التعليق على كتاب التوحيد 35

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 35، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شروط الاستغاثة الجائزة والفرق بينها وبين الاستغاثة الشركية

يُعرّف المحاضر الاستغاثة بأنها طلب الغوث عند الشدة، ويميز بين الاستغاثة الجائزة بالمخلوق التي تشترط حياة المستغاث وحضوره وقدرته، والاستغاثة الشركية التي تتخلف فيها هذه الشروط كدعاء الميت أو الغائب. كما يوضح أن الاستغاثة نوع خاص من الدعاء يقتصر على حال الشدة بينما الدعاء أعم يشمل الرخاء والشدة.

تفسير آيات الدعاء والتوكل وإثبات انفراد الله بالنفع والضر

يشرح المقطع شمولية الدعاء في الرخاء والشدة، ويفسر آيات سورة يونس الناهية عن دعاء غير الله لانتفاء النفع والضر عنهم، مبيناً أن خطاب النبي بالشرط تقرير للحق لا يلزم وقوعه. ويؤكد أن المراد بالظلم في الآية هو الشرك، وأن الضر والخير بيد الله وحده استدلالاً بالآية وحديث ابن عباس في القدر.

دليل تحريم دعاء غير الله والاستغاثة به من القرآن الكريم

يستعرض المحاضر آيات قرآنية متعددة (يونس: 106، العنكبوت: 17، الأحقاف: 5-6، النمل: 62) لتقرير أن دعاء غير الله أو الاستغاثة به لجلب نفع أو دفع ضر هو شرك أكبر. ويبين أن الله وحده هو الكاشف للضر والمجيب للمضطر، وأن من دعا سواه فقد ظلم نفسه وأشرك، وسيتبرأ المدعو من الداعي يوم القيامة.

