الدرس في شرح كتاب الطهارة 26، ألقاها
يشرح كيفية الغسل من الجنابة وأحكامه، مثل عدم جواز المكث في المسجد ومس المصحف للجنب. يُوضح الكيفية المستحبة والمجزئة للغسل بناءً على الأحاديث النبوية.
يتناول الأغسال المستحبة مثل الاغتسال عند كل جماع والغسل للجمعة والعيدين والإحرام. يُستحب للمسلم الاغتسال في هذه المناسبات لتحقيق كمال التجمل والتطهر.
ينهي الكلام على الباب الخامس ويذكر بعض الأحكام المتعلقة بالغسل ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه. يشمل ذلك توضيح بعض المسائل المتعلقة بالجنابة والغسل.
قال المؤلف وفقه الله: المسألة الثانية في صفة الغسل وكيفيته. قال: للغسل من الجنابة كيفيتان: كيفية استحباب، وكيفية إجزاء. كيفية استحباب يعني مستحبة أن يؤتى بها على هذه الصفة، وكيفية إجزاء يعني مجزئة إذا فعلها الإنسان أجزأه الغسل. قال: أما كيفية الاستحباب فهي أن يغسل يديه، ثم يغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ بيده ماء فيخلل به شعر رأسه، مدخلاً أصابعه في أصول الشعر، حتى يروي بشرته، ثم يحثو على رأسه ثلاث حثيات، ثم يفيض الماء على سائر بدنه، لحديث عائشة المتفق عليه. يعني ذكرت صفة غسل النبي عليه الصلاة والسلام من الجنابة. هذه الصفة هي الصفة المستحبة في غسل الجنابة، أنك إذا اغتسلت أولاً تغسل يديك، تبدأ بغسل اليدين، ثم بغسل الفرج وما أصابهم من الأذى، يعني من بقايا المني نحو ذلك، ثم تتوضأ وضوءك للصلاة، بعد أن تغسل فرجك تتوضأ وضوء الصلاة كاملاً، كما في حديث عائشة، وفي حديث ميمونة: أخر غسل القدمين ثم غسلها بعد الغسل. قال: ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ بيديه ماء فيخلل به شعر رأسه، مدخلاً أصابعه في أصول الشعر، تأخذ ماء بيدك وتخلل به رأسك بإدخال الأصابع في أصول الشعر هكذا، حتى يرتوي الرأس. قال: ثم يحثو على رأسه ثلاث حثيات، يعني من الماء، تأخذ ثلاث حثيات من الماء على رأسك. وفي حديث عائشة قال: حتى إذا رأى أنه قد أروى بشرته، يعني ارتوت بشرة الرأس من الماء، أفاض الماء على سائر بدنه، يغسل بقية البدن. هذه الصفة هي الصفة المستحبة، الصفة المستحبة في غسل الجنابة. قال: أما كيفية الإجزاء، يعني صفة المجزئة، قال: بأن يعم بدنه بالماء ابتداءً مع النية، أن يأتي بالغسل مباشرة مع نية رفع الجنابة، تأتي تحت الرشاش مثلاً، تفتحه وبسم الله تغتسل، تعمم جسدك كله، هذه صفة مجزئة ترفع بها الجنابة. قال: لحديث ميمونة: «وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة، فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثاً، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض الماء على رأسه، ثم غسل جسده، فأتيته بالمنديل فلم يردها، وجعل ينفض الماء بيديه». والحديث في الصحيحين. وقولها يعني ذكرت غسل النبي عليه الصلاة والسلام، وكما نرى أنه غسل يديه، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، وأفاض الماء على رأسه، ثم على سائر جسده، لم يفعل كما في حديث عائشة: بغسل اليدين، ثم الفرج، ثم الوضوء وضوء الصلاة، ثم تخليل شعر الرأس، ثم غسل بقية البدن. فتكون هذه الصفة الثانية مجزئة بأن يعمم بدنه بالماء، سواء فعل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من المضمضة والاستنشاق. على أن بعض أهل العلم يشترط المضمضة والاستنشاق مع تعميم الجسد بالماء، يعني يقول: لا بد من المضمضة والاستنشاق والنية وتعميم البدن بالماء. لكن لو اغتسل ومع نية رفع الجنابة فإن هذا يجزئ. وقوله: «فأتيته بالمنديل فلم يرده»، يعني لم يرد المنديل. قال بعض أهل العلم: يكره تنشيف الجسد بعد الغسل لرد النبي عليه الصلاة والسلام المنديل. لكن هذا كما قال أهل العلم: لعله رده النبي صلى الله عليه وسلم لغرض، ربما يوجد شيء في المنديل، أو يعني كره استعماله عليه الصلاة والسلام لنحو ذلك، يعني فيه مثلاً وسخ أو شيء من ذلك فرده عليه الصلاة والسلام، وإلا لا يدل هذا على أنه لا يشرع ماذا، أو لا يجوز استعمال المنديل لتنشيف الجسد بعد الغسل. قال: ومثل حديث عائشة وفيه: «ثم يخلل شعره بيده حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده». فالخلاصة أن عندنا كيفيتان: كيفية مستحبة، وكيفية مجزئة. المستحبة: بغسل