الدرس في كتاب الطهارة 30، ألقاها
يتناول هذا الفصل آداب قضاء الحاجة والتوارى عن أعين الناس، ويستدل بحديث المغيرة بن شعبة وأبي هريرة. يشدد على أهمية عدم كشف العورة عند قضاء الحاجة.
يناقش هذا الفصل النهي عن قضاء الحاجة في طريق الناس أو تحت ظلهم، ويشير إلى جواز قضاء الحاجة في الأماكن الخالية. يستند إلى أحاديث نبوية تشير إلى تحريم إيذاء الناس بذلك.
يتناول هذا الفصل النهي عن قضاء الحاجة في أماكن معينة مثل تحت الأشجار المثمرة وضفة النهر الجاري، ويبرز أهمية عموم الأدلة التي تحرم أذية المسلمين. يشير إلى ضعف بعض الأحاديث الواردة في ذلك لكن يؤكد على صحة معناها.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال حافظ بن حجر رحمه الله في كتابه "بلوغ المرام"، في كتاب الطهارة، في باب آداب قضاء الحاجة، وعن مغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "خذ الإداوة، فانطلق حتى توارى عني، فقضى حاجته". متفق عليه. هذا الحديث يخبر المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: "خذ الإداوة". والإداوة -كما مر معنا- إناء من جلد يوضع فيه الماء. قال: "فانطلق حتى توارى عني"، يعني النبي عليه الصلاة والسلام ابتعد حتى لم يره المغيرة. قال: "فقضى حاجته". فهذا الحديث يدل على أدب من آداب قضاء الحاجة، وهو أن الإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته فعليه أن يتوارى عن أعين الناس، أن يبتعد حتى لا يراه أحد، وذلك لأجل ألا يرى أحد عورته؛ لأن من أراد قضاء الحاجة لا شك أنه سيكشف عن عورته، ولو كان قريبا من الناس أو بين الناس سيرون عورته، وهذا أمر محرم لا يجوز. فلهذا يبتعد حتى لا يرى أحد عورته، وكذلك أيضا لا يسمعون منه صوتا أو يشمون منه ريحا فيتأذون بذلك. هذا إذا كان في فضاء، وإذا كان بين الناس وأراد أن يقضي حاجته في الأماكن المعدة لذلك -الحمامات- فهي كافية في تحقيق هذا الأدب من الابتعاد عن أعين الناس، وكذلك أيضا لا يراه أحد أو يسمع منه شيء يكرهونه. هذا إذا كان المقصود قضاء الحاجة من الغائط. أما البول فيجوز أن يبول قريبا من الناس، لكن مع الأمن من كشف عورته، إذا أمن من ستر العورة فلا بأس أن يبول ولو كان قريبا من الناس، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام حين بال في سباطة قوم. في حديث حذيفة الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائما. أمر البول قد يتساهل فيه، لكن كما قلنا: مع الأمن من عدم كشف العورة، ومع التستر فلا بأس أن يبول ولو قريبا من الناس، لكن من غير أن يراه أحد، لا يرى أحد عورته. بخلاف أمر الغائط فهو أشد. قال رحمه الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا اللعانين: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم". رواه مسلم. هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم رحمه الله بصحيحه من طريق العلاء عن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة. ومعنى قوله: "اتقوا اللعانين" بصيغة التثنية. جاء في رواية في مسلم قالوا: "من اللعانان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم". ومعنى اللعانين: أي الأمرين الجالبين للعن، الأمرين الجالبين للعن إذا فعلهم الإنسان فإنه بسبب ذلك يلعنه الناس، فيقول من فعل هذا: لعن الله من فعل هذا. أو قد يراد باللعن السب والشتم، فيسب ويجتم بسبب ذلك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم". الذي يتخلى في طريق الناس: الطريق الذي يسلكه الناس ويمرون منه، فيأتي ويقضي حاجته فيه. هذا الفعل موجب للعن والسب والشتم؛ لأن الناس يتأذون بذلك. يأتي إنسان يمر في الطريق ما يدر إلا ووقعت قدمه على النجاسة، أو ربما يمر فيراها ويتأذى من منظرها وريحتها، فيكون في ذلك أذية للناس. فلأجل هذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يتخلى الإنسان في طريق الناس. أما إذا كان طريق لا يسلكه أحد ولا يمر فيه أحد فلا بأس. أو ظلهم أيضا: الظل الذي يستظل به الناس، ظل يستظل به الناس وينتفعون به. فلا يجوز أن يأتي الإنسان ويقضي حاجته تحت هذا الظل؛ لأن هذا أيضا فيه أذية للناس. يأتي الإنسان يريد أن يستظل فيجد النجاسة في هذا الموضع، فيمنعه ذلك من الجلوس ويتأذى بذلك. فهذا أيضا لا يجوز. أما إذا كان الظل لا يستظل به أحد فلا بأس أن يقضي حاجته تحته. ويدل على ذلك ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحب ما يستظل به أو ما يقضي به حاجته: هدف أو حائط نخل. الهدف يعني: الكوم من الرمل ونحوه. وحائط النخل: أي حائط النخل. ولا شك أنه له ظل، لكن هذا الظل لا يستظل به أحد، فمثل هذا يجوز قضاء الحاجة تحته. قال رحمه الله: وزاد أبو داود عن معاذ رضي الله عنه والموارد، ولفظه: "اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل". ولأحمد عن ابن عباس: "أو نقع ماء". وفيهما ضعف. حديث معاذ: "اتقوا الملاعن الثلاثة"، يعني: مواضع اللعن، مواضع اللعن التي يلعن فيها الإنسان إذا فعلها ووقع فيها. "البراز في الموارد": والموارد جمع مورد، وهو الموضع الذي يرده الناس، الموضع الذي يرده الناس كماء العيون والأنهار ونحوها، فيأتي ويتبرز -أن يقضي حاجته- عند مواضع الماء وموارد الماء التي يردها الناس ويحتاجون لها، ومنها الأسقية -يعني أماكن السقي- والآبار ونحو ذلك. قال: "وقارعة الطريق والظل". قارعة الطريق: يعني الطريق التي يقرعها الناس ويسلكونها. والظل الذي يستظل به الناس. فهذا الحديث فيه زيادة عن حديث أبي هريرة، ذكر الموارد. لكن هذا الحديث -حديث معاذ- أخرجه أبو داود من طريق أبي سعيد الحميري عن معاذ. أبو سعيد الحميري لم يسمع من معاذ، فهو منقطع. وأيضا مع ذلك فهو مجهول، فالحديث لا يصح. وقوله: "ولأحمد عن ابن عباس: أو نقع ماء". قال: وفيه ضعف أيضا. كذلك حديث ابن عباس فيه ذكر نقع الماء، والمراد بنقع الماء: أي مجتمع الماء، مجتمع الماء -الموضع الذي يجتمع فيه الماء- أيضا لا يجوز قضاء الحاجة عند مجامع الماء. وهذا الحديث -في ابن عباس- كذلك -كما قال الحافظ رحمه الله- فيه ضعف. فأخرج الإمام أحمد رحمه الله من طريق ابن المبارك قال: أخبرنا ابن لهيعة قال: حدثني ابن هبيرة قال: أخبرني من سمع ابن عباس. فالحديث فيه ابن لهيعة، وابن لهيعة سيء الحفظ عند بعض أهل العلم مطلقا. ومنهم من صحح حديثه إذا كان الراوي عنه أحد العباد له الثلاثة: عبد الله بن المبارك، أو عبد الله بن وهب، أو عبد الله بن يزيد المقرئ. والراوي عنه هنا في هذا السند هو عبد الله بن المبارك، لكن يبقى جهالة الراوي عن ابن عباس -جهالة الراوي عن ابن عباس- فالحديث بهذا السند لا يصح. قال: وخرج الطبراني النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة، وظفة النهر الجاري، من حديث ابن عمر بسند ضعيف. نعم، حديث ابن عمر أيضا ضعيف؛ ففي سنده فرات بن السائب، وهو متروك. قال فيه البخاري وغيره: "فرات بن السائب متروك". وفي حديث ابن عمر: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة -يعني الأشجار التي فيها ثمرة- سواء كانت الثمرة توكل أو لا توكل، توكل كالتمر أو البرتقال أو التفاح، أو غيرها من الثمار، أو كانت لا توكل كالقطن ونحوه. فلا يجوز أن يأتي الإنسان ويقضي حاجته تحت هذه الشجرة؛ لماذا؟ لأنه أولا فيه أذية لصاحب الشجرة، ربما يأتي يريد أن يقطف الثمرة وإذ بالنجاسة تحته، وربما يطأها بقدمه. وأيضا فيه كذلك تلويث للثمار إذا سقطت، فتسقط على النجاسة وتتلوث بسبب ذلك. فلأجل هذا أو هذا لا يجوز أن يقضي الإنسان حاجته تحت الأشجار المثمرة. "وضفة النهر الجاري" يعني: طرف النهر، طرف النهر. فهذا أيضا لا يجوز أن يقضي الإنسان حاجته في طرف النهر الجاري. فحديث معاذ وابن عباس وابن عمر ضعيفة. لكن معناها يشهد لحديث أبي هريرة في قوله عليه الصلاة والسلام: "اتقوا اللعانين: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم". وأيضا قواعد الشريعة العامة؛ إذ أن الشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق. فلما كانت العلة من نهي النبي عليه الصلاة والسلام أن يقضي الإنسان حاجته في طريق الناس أو ظلهم هي كونه أذية للناس، وكذلك أيضا فيه إيقاع الناس في الحرج من ربما أن يطأ أحدهم النجاسة فيتلوث بسبب ذلك، تتلوث قدمه أو تتلوث ثيابه أو نحو ذلك. فيلحق بذلك كل ما كان فيه هذا المعنى، كل ما كان فيه معنى الأذية، فإنه يلحق به النهي عن قضاء الحاجة في الظل والطريق. وعلى هذا ما ورد في هذه الأحاديث كموارد المياه، وتحت الأشجار المثمرة، وعند نقع الماء، وفي ضفة الأنهار، كل هذا معناه صحيح بعموم الأدلة. ومن ذلك قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. فهذه من الأذية التي يتأذى منها المسلم، ولا يجوز للمسلم أن يؤذي أخاه المسلم. "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده". وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الطبراني، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم". فالأذية محرمة لا تجوز. فكل ما كان فيه أذية للناس فإنه يأخذ هذا الحكم، سواء هذه المذكورات أو ما كان في معناها. ومن ذلك مثلا قضاء الحاجة عند أبواب المساجد، هذا لا شك أنه أذية للمصلين. هذا ورد فيه حديث، لكنه ضعيف. لكن معناه صحيح؛ لأن هذا فيه أذية لا شك. أو عند مواقع الوضوء، لو كانت مثلا هناك حنفيات في خارج المسجد يتوضأ منها الناس، يأتي الإنسان ويقضي حاجته عندها أو يبول عندها، لا شك أن هذا أذية تنبعث الروائح الكريهة فيتأذى المصلون بسبب ذلك. هذا لا يجوز. هذا إن لم يرد ذكره في الأحاديث، لكنه لا شك أنه يدخل في عموم الأدلة التي تدل على تحريم أذية المسلم لأخيه المسلم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.