الدرس في شرح كتاب الصلاة 29، ألقاها
لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية قصر الصلاة الرباعية للمسافر، مستندين إلى القرآن والسنة والإجماع. ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر الصلاة في السفر.
المسألة فيها خلاف بين أهل العلم حول وجوب أو استحباب القصر، مستندين إلى سنة النبي وخلفائه. كما اختلفوا في حكم الإتمام في السفر.
الصلاة التي يجوز فيها القصر هي الصلاة الرباعية (الظهر والعصر والعشاء). تم ختام الدرس بالدعاء وتأجيل استكمال المسألة للدرس القادم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف وفقه الله: الصلاة المسافر وتجتمل على أولاً: قصر الصلاة الرباعية، وفيه مسائل. المسألة الأولى في حكم القصر الشريعة كما علمنا أنها جاءت للتيسير والتخفيف، كلما وجدت المشقة وجد التخفيف والتيسير. ولما كان السفر مظنَّت المشقة، يعني يظن فيه حصول المشقة والتعب، وهذا الغالب في السفر، جاءت الشريعة بالتيسير والتخفيف في كثير من الأحكام في الصلاة، جاءت بقصر الرباعية، تصلى ركعتين، في الصيام أسقطت الصيام عن المسافر، كذلك الجمع بين الصلاتين، كذلك السقوط حضور صلاة الجماعة، يعني المقامة في المسجد، عند السفر، على أن المسافر يصلي جماعة مع من معه، وغيرها من الأحكام التي خففت فيها الشريعة بسبب حصول المشقة. لكن العلَّة في القصر ليس هي السفر، ليس هي المشقة، وإنما هو السفر، العلَّة في القصر هو السفر نفسه، والمشقة مظنة مظنة السفر. فإذا سافر الإنسان سفر ليس فيه مشقة، هل له أن يترخص برخص السفر؟ الجواب: نعم، له أن يترخص ولو سافر في أريح المراكب والرواحل الذي ليس فيها تعب ولا مشقة، له أن يترخص، أن يقصر الصلاة أو أن يفطر لأنه مسافر، والعلَّة في الترخص هو السفر. قال: لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية قصر الصلاة الرباعية للمسافر، ودليل ذلك القرآن والسنة والإجماع. أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، إذا ضربتم في الأرض يعني سافرتم ومشيتم على ظهرها، فليس عليكم جناح، ورفع الجناح يدل على الإباحة والمشروعية، أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أي يفتنكم الذين كفروا. فالقصر جائز في السفر في حال الخوف وغيره، فقوله جل وعلا: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قد يكون هذا ابتداء، يعني ابتداء الحكم، القصر كان بسبب الخوف، ثم استمرت مشروعيته في الخوف وغير الخوف. ولهذا نظائر في الشرع مثل الرمل في الطواف، في طواف القدوم شرع عندما قدم النبي عليه الصلاة والسلام من مكة من المدينة، فقال المشركون: يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، يعني أتعبتهم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يظهر لهم قوة المسلمين، فأمرهم بالرمل، فكان يرمل في الأشواط الثلاثة، والرمل سرعة المشي والخطاء، فزالت هذه العلَّة وهذا السبب الذي لأجله رمل النبي عليه الصلاة والسلام، واستمرت مشروعية الرمل في طواف القدوم بعد زوال هذا السبب. ومثل يقال في مشروعية القصر بسبب الخوف استمرت مشروعيته بعد زواله، بعد زوال الخوف. ويدل عليه أن النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن القصر قال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»، يعني رخصة رخصها الله جل وعلا وتصدق بها على العباد أن يقصروا الصلاة في حال أمنهم وعدم خوفهم، قاله لأن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا حيث رواه مسلم. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه داوموا عليه، يعني داوموا على قصر الصلاة، النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في أسفاره، سافر نحو ثلاثين سفرة وهو يقصر الصلاة في أسفاره، وكذا الخلفاء من بعده. فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله» إلى آخر الأثر رواه مسلم. قال: ثم ذكر عمر وعثمان رضي الله عنهم أنه صحبهم كذلك ولم يزيد على ركعتين. وروى أحمد عن علي بن عمر مرفوعا: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته»، والحديث صحيح صححه الشيخ الألباني رحمه الله. إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته، فالقصر رخصة من رخص الله، والله يحب أن تؤتى رخصه، فيحرص المسلم على فعلها وعلى المحافظة عليها في السفر بأن يقصر الصلاة. وأيضا جاء عند الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث عمر رضي الله عنه أو من قوله قال: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، قصر غير تمام، أو تمام غير قصر، على لسان نبيكم»، يعني أنها فرضها تصلى ركعتان. وفي حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيح قال: «أول ما فرضت الصلاة ركعتان، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر». وفي حديث أنس بن مالك عند الكلبي في السنن أن: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة»، فهذه الأحاديث كلها تدل على مشروعية القصر، وأن الصلاة في السفر تصلى ركعتين، وسيأتي هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب. قال: وأما الإجماع، فالقصر من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وقد أجمعت عليه الأمة، يعني على مشروعية القصر، وهذا صحيح كما قال، شيء معلوم من الدين بالضرورة، أصبح شيء لا يجهله الكثير من المسلمين إذا سافروا، يعلم أنه إذا سافر يصلي الرباعية ركعتين، يترخص بذلك. قال: فالمحافظة على هذه السنة والأخذ بهذه الرخصة أولى وأفضل من تركها، بل كره بعض أهل العلم الإتمام في السفر، وذلك لشدة مداومة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على هذه السنة، وأن ذلك كان هديه المستمر الدائم. هل القصر في السفر واجب أو مستحب؟ مسألة خلافية بين أهل العلم، فمذهب أبي حنيفة ورواية عن مالك أن القصر واجب، يجب على من سافر أن يصلي ركعتين. وذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد، وأيضا رواية عن الإمام مالك كذلك، إلى استحباب القصر في السفر، على استحباب القصر، وأنه رخصة وليس بواجب. فالاتفاق على أنه مشروع، الخلاف في وجوبه. وممن قال بالوجوب الإمام ابن حزم رحمه الله، ذهب إلى وجوب القصر، وحديث عائشة ظاهر في الوجوب: «فرضت الصلاة ركعتان فأقرت صلاة السفر وزيدت في صلاة الحضر»، وأيضا حديث عمر: «صلاة السفر ركعتان» إلى آخره، إلى أن قال: «تمام غير قصر على لسان نبيكم». وعلى كل فقد اختلف أهل العلم في حكم الإتمام في السفر، والقول باستحباب القصر هذا قول أكثر أهل العلم، على أنه رخصة وأمر مستحب. لكن الله وعلم القول بالوجوب ليس ببعيد على ظاهر هذه الأدلة، حديث عