالذكر سعادة للمرء وطمأنينة لقلبه، ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾. قال: "وأخبر أن الذكر غرس لأهله بجنات عدن والمساكن تمهد". يشير إلى ما جاء عند الترمذي وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من قال: سبحان الله وبحمده، غرست له نخلة في الجنة». فالذكر غرس لأهله، وأين يغرس هذا الغرس؟ في جنات عدن، في الجنة. نعم، غرست له نخلة في الجنة. وهذا أيضاً من فوائد الذكر. قال: "وأخبر أن الله يذكر عبده ومعه على كل الأمور يسدد". يشير إلى حديث أبي هريرة في الصحيحين، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه». فهذا معنى قوله: "وأخبر أن الله يذكر عبده ومعه على كل الأمور يسدد"، كما سمعت في حديث أبي هريرة. وهذا أيضاً فائدة عظيمة من فوائد الذكر، أن الله عز وجل يكون معك معية خاصة بتسديده وتوفيقه لك. وهكذا ترجمته: «إنما الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة، فإذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله»، وأهله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع ماله وأهله ويبقى عمله، والذكر من أجل الأعمال. قال: "ولو لم يكن في ذكره غير أنه طريق إلى حب الإله ومرشده". وكما تقدم أن من أجل ذكره سبحانه وتعالى قراءة القرآن بتدبر، وقد تقدم معنا أن من أسباب محبة الله عز وجل للعبد قراءة القرآن بالتدبر والتفكر. وتقدم معنا حديث الرجل الذي كان يقرأ سورة الإخلاص في كل ركعة، فلما سئل قال: «إن بها صفة الرحمن، فأحب أن أقرأ بها». فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: «أخبروه أن الله يحبه، أخبروه أن الله يحبه». فذكر الله من أسباب محبة الله سبحانه وتعالى للعبد. فهذا معنى قوله: "ولو لم يكن في ذكره غير أنه طريق إلى حب الإله ومرشد"، يعني: تكفي هذه الفائدة، لو لم يكن في الذكر إلا هي، تكفي هذه الفائدة، مع أن الذكر له فوائد كثيرة. قال: "وينهى الفتى عن غيبة ونميمة وعن كل قول للديانة مفسد". لأنك إذا ذكرت الله انصرفت عن ذكر الناس، لأن لسانك قد اشتغل بالذكر، فليس عنده وقت أن يتكلم في الناس بغيبة أو نميمة. ويناسب هذا البيت قول ابن عون رحمه الله تعالى: «ذكر الله دواء، وذكر الناس داء». ذكر الله دواء للقلوب والأبدان، وذكر الناس داء مرض. قال رحمه الله: «فإنه من أعمل لسانه في الناس بالغيبة والنميمة، رجع ذلك على قلبه بالمرض. ومن انصرف عنهم، يعني عن الناس، وأعمل لسانه بذكر الله سبحانه وتعالى، رجع ذلك على قلبه بالقوة والسلامة من كل عطب». بالقوة والسلامة من كل عطب. فاحذر يا عبد الله أن تشغل لسانك بذكر الناس: فلان فعل، فلان عمل، فلان لا ينبغي له أن يعمل ذلك، وهكذا غيبة ونميمة وكذب وفحش في القول، وإلى غير ذلك. لو أنك بدلاً من هذا الكلام ذكرت الله، سبحت الله، استغفرت الله، لنلت تلك الفوائد الكثيرة من فوائد الذكر. قال: "وينهى الفتى عن غيبة ونميمة وعن كل قول للديانة مفسد، لكان لنا حظ عظيم ورغبة بكثرة ذكر الله، نعم الموحد". يعني: لو انشغلنا بذكر الله، لكان ذلك حظاً عظيماً لنا، وازدادت رغبتنا في ذكر الله سبحانه وتعالى. قال: "ولكننا من جهلنا قل ذكرنا كما قل منا للإله التعبد". وهذا من تواضعه رحمه الله تعالى، فهو ممن عرف بالعلم والتقى والتعبد لله سبحانه وتعالى، ولكنه ذكر ذلك من باب التواضع، ومن باب تذكير الغافلين. ثم قال رحمه الله: "وذكر الله نور للذاكر في قلبه". هذا أيضاً من فوائد الذكر: نور للذاكر في قلبه، يحيي قلبه بذكر الله، وينور قلبه بذكر الله بذكر الله. فالقلوب لا تنور بتلك المصابيح الحسية التي تضيء لنا في هذه الدنيا، وإنما ينور القلب بذكر الله سبحانه وتعالى. قال: "نور للذاكر في قلبه، وفي قوله". وفي قوله: «فالذي يذكر الله لا يزل ولا يأتي بالباطل، بالقول الباطل»، فتجده مسدداً موفقاً حتى في قوله، لأنه أعمل لسانه في ذكر الله سبحانه وتعالى. قال: "وفي قبره ويوم حشره". يعني: في حياته البرزخية، وفي حياته الأخروية يوم القيامة، لأنه من الطاعات والقربات. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.