ختم شرح آيات الباب والتمهيد للحديث النبوي

أشار المحاضر إلى انتهاء ذكر خمس أو ست آيات ضمن هذا الباب، مبيناً أن الحديث النبوي المتعلق سيُشرح في الجلسة القادمة. ثم اختتم الجلسة بالاكتفاء بما ذُكر من أدلة قرآنية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الشيخ العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: "باب: من الشرك أن يستغيث بغير الله ويدعو غيره". الاستغاثة: هو طلب الغوث، والغوث يكون من الشدة، يكون من الشدة، فالمراد به طلب الغوث من الشدة. فكما تقدم أن الألف والسين والتاء تدل على الطلب، تدل على الطلب، وصله "غاثة" يغيث، فيستغيث، أو الاستغاثة بمعنى طلب الغوث، طلب الغوث، ويكون في الشدة، يكون في الشدة. وقوله: "باب: من الشرك أن يستغيث بغير الله ويدعو غيره"، أراد المؤلف بهذا التويب الاستغاثة الشركية، وإلا فهناك استغاثة جائزة. والاستغاثة الجائزة لها ثلاثة شروط. الاستغاثة الجائزة بالمخلوق لها ثلاثة شروط، يعني بغير الله. الشرط الأول: أن يكون المستغاث به حاضرًا، أن يكون حاضرًا. طيب. والثاني: أن لا يكون ميتًا، لأنه قد يكون حاضرًا لكنه ميت، فالميت لا ينفع، صح، ولو في شيء يقدر عليه الحي. وبعضهم يعبر فيقول: شرط الاستغاثة أن يكون المستغاث به حيًا قادرًا حاضرًا، ثلاثة أشياء: حي، قادر، حاضر. مثال الحي: إنسان يعيش. طيب، عندك شيء ثقيل ما استطعت أن تحمله، فاستغثت به، قلت له: أحمل معي هذا. فهذا حي، صح، حاضر، قادر. ومن ذلك قول موسى، أو قول الله عز وجل في ذلك الرجل الذي استغاث بموسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: 15]. فموسى كان حيًا وحاضرًا وقادرًا. فلو كان المستغاث به حيًا لكنه غير حاضر: أنت الآن تغرق في البحر، هذه شدة، ولك رجل عابد، رجل صالح، رجل زاهد، لكنه ليس عندك في هذا المكان. أنت في ساحل البحر وهو في بيته، فلو قلت: يا شيخي أغثني من غرقتي، هو ليس ميتًا، هو حي، لكنه ليس حاضرًا، هذا شرك واضح، هذا شرك. ومثله لو كان ميتًا: طيب، ميت، إنسان قد مات، وأنت الآن تغرق، تقول: يا جيلاني، يا عيدروس، يا محضار، هذا قد مات، فهذا شرك. إنسان حي وحاضر لكن تأتي عنده تقول له: أنا في هم وكر، إيش هذا الهم والكر؟ طيب، أخي أنا ما عندي أولاد، بغيرك تعطيني أولاد، ترزقني بأولاد. هذا شرك لأنه لا يقدر على ذلك. من الذي يقدر على ذلك؟ الله. واضح هذا الآن؟ أو مثلاً: أنت عندك جرح بالغ، عندك مرض السرطان، عافاني الله وإياك، جئت عند هذا الرجل الصالح العابد التقي، قلت له: أريدك أن تشفيني من هذا المرض. هذا ما يجوز، هو حي وحاضر لكنه غير قادر. فالاستغاثة الجائزة لا بد أن تتوفر هذه الشروط الثلاثة: حي، حاضر، قادر. أما إن تخلف، أما إن تخلف شيء من هذه الثلاث، فتتحول هذه الاستغاثة من استغاثة جائزة إلى استغاثة محرمة شركية. واضح؟ ثم ذكر عدة آيات. أما قوله: "أو يدعو غيره"، أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره، هذا من باب عطف العام على الخاص. أنتم يا أبا عوض، يقولون: الذي يضع يده على خده دليل السرحان والتفكير، هذا صحيح؟ القاعدة وما هي؟ صحيح. أنت الآن كنت تفكر في شيء، ها؟ إذن الحمد لله. طيب، لا بأس. طيب، فقلنا: بارك الله فيك. "أو يدعو غيره"، هذا من باب عطف العام على الخاص، لأن الدعاء يشمل حال الشدة وحال الرخاء، صح. والاستغاثة هي دعاء لكنها في حال ماذا؟ الشدة. الاستغاثة دعاء، لما تقول: يا رب ارزقني، يا رب اشفني، ها؟ يا رب انصرني، هذه استغاثة، دعاء، صح. فالاستغاثة هي في الحقيقة نوع من أنواع الدعاء لكن في حال الشدة. والدعاء عام، أوسع، يشمل حال الشدة وحال الرخاء. فتقول مثلاً: اللهم، اللهم وفقني، اللهم اهدني، اللهم عافني، دعاء عام ليس في الشدة. أنت الآن لست في شدة، في اضطرار، لا، وإنما تدعو دعاءً. فالدعاء عام يشمل حال الرخاء وحال الشدة. واضح؟ فهو من باب عطف العام على الخاص. قال: وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ وَلَا يَضُرُّكُمْ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 106]. "ولا تدعوا"، "لا" هنا قالوا أنها ناهية، ينهى ربنا عز وجل أن تدعو غيره. "لا تدعوا من دون الله" يعني سوى الله، "ما لا ينفعك ولا يضرك"، فالذي ينفع ويضر هو الله، فيطلب النفع والضر منه سبحانه وتعالى وحده. وهل قول "ما لا ينفعك ولا يضرك" أن أحدًا غير الله ينفع أو يضر، أو أحدًا غير هؤلاء المقصود بهم في الآية ينفع أو يضر؟ لا، وإنما المراد به ذكر حقيقة الأمر: أن من يدعون من دون الله لا ينفعون ولا يضرون. واضح؟ ﴿فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾، فإن فعلت، هذا الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، فهل معنى ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك؟ لا، لا يلزم ذلك. وهذا مثل قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]. هل النبي صلى الله عليه وسلم يقع في الشرك؟ لا، وإنما هذا من باب عدم المحاباة في دين الله عز وجل. فلو أن النبي فعل شيئًا من الشرك، لا، صار من الظالمين أو ممن لا يقبل لهم عمل. ﴿فَإِنَّكَ إِذَا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾، والظلم في هذه الآية يراد به الشرك، لأن الظلم يأتي بعدة معانٍ: يأتي بمعنى الشرك، ويأتي بمعنى ظلم الإنسان نفسه، ويأتي بمعنى ظلم الإنسان غيره، صح. فهذه الآية، السياق يدل على أن المراد بالظلم فيها ظلم الشرك. لقوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]، فالمراد بالظلم هنا الظلم بمعنى الشرك. وقوله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾، "ضر" هنا نكرة جاءت في سياق ماذا؟ في سياق الشرط، تفيد العموم. هذه قاعدة دائمًا تتكرر معنا: النكرة إذا جاءت في سياق النهي أو النفي أو الاستفهام أو الشرط تفيد العموم. فهنا "ضر" يشمل أي ضر: مرض، فقر، هزيمة، أذى، أي شيء. ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾، لا كاشف يعني لا مزيل، وكذلك ذاهب لهذا الضر إلا الله سبحانه وتعالى. فلا تستغيث بغيره ولا تلتجأ إلى غيره، هذا هو المراد. ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾، إن أراد الله عز وجل أن يوصل إليك خيرًا، فلا يستطيع أحد أن يمنعه منك أو عنك. وهذا مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». فينبغي للمسلم أن تكون عقيدته بالله عز وجل، يعلم أن الضر لا يرتفع عنه إلا بأمر الله، إلا بتقدير الله، إلا من الله. وهكذا إن سعى إلى خير، فيعلم أن هذا الخير لا يصل إليه إلا إذا أراد الله عز وجل له ذلك. ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾، أي خير، لأن "خير" هنا أيضًا نكرة جاءت في سياق ماذا؟ الشرط. ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾، لا يستطيع أحد أن يرد فضله، يصيب به من يشاء من عباده، فهو الذي ينعم على من يشاء ويمنع عن من يشاء سبحانه وتعالى. وجه الشاهد من هاتين الآيتين: الأولى: ﴿وَلَا تَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾، فهذا نهي عن دعاء غير الله في الشدائد، بل تصريح أن من فعل ذلك فقد وقع في ماذا؟ الشرك. لأن معنى القول: ﴿فَإِن فَعَلْتَ﴾، ومعنى "فعلت" يعني: إن دعوت غير الله، طلبت منه نفعًا، جلب نفع أو دفع ضر، ﴿فَإِنَّكَ إِذَا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾، يعني من المشركين، يعني الظلم هنا بمعنى الشرك. والآية الثانية كذلك فيها دلالة، وهو قوله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾، فطالما أنه لا كاشف لهذا الضر إلا الله، فكيف تطلب رفع هذا الضر من غير الله؟ فمن طلب رفع هذا الضر من غير الله فقد أشرك. عرفنا هذا الآن؟ ثم ذكر آية أخرى، قال: وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 17]. ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾، يعني اطلبوا الرزق من الله، لا من غيره. وطلب الرزق استغاثة بالله، لأن طلب الرزق تدعو الله أن يزيل عنك الفقر والحاجة، صح. وهذا هو وجه الشاهد من هذه الآية. من ابتلي بفقر، بقلة ذات اليد، بجوع، بجوع، بظمأ، بحاجة إلى مال لعلاج أو لزواج أو إلى غير ذلك، فيطلب ذلك من الله، يبتغي ذلك من عند الله، فلا يجوز أن يطلب ذلك من دون الله، من ولي، أو من قبر، أو من ضريح، أو إلى غير ذلك. لذلك قال: ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾، وهذا من باب ذكر العام بعد الخاص. فابتغاء الرزق من الله عبادة، لأنه دعاء، والدعاء هو العبادة، كما في حديث النعمان. واضح هذا الآن؟ هذا هو وجه الشاهد من الآية. قال: وقول: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: 5-6]. معنى الآية: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾، يعني لا أحد أضل، أضل الناس، من يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة. هذا أضل الناس، الذي يدعو غير الله. وهذا فيه دليل الدعاء، لأنه قال: "باب: من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره"، وخص الاستغاثة لأن غالب شرك المشركين في الدعاء عند الشدة، عند الشدة. واضح هذا الآن؟ فلذلك المشركون يخلصون الدعاء عند الشدة، يخلصون الدعاء إذا نزلت بهم الشدائد. ﴿فَلَا أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، أنت تدعوه أن يعطيك أو أن يرفع عنك ضر، وهو لا يسمعك ولا ينتبه لدعائك، بل هو غافل، ﴿وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾. ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، يتبرأ التابع من المتبوع في يوم القيامة. الشاهد: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾، فدل على أن دعاء غير الله من أضل الضلال، من أضل الضلال. قال: وقالوا: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 62]. هذه الآية معناها: أن من يجيب المضطر، هل إله غير الله يجيب المضطر الذي وقع في بلية، في مصيبة، في شدة، يريد النجاة من هذه الشدة؟ مضطر، من الذي يرفع عنه هذا الاضطرار وهذا الضر؟ هل إله غير الله يرفع عنه ذلك؟ أبداً. لذلك قال: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾، يعني يكشف الشدة والمحنة، ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾، هل هناك إله مع الله؟ هذا يسمى السؤال ماذا؟ استنكار، ينكر عليهم فعل ذلك. ﴿أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ يستطيع أن يرفع الشدة وأن يجيب المضطر. ولذلك يجب على المضطر أن يلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى. فهذه آيات خمس أو ست ذكرها المؤلف تحت هذا الباب. سيأتي معنا إن شاء الله حديث والكلام عليه. نكتفي بهذا وإلى هنا. الله تعالى. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.