اليدين، ثم غسل الفرج، ثم أن تتوضأ وضوء الصلاة وضوءاً كاملاً، ثم تخلل شعر الرأس بأصابع اليدين، ثم تحثو على رأسك ثلاث حثيات من الماء، ثم تغسل سائر الجسد. وصف المجزئة: أن تنوي رفع الجنابة وتعمم البدن بالماء. قال: ولا يجب على المرأة نقض شعرها في الغسل من الجنابة، ويلزمها ذلك في الغسل من الحيض، لحديث أم سلمة قالت: «قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين». والحديث في مسلم. يقول: لا يجب على المرأة نقض شعرها في الغسل من الجنابة، يعني إذا أرادت أن تغتسل من الجنابة وقد ضفرت شعر رأسها، جعلته أضفاراً وعقد، ما يلزمها أن تنقضها، لا يلزمها أن تنقض هذه العقد، بدليل حديث أم سلمة أنها قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله إني امرأة أشد شعر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ هل يلزمني ذلك أن أنقض هذه العقد عند غسل الجنابة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين». فدل على أنه لا يجب عليها أن تنقض شعر رأسها، لكن هذا إذا تيقنت من وصول الماء إلى أصول الشعر، إذا تيقنت أن الماء يصل إلى أصول الشعر إلى بشرة الرأس هنا ما يلزمها، لكن إذا كانت تخشى من عدم وصول الماء إلى أصول الشعر فهنا يلزمها أن تنقضه من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وأما إن كان يصل فلا يلزمها ذلك. وأما بالنسبة للحيض قالوا: يلزمها ذلك في الغسل من الحيض، استدلوا بأمر النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة حين حاضت في الحج وأمرها النبي عليه الصلاة والسلام أن تنقض شعر رأسها، أمرها أن تنقض شعر رأسها إذا اغتسلت من الحيضة. فقالوا: هنا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بنقض شعر الرأس في الحيض، فيجب نقض شعر الرأس في الحيض ولا يجب في الجنابة. قال بهذا جماعة من أهل العلم. ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يجب حتى في الحيض، وأن هذا الأمر على جهة الاستحباب، إذا كان الماء يصل إلى أصول الشعر إلى بشرة الرأس فإنه لا يلزم النقض، لكن يستحب في الغسل من الحيض أن تنقض شعر رأسها وليس على سبيل الوجوب. وهذا والله أعلم أقرب إلى الصواب، أنه يستحب للمرأة أن تنقض شعر رأسها في غسلها من الحيض ولا يجب عليها، وهكذا أيضاً لا يجب عليها في الغسل من الجنابة. وعائشة رضي الله عنها بلغها أن ابن عمر كان يأمر النساء أن ينقضن شعر رؤوسهن فقالت: «ألا أمرهن بحلق رؤوسهن؟ ألا أمرهن بحلق رؤوسهن؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد لا أزيد أن أحثي على رأسي ثلاث غرفات». والحديث في صحيح الإمام مسلم. فأنكرت عائشة رضي الله عنها على ابن عمر أمره النساء بنقض شعر رؤوسهن عند الغسل. قال: المسألة الثالثة الأغسال المستحبة. قال: تقدم بيان الأغسال الواجبة. وأما الأغسال المسنونة والمستحبة فهي: أولاً الاغتسال عند كل جماع، لحديث أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذات ليلة يغتسل عند هذه وعند هذه. قال: قلت يا رسول الله ألا تجعله واحداً، يعني تكتفي بغسل واحد؟ قال: «هذا أزكى وأطيب وأطهر». والحديث رواه أبو داود وابن ماجة وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. فالنبي عليه الصلاة والسلام طاف على نسائه في ليلة، فكان يغتسل عند كل واحدة، يعني يجامع ويغتسل، فسأله أبو رافع: ألا تجعله واحداً، يعني غسلاً واحداً؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هذا أزكى وأطيب وأطهر»، أزكى وأطيب يعني للنفس أفضل للنفس وأزكى لها، يعني مما يحصل به راحة النفس نحو ذلك، وأطهر يعني أطهر للبدن. وهذا على سبيل الاستحباب ليس على سبيل الوجوب، وإلا فله أن يجامع أكثر من جماع بغسل واحد، يجوز له ذلك، لكن يستحب أن يغتسل عند كل جماع؛ لأن هذا أنشط للبدن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أزكى وأطيب»، فيعطيه نشاطاً، وكذلك أيضاً همة أفضل مما لو اقتصر على غسل واحد. ثانياً: الغسل للجمعة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل»، رواه البخاري، وهو آكد الأغسال المستحبة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل»، هذا أمر، بعض العلماء ذهب إلى أن هذا الأمر للاستحباب، إلى أنه للاستحباب، وقالوا