الدرس في شرح كتاب الصلاة 14، ألقاها
يناقش كراهية الصلاة بحضرة الطعام إذا كانت النفس تشتهيه وكان حاضرًا، وكراهية الصلاة مع مدافعة الأخبثين مثل البول والغائط. هذه الأمور تشغل المصلي وتؤثر على خشوعه.
المقطع يتناول النهي عن رفع البصر إلى السماء أثناء الصلاة ويعتبره أقرب إلى التحريم، ويذكر بعض المكروهات الأخرى مثل النظر إلى ما يلهي والصلاة مع غلبة النوم.
تارك الصلاة كافر إذا تركها بالكلية، بينما من يصلي أحيانا ويترك أحيانا لا يكفر. هناك خلاف بين العلماء حول حكم تارك الصلاة، حيث يرى بعضهم أنه كافر بينما يرى الجمهور أنه فاسق ومرتكب لكبيرة.
المقطع يعبر عن ختام الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين. يُظهر المقطع الصيغة الشائعة للصلاة على النبي في الختام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال: الصلاة بحضرة الطعام، أو وهو يدافع الأخبثين، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان»، والحديث في مسلم. قال: وأما كراهة الصلاة بحضرة الطعام، فذلك مشروط بتوقان نفسه إليه، ورغبته فيه، مع قدرته على تناوله، وكونه حاضرا بين يديه. فلو كان الطعام حاضرا، لكنه صائم، أو شبعان لا يشتهي، أو لا يستطيع تناوله لشدة حرارته، فبذلك كله لا يكره له الصلاة بحضرته. إذا كان الطعام، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا صلاة بحضرة طعام»، يقول: هذا مشروط، يعني كراهة الصلاة مع حضور الطعام مشروط بهذه الأمور، أن تكون نفسه متعلقة به، نفسه متعلقة بالطعام. إن كانت غير متعلقة، فهنا ليس هناك ما يشغل نفسه، فلذلك يقوم فيصلي. كذلك القدرة على تناوله، أما إن كان غير قادر على تناوله، مثلا لكون الطعام غير جاهز، ما زال على النار، فهنا يقوم يصلي، ثم بعد ذلك يأتي إلى طعامه. أو غير حاضر بين يديه، يكون الطعام مثلا سيأتي من مكان آخر، لم يأتي بعد، وقد جاء وقت الصلاة، يصلي ثم بعد ذلك يتناول طعامه. طيب، أو كان صائما مثلا، فذلك لا يمنعه من الصلاة؛ لأنه ما سيتناوله لكونه صائما، أو نفسه لا تشتهيه، أو نحو ذلك من الأمور التي تمنعه من تناول الطعام، فهنا لا مانع من الصلاة في مثل هذه الحال. أو كونه مثلا شديد الحرارة، إلا إذا كانت برودته سريعة، يعني مثلا تفتح له عليه المروحة فيبرد سريعا، هنا ممكن أن يبرد سريعا ويتناوله ويؤخر الصلاة؛ لأن المقصود هو دخول الصلاة بخشوع وحضور قلب. قال: وَأَمَّا الْأَخْبَثَانِ فَهُمَا الْبَوْلُ وَالْغَائِطِ، وقد نهي عن ذلك كله، البول والغائط نعم. وما كان بمعنى البول والغائط، طيب كالريح مثلا، أو الضراط، أو نحو ذلك، ربما يؤذي الإنسان إذا أمسكه، فهنا يبدأ به أولا، يقضي حاجته ويفرغ ما في بطنه، ثم بعد ذلك يأتي للصلاة. كما سمعنا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أتى أحدكم إلى الخلاء وأراد الصلاة، أو إلى الصلاة إذا أتى أحدكم إلى الصلاة وأراد الخلاء، فليبدأ بالخلاء»، يبدأ أولا بالخلاء، ثم بعد ذلك يأتي إلى الصلاة. لماذا؟ لأن المقصود هو حضور الصلاة بخشوع، وهذا هو لب الصلاة وأساسها. قال: وقد نهي عن ذلك كله؛ لما فيه من شغال قلب المصلي وتشتت فكره، مما ينافي الخشوع في الصلاة. يعني يصلي وهو يفكر في الطعام، خاصة إذا كان جائعا ونفسه تشتهي، فما سيخشع في صلاته. وزد على ذلك إذا كان الطعام دسما تتعلق نفسه به أكثر، فيبقى في طول الصلاة وهو يفكر في قطع اللحم التي على الصحن، فما يدرك من صلاة شيئا. فهنا يبدأ أولا بالطعام، ثم بعد ذلك يصلي. كذلك إذا كان حابسا للبول أو الغائط، يبقى في ضيق، يبقى في ضيق، ويذهب الخشوع، ويبقى منتظرا حتى تنتهي الصلاة حتى يقضي حاجته. فلذلك يقدم الحاجة على حضور الصلاة، حتى يدخلها بكمال الخشوع. ربما يتضرر، وقد يتضرر بحبس البول والغائط ومدافعتهما، نعم. قد يحصل له ضرر، ربما يصاب شيء من ماذا؟ من الريح. وسيدة مسك الريح تصيبه أوجاعا وألاما بسبب ذلك. فلذلك يبدأ بها أولا، ويقضي حاجته، ثم بعد ذلك يأتي إلى الصلاة. قال: الثالث عشر، رفع البصر إلى السماء، بقوله صلى الله عليه وسلم: «لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لتخطفن أبصارهم»، والحديث في مسلم. هذا الحديث فيه نهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، وهذا النهي أقرب إلى التحريم من الكراهة؛ لأنه قال: «أو لتخطفن أبصارهم»، هذا وعيد، وعيد شديد، أن من رفع بصره إلى السماء، وفي الصلاة، يخشى من ذهاب بصره، ومن خطف بصره. هذا يدل على تحريم هذا الفعل، أن يرفع بصره إلى السماء، وهم في الصلاة، فهو أقرب إلى التحريم من الكراهة. طيب، هذه المكرهات ذكرها المؤلف، وفقه الله. هناك أيضا أمور أخرى منها النظر إلى ما يلهي من المكرهات، كذلك في الصلاة، أن تنظر إلى ما يلهيك. لهذا ينبغي أن تبعد الأشياء التي تلهيك في الصلاة، تبعدها حتى لا تشغلك. ودليل ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على خميصة لها أعلام، لها أعلام، أي فطوط، فشغلته عليه الصلاة والسلام، قال: «شغلتني هذه آنفا في صلاتي، اذهبوا بها إلى أبي جهم، وتوني بأنبجانية أبي جهم»، وهي عبارة عن خميصة ليس فيها شيء من الخطوط والأعلام. قال: «فإنها ألهتني آنفا بصلاتي»، وهو النبي عليه الصلاة والسلام، أتقى الناس لله، وأخشى الناس لله، ومع ذلك ألهته هذه الخميصة. والحديث في الصحيحين. كذلك أيضا يكره الصلاة مع غلبة النوم، مع غلبة النوم، إذا كان الإنسان ماذا؟ فيه نوم، وهذا النوم الشديد، فيكره له أن يصلي بمثل هذه الحال. يذهب أولا ينام حتى يذهب عنه تعب الذي أصابه، أو النوم الذي عنده، ثم بعد ذلك يصلي، خاصة في مثل صلاة القيام في آمال الليل، ونحو ذلك، أو حتى في الفريضة إذا كان الوقت واسع؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا صلى أحدكم وهو ناعس، فلعله يذهب يستغفر فيسب نفسه»، قال: «فليرقد حتى يذهب عنه النوم»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. والحديث في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها، وبمعناه في مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. كذلك أيضا مما يكره التزام مكانا خاصا للصلاة في المسجد، التزام مكانا خاصا للصلاة في المسجد، يعني ما يصلي إلا في هذا المكان، في كل صلاة، ما يريد إلا هذا المكان فقط، هذا مكروه، إلا الإمام، إلا الإمام، فله مكانه. وأما غير الإمام، فيصلي في المكان الذي يتيسر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم، جاء به حديث عبد الرحمن بن شبل، قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير»، رواه أحمد، ومن خزيمة. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب، يعني أن يسرع في الصلاة فينقرها كما ينقر الغراب عندما ينقر الحبة والطعام بسرعة، والمعنى أنه ما يطمئن، ما يطمئن في صلاته، في ركوعه، وفي سجوده. وافتراش السبع مر معنا سبته. وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير، يكون له مكان محدد، ما يصلي إلا فيه، هذا مكروه. طيب، إلا الإمام كما قلنا، فإن له مكانه المعين له. طيب، قال المؤلف: فقال الله المسألة التاسعة، حكم تارك الصلاة. قال: من ترك الصلاة جاحدا لوجوبها، فهو كافر مرتد؛ لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين، وهذا باتفاق أهل العلم، أن من ترك الصلاة جاحدا لوجوبها، بل من ترك شيئا معلوما من الدين بالضرورة، أو جحد شيئا من الدين، فهو كافر بإجماع العلماء، وإن فعله، وإن فعله. فكيف إذا تركه؟ يعني مجرد الجحود لشيء معلوم من الدين بالضرورة، يعتبر كافرا. إذا قال: جحد وجوب الصلاة، أو وجوب الصيام، أو وجوب الحج، أو وجوب الزكاة، طيب، أو وجوب الصلاة، فهو كافر، ولو صلى. فكيف إذا كان تاركا لها جاحدا لوجوبها؟ فهو كافر مرتد؛ لأنه مكذب لله ورسوله؛ لأن الله عز وجل أمر بها، والنبي عليه الصلاة والسلام أمر بها، وأجمع العلماء والمسلمون على وجوب الصلاة، فبذلك يكون كافرا. ومثل هذا يقتل ردة، يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل ردة. قال: قال: أما من تركها تهاونا وكسلا، فالصحيح أنه كافر، قول. فالصحيح إشارة إلى الخلاف، إشارة إلى الخلاف. قال: الصحيح أنه كافر، إذا كان تاركا لها دائما، وبالكلية، يعني ما يصلي أبدا، يقول: نعتقد أن الصلاة واجبة، وأنها فرض، لكن نسأل الله أن يهدينا، ما يصلي، ونحن ما نصلي. قال: لقوله تعالى عن المشركين: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، فدل على أنهم إن لم يحققوا شرط إقامة الصلاة، فليسوا بمسلمين، ولا إخوة لنا في الدين. الله عز وجل شرط لثبوت الإخوة في الدين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مفهوم المخالفة أنهم إن لم يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فليسوا بإخوة لنا في الدين، ليسوا بإخوة لنا. ومن الذي ليس بأخ لك في الدين؟ هو الكافر، هو الكافر. وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، يعني ليس لكم إليهم سبيل في قتلهم أو الاعتداء عليهم. فإذا لم يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، يكون مفهوم المخالفة أنه لك عليه سبيل. قال: ولي قوله صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، رواه الترمذي والنسائي وغيرهما من حديث بريدة رضي الله عنه. «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، من ترك الصلاة فقد وقع في الكفر. وقال عليه الصلاة والسلام: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه. «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، إذا تركها وقع في الكفر، وقع في الكفر. والصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر، إلا الصلاة، كما نقل ذلك عن عبد الله المشقيق رحمه الله. وفي أثر عن إسحاق البرهوي قال: ما زال الناس من عهد الصحابة يقولون: إن تارك الصلاة كافر. ما زال الناس منذ عهد الصحابة يقولون: إن تارك الصلاة كافر. طيب، هذا القول الصحيح الذي ذكره المؤلف، وفقه الله، وهو قول جماعة من أهل العلم، ورجحه من المعاصرين الشيخ العثيمين، وهكذا أيضا شيخنا مقبل رحمه الله، وغيرهم. والجمهور، جمهور علماء على أنه ليس بكافر، جمهور علماء على أنه ليس بكافر، وإنما فاسق ومرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب. قال: أما من كان يصلي أحيانا ويترك أحيانا، أو يصلي فرضا أو فرضين، فالظاهر أنه لا يكفر؛ لأنه لم يتركها بالكلية، كما هو نص الحديث: «ترك الصلاة». فهذا ترك صلاة، للصلاة، يعني ترك بعض الصلاة، ترك صلاة أو صلاتين، وليس تاركا للصلاة كلها. والحديث: «بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة»، يعني كل الصلاة. فإذا كان تاركا لبعضها دون بعض، فهذا مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، وهو أيضا على خطر عظيم، لكن الحكم عليه بالكفر، كما يقول: الظاهر أنه لا يكفر بذلك؛ لأنه لم يتركها بالكلية. قال: والأصل بقاء الإسلام، فلا نخرجه منه إلا بيقين. نحن في شك: هل يكفر بذلك أو لا يكفر؟ وعندنا ظاهر الأحاديث أنه يكفر إذا تركها بالكلية، وهذا لم يتركها بالكلية، إذن فالأصل بقاء الإسلام، ويكون عاصيا، وفاسقا، ومرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب. قال: فما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين، نعم. هذه قاعدة شرعية: أن ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين. فإذا ثبت إسلام بيقين، فلا يرتفع هذا الإسلام إلا بيقين، أما مع الشك، فالأصل بقاء الإسلام. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.