الدرس في شرح كتاب الصلاة 30، ألقاها
اختلف الفقهاء في تحديد حد السفر الذي تقصر فيه الصلاة بين ستة عشر فرسخاً أو ثمانين كيلو متراً وبين الرجوع إلى العرف. لم يحدد الشرع حداً معيناً للسفر مما أدى إلى اختلاف العلماء.
يُشترط أن يكون السفر مباحًا لقصر الصلاة، ويُقصر الصلاة من نوى الإقامة أقل من أربعة أيام. اختلف العلماء في سفر المعصية.
من أقام في بلد لحاجة دون نية الاستيطان أو مُنع من السفر لظروف قهرية، فله قصر الصلاة مهما طالت المدة، واستدل بفعل النبي وأقوال الصحابة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، المسألة الثالثة في حد السفر الذي تقصر فيه الصلاة ونوعه. قال: حد السفر الذي تقصر فيه الصلاة ستة عشر فرسخاً تقريباً، وهي أربعة برد، وبالأميال ثمانية وأربعون ميلاً، وهو ما يقارب ثمانين كيلو متراً، ما يقارب ثمانين كيلو متراً أو زيادة نحو أربعة وثمانين كيلو إلا قليل. والفرسخ ثلاثة أميال، فثلاثة عشر فرسخاً ثمانية وأربعون ميلاً. وقوله: «هي أربعة برد»، البريد نصف يوم، فأربعة برد يومان. قال: وهي يومان قاصدان في زمن معتدل، بيسير الأثقال، ودبيب الأقدام. قاصدان يعني معتدلان في السير، فيكون السير معتدل، والنزول والإقامة في أثناء السير معتدل متوسط، بيسير الأثقال يعني الحمل الذي يكون معهم يسير ليس كثير، حيث أنه ماذا يبطئ السير؟ قال: وسمى النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وليلة سفراً، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم». فأطلق لفظ السفر على يوم وليلة. قال: وكان ابن عباس وابن عمر يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً. نعم، فاستدل من قال من أهل العلم بتحديد حد السفر بهذا الحد: أن ستة عشر فرسخاً بما ثبت عن ابن عباس وابن عمر أنهما كانا يفطران ويقصران في أربعة برد. واستدل أيضاً بحديث «يا أهل مكة، لا تقصروا الصلاة في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان». رواه الدارقطني، لكن هذا الحديث ضعيف، ضعفه العلامة الألباني رحمه الله، ورجح وقفه على ابن عباس، يعني من قوله. وما ذكر أن ابن عباس وابن عمر كانا يفطران ويقصران في أربعة برد هذا صحيح، ذكره البخاري في صحيحه تعليقاً، ووصله البيهقي وغيره بإسناد صحيح. لكن صح عن ابن عمر أنه قصر في أقل من بريد عند ابن أبي شيبة، صح عن ابن عمر أنه قصر في أقل من بريد. ومسألة الحد الذي يقصر فيه الإنسان الصلاة في الحقيقة لم يأت في الشرع تحديد حد معين، وإنما هي استنباطات للفقهاء والعلماء من أحوال النبي عليه الصلاة والسلام في سفره. فكل أخذ ببعض المسافات التي قصر فيها النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة، أو كذلك أيضاً من أقوال النبي عليه الصلاة والسلام في تسمية بعض المسافات سفراً، كما في حديث أبي هريرة: «لا يحل للامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسافة أو مسيرة ثلاثة أيام بلياليها إلا مع ذي محرم». وفي رواية: «يومين»، وفي رواية: «يوم وليلة». فمنهم من قال: حد السفر ثلاثة أيام بلياليها، ومنهم من قال: يومين، ومنهم من قال: يوم وليلة. ومنهم من استدل أيضاً بحديث أنس حين سئل عن القصر في السفر، فذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ قصر الصلاة. ولذلك كان القول الصواب - الله أعلم - أنه يرجع في تحديد السفر إلى العرف، لأن الشرع أمر برد كثير من الأحكام التي لم يرد فيها حد إلى العرف، كما في المعاشرة، قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وكذلك غيرها من الأحكام الكثيرة التي لم يرد فيها حد في الشرع، فإنه يرجع فيها إلى العرف. وهكذا أيضاً يقال في تحديد مسافة السفر، لم يرد فيها حد في الشرع، ولهذا اختلف العلماء في ذكر الحد الذي به تقصر الصلاة. ذكر المنذر رحمه الله أربعين قولاً، ذكر أكثر من عشرين قولاً. وهذا الاختلاف بسبب عدم وجود نص، لو كان النص موجوداً لم يوجد هذا الخلاف. لكن لما كان النص غير موجود في تحديد المسافة التي تقصر فيها الصلاة، حصل هذا الخلاف. فكان القول الصواب هو الرجوع إلى العرف، هذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم رحمهم الله، وكذلك قول جماعة من العلماء المعاصرين كشيخنا الوادعي رحمه الله، والعلامة الألباني رحمه الله. وأما نوعه، فهو السفر المباح كالسفر للتجارة والنزهة، والسفر الواجب كالسفر للحج والجهاد، والسفر المسنون أو المستحب كالسفر للزيارة. والسفر للمرة الثانية في الحج. نعم، المرة الأولى واجب، المرة الثانية مستحب. قال: وعلى هذا فالسفر المحرم لا يجوز فيه القصر على رأي كثير من العلماء. يعني سافر الإنسان لأجل معصية، سافر لأجل معصية، هل يجوز له أن يقصر الصلاة؟ في قول جمهور أهل العلم: لا يجوز. جمهور العلماء لا يجوز لمن سافر سفر معصية أن يقصر الصلاة. قال: ليس له أن يترخص برخص السفر؛ لأن الله عز وجل إنما رخص بها لأجل التسهيل والتخفيف على العباد، أما أن يستعينوا برخصه على معصيته فلا. وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أنه يجوز أن يقصر ولو كان السفر غير مباح. وذهب إلى ذلك أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قالوا: لأن العلة في القصر هي السفر، فما دام أنه مسافر فيجوز له أن يترخص برخص السفر ولو كان سفره محرماً، فهو آثم على نيته وعلى قصده، لكن من حيث جواز الترخص بهذه الرخصة فله ذلك. المسألة الرابعة: هل يقصر من نوى الإقامة؟ قال: من نوى الإقامة يحتاج لتفصيل وبيان ذلك، أنه إن نوى الإقامة المطلقة لم يقصر؛ لانعدام السبب المبيح للقصر في حقه. كذلك إن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام، أو أقام لحاجة وظن أن لا تنقضي إلا بعد الأربعة، يعني سيقيم في هذه البلد التي سافر إليها، وهو يغلب على ظنه أن ما تنتهي حاجته في أقل من أربعة أيام، بل سيبقى أكثر من أربعة أيام. يقول: في مثل هذه الحالة يتم ولا يقصر. إذا نوى الإقامة المطلقة أنه سيقيم مطلقاً، أو سيقيم أكثر من أربعة أيام، يعلم من نفسه أنه سيبقى أكثر من أربعة أيام. قالوا: هنا يتم ولا يقصر. أو أقام لحاجة وظن أن لا تنقضي إلا بعد الأربعة، يعني غلب على ظنه أن هذه الحاجة ما ستنتهي إلا بعد الأربعة الأيام. قالوا: في هذه الحالة يتم ولا يقصر. قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة، فصلى بها إحدى وعشرين صلاة يقصر فيها، وذلك أنه قدم صبح رابعة، فأقام إلى يوم التروية. صبح رابعة يعني من ذي الحجة، في اليوم الرابع من ذي الحجة، فأقام إلى يوم التروية يعني يوم الثامن، فصلى الصبح ثم خرج. فمن أقام أربعة أيام أو أقل مثل إقامته صلى الله عليه وسلم قصر، يعني قصر الصلاة إذا كانت أربعة أيام فأقل، ومن زاد أتم. ومن زاد على الأربعة الأيام فإنه يتم الصلاة. قال: ذكره الإمام أحمد رحمه الله. وقال أنس: «أقمنا بمكة عشراً نقصر الصلاة». قال: ومعناه ما ذكرنا؛ لأنه حسب خروجه إلى منى وعرفة وما بعده من العشر. هذا قول في هذه المسألة: أن من نوى الإقامة أربعة أيام فأكثر أنه يتم الصلاة، ومن نوى الإقامة أقل من أربعة أيام فإنه يقصر. وهذا قول الإمام أحمد، وقول جماعة من أهل العلم. واستدل بما سمعنا من فعل النبي عليه الصلاة والسلام حين قدم مكة. هنا قول آخر: أنه من أقام في بلد سافر إليها وهو لم ينوِ الاستيطان، لم ينوِ استيطان هذه البلد، يعني يتخذها مكاناً ووطناً يعيش فيه، إنما أقام ليقضي حاجة، متى قضيت حاجته ذهب. فله أن يقصر الصلاة، وإن زادت على الأربعة أيام أو العشر أو العشرين. فله أن يقصر ما دام أنه في معنى المسافر، لم ينوِ إقامة الاستيطان أن يستوطن هذا المكان ويتخذه وطناً ويعيش فيه. واستدل بأن النبي عليه الصلاة والسلام أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة. وهكذا أيضاً في فتح مكة لما فتح النبي عليه الصلاة والسلام مكة، كما في صحيح البخاري عن ابن عباس: «أقام تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة». هنا الآن أقام أكثر من أربعة أيام، ومع ذلك كان يقصر الصلاة. بعض العلماء الذين قالوا بالقول الأول قالوا: هنا لعل النبي صلى الله عليه وسلم كان متردداً، يعني يقول: اليوم أسافر، غداً أسافر. وهذا لا شك أنه له أن يقصر ولو طالت المدة. لكن كما قال ابن القيم رحمه الله: النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن إقامته في مكة ما تكفي أربعة أيام، يعني بتجهيز الأمور واستعادة مكة وتصفية ما فيها من مظاهر الكفر والشرك إلى آخره، أن أربعة أيام لا تكفي. فأقام عليه الصلاة والسلام تسعة عشر يوماً وهو يقصر الصلاة، ولم يقل: من أقام أكثر من ذلك عليه أن يتم. ولو كان القصر أكثر من هذه الفترة لا يجوز لبينه النبي عليه الصلاة والسلام، لقال مثلاً: «أقمنا عشرين يوماً نقصر الصلاة، ومن أقام أكثر من ذلك فعليه أن يتم». ما قال ذلك، فيدل هذا على أنه يجوز أن تقصر الصلاة أكثر من هذه الفترة. وهذا الذي ثبت وصح عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، صح عنهم أنهم أقاموا فترة طويلة يقصرون الصلاة. فقد ثبت عن ابن عمر أنه أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، ذكره الإمام البيهقي، رواه البيهقي رحمه الله، وقد حال الثلج بينه وبين خروجه. وهكذا أيضاً ثبت عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه أقام في بعض قرى الشام أربعين ليلة يقصر الصلاة. وثبت كذلك عن أنس أنه أقام سنتين في الشام يقصر الصلاة، ويصلي صلاة المسافر. نعم، وغيرها من الآثار التي صحت عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في قصرهم للصلاة في أكثر من هذه الفترة. فعلى هذا: من نزل في بلد وأقام فيه وهو مسافر، ولم ينوِ فيه الاستيطان، أن يستوطن هذا البلد ويعيش فيه، إنما أقام لحاجة. فيعتبر في حكم المسافر. وأما من نوى الاستيطان فيه، نوى أن يتخذه وطناً ويعيش فيه، فهذا ينقطع عنه حكم السفر، ويكون بذلك مقيماً، له أحكام المقيمين من إتمام الصلاة ووجوب حضور الجماعة إلى آخره من أحكام المقيم. قال: ويقصر إن أقام لحاجة بلا نية الإقامة فوق أربعة أيام، ولا يدري متى تنقضي، أو حبس ظلماً، أو بمطر، ولو أقام سنين. قال: أجمعوا على أن المسافر يقصر ما لم ينوِ إقامة. نعم، هذه المسألة مجمع عليها. وهو إذا أقام الإنسان في بلد مسافر، نزل في بلد ثم لحاجة، ثم لا يدري متى تنقضي هذه الحاجة. يقول: أسافر غداً، بعد غد، ينتظر متى تنتهي معاملته، متى تنتهي حاجته. قالوا: هذا له أن يقصر ولو طالت المدة. أو منعه من السفر مانع، حبس ظلماً، جاء إلى بلد مسافر فحبس ظلماً وبقي في الحبس أشهر أو سنة أو أكثر، له أن يقصر له أن يقصر الصلاة. أو منعه مانع كوجود ثلوج أو شيء من ذلك، أو قامت حرب مثلاً، وفي تلك البلد منعه من السفر، له أن يقصر ولو طالت المدة. هذه مسألة مجمع عليها. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.