باستحباب غسل الجمعة. واستدل بعضهم بحديث: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». لكن هذا الحديث الصحيح أنه فيه ضعف. ومن طريق الحسن عن سمرة، ولم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة كما قال بعض الحفاظ. فلهذا ذهب بعض العلماء إلى القول بالوجوب، إلى القول بالوجوب، أي يجب غسل الجمعة. وهذا هو الأظهر في الأحاديث الواردة في الغسل يوم الجمعة، كهذا الحديث: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل»، وحديث أبي سعيد في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم»، يعني كل بالغ. «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم»، فالقول بالوجوب هو الأظهر لدلالة الأدلة على ذلك. وهناك يعني أدلة ونقاش طويل بين العلماء في هذه المسألة، لكن الخلاصة هو هذا، أن الأدلة تدل على وجوب الغسل. وغسل الجمعة متعلق بالجمعة، يعني يجب على من ذهب إلى الجمعة، يجب على من ذهب إلى الجمعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل»، فالذي لم يأت إلى الجمعة وكان معذوراً، يعني كالمسافر أو المريض أو نحو ذلك من أهل الأعذار، فهؤلاء لا، يجب عليهم الغسل، لا يجب عليهم الغسل، وإنما يجب على من أراد الجمعة. قال: ثالثاً: الاغتسال للعيدين، الاغتسال للعيدين، أي عيد الأضحى وعيد الفطر، مستحب، وإن كان لم يثبت شيء معين عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك، لكن استدل العلماء بحديث عمر حين أهدى للنبي عليه الصلاة والسلام جبة، قال: «تلبسها للجمعة والوفود وللعياد». أو الحديث. قالوا: من ضمن التجمل الذي يتجمل به الإنسان إذا أراد أن يلبس ثياباً جديدة فإنه يغتسل، يغتسل قبل ذلك، فسدل بهذا على استحباب الغسل، مع ثبوت ذلك عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، كابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فلهذا قالوا باستحباب الاغتسال للعيدين. وهي من كمال التجمل المأمور به المسلم في مثل هذين اليومين، هو مأمور بالتجمل وأخذ الزينة، ولا شك أن من كمال الزينة والتجمل الاغتسال قبل ذلك. قال: رابعاً: الاغتسال عند الإحرام بالعمرة والحج، فإنه صلى الله عليه وسلم اغتسل لإحرامه. نعم، الاغتسال عند الإحرام بالعمرة والحج، إذا أراد المسلم أن يحرم بالعمرة أو الحج وقبل أن يحرم يستحب له أن يغتسل، يستحب له أن يغتسل قبل ذلك. في حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تجرد لإحرامه واغتسل»، تجرد يعني من الثياب لإحرامه واغتسل. والحديث رواه الدارقطني والبيهقي وهو حديث صحيح. قال: خامساً: الغسل من غسل الميت، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من غسل ميتاً فليغتسل». وهذا الحديث رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني رحمه الله. الغسل من غسل الميت مستحب ولا يجب، لا يجب، لوجود الصارف لهذا الأمر. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من غسل ميتاً فليغتسل»، هذا الأمر والأصل في الأمر أنه للوجوب، على أن هذا الحديث اختلف العلماء في تصحيحه، اختلف العلماء في تصحيحه، فمن أهل العلم من احتج به كالإمام الذهبي وغيره، وبعض الحفاظ ضعّفوا هذا الحديث، كالإمام أحمد، ومنهم ابن المديني، وكذلك المنذري وغيرهم. لكن إذا قلنا بصحته فيحمل هذا الأمر على الندب، يحمل هذا الأمر على الندب، وصارف له بعض الآثار الواردة عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ومنها قولهم: «كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل»، كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل، رواه الخطيب بإسناد صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وأيضاً الأثر الآخر وهو حديث مرفوع: «إن ميتكم يموت طاهراً، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم». فهذا الأمر على جهة الاستحباب، فلا يجب على من غسل ميتاً أن يغتسل، لكن يستحب، يستحب له ذلك؛ وذلك أنه ربما يعني يصيبه شيء من الماء أو العرق أو بذل المشقة أو التعب في تغسيله، فيستحب له أن يغتسل حتى تحصل له كمال الطهارة، وهكذا أيضاً ينشط نفسه بالغسل. إذن الأغسال المستحبة المذكورة في هذه المسألة في هذا الفصل: قال: عند كل جماع، والغسل للجمعة، واغتسال العيدين، وعند الإحرام بالحج والعمرة، والغسل من غسل الميت، فهذه خمسة أغسال. لكن كما قلنا: أن الغسل للجمعة الصحيح أنه واجب، فتكون الأغسال المستحبة ماذا؟ أربعة. قال: الأحكام المترتبة، المسألة الرابعة: الأحكام المترتبة على من وجب عليه الغسل. قال: الأحكام المترتبة على ذلك يمكن إجمالها فيما يأتي: أولاً: لا يجوز له المكث في المسجد إلا عابر سبيل، لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرَ سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا﴾. فإذا توضأ جاز له المكث في المسجد، لثبوت ذلك عن جماعة من الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن الوضوء يخفف الحدث، والوضوء أحد الطهورين. يقول: من الأحكام المترتبة على من وجب عليه الغسل، أي من كان على جنابة، أنه لا يجوز له المكث في المسجد، يعني ما يجوز له أن يجلس في المسجد وهو على جنابة إلا عابر سبيل. عابر سبيل، معنى مار في طريقه. بقول الله عز وجل: ﴿إِلَّا عَابِرَ سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا﴾، إذا كنت عابراً ماراً، يعني مررت مثلاً تريد أن تغتسل، فدخلت ومررت من الباب إلى الباب الآخر، ليس عليك شيء، ليس عليك شيء. وفسر أيضاً عابر السبيل بالمسافر الذي لا يجد الماء فيتيمم، فإنه يصلي بالتيمم، يصلي بالتيمم ولا شيء عليه. قال: فإن توضأ جاز له المكث، إذا توضأ الجنب يجوز له أن يمكث في المسجد. والدليل فعل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فقد روى الإمام أحمد في مسنده وسعيد بن منصور في سننه عن عطاء بن يسار قال: «رأيت رجالاً من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا». كانوا يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وهم مجنبون إذا توضأوا، فإذا توضأ الجنب جاز له أن يجلس في المسجد. لا شك أن الأفضل هو أن يعجل بالغسل، هذا الأفضل، لكن يجوز أن يتوضأ ويجلس، يعني مثلاً قد تصيب الإنسان جنابة قد تصيبه جنابة أو في المسجد أو أراد أن يجلس في المسجد أو يؤخر الغسل لكون مثلاً يشعر بشيء من الكسل أو كان الماء بارداً فأراد أن يؤخر الغسل حتى يدفأ الماء، فيتوضأ ويمكث في المسجد، يتوضأ ويمكث في المسجد ولا شيء عليه. فقد فعل ذلك الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. والوضوء يخفف الحدث، يعني وضوء الجنب ما يرفع الحدث، هو ما زال على حدثه، لكن يخفف الحدث، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أوصانا أن نتوضأ قبل النوم لمن كان جنباً، وهكذا يتوضأ قبل الأكل، هذا من باب تخفيف الحدث. قال: ثانياً: لا يجوز له مس المصحف، بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يمس المصحف إلا طاهر»، كما مر معنا في مسألة مس المحدث حدثاً أصغر للمصحف. كذلك إذا كان جنباً فلا يمس المصحف. قال: ثالثاً: لا يجوز له قراءة القرآن، فلا يقرأ الجنب شيئاً من القرآن حتى يغتسل، لحديث علي قال: «كان عليه الصلاة والسلام لا يمنعه من قراءة القرآن شيء إلا الجنابة»، كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنعه من قراءة القرآن شيء إلا الجنابة، يعني إذا كان جنباً فلا يقرأ القرآن. هذا الحديث رواه الإمام أحمد، وابن ماجة والترمذي، والصحيح أنه ضعيف، أنه ضعيف في عبد الله بن سلمة وهو ضعيف. والقول بمنع الجنب من قراءة القرآن قول الجمهور، قول الجمهور أهل العلم. وذهب جماعة من العلماء، هو قول داود الظاهري وابن حزم وابن عباس والبخاري إلى أنه يجوز للجنب أن يقرأ القرآن، يعني من غير مس المصحف، يجوز أن يقرأ لعدم وجود دليل يدل على المنع. وهذا القول هو الصحيح، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يذكر الله على كل أحواله، كان يذكر الله على كل أحواله، فهذا العموم يشمل كذلك ما إذا كان جنباً قبل أن يغتسل، فلا مانع أن يقرأ شيئاً من القرآن قبل أن يغتسل. قال: ولأن في منعه من القرآن حثاً له على المبادرة إلى الاغتسال وإزالة المانع له من قراءة القرآن. قال: ويحرم عليه أيضاً الصلاة والطواف بالبيت كما سبق بيانه عند الكلام على مسألة ما يجب له الوضوء من الباب الخامس. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب وما يتعلق بالغسل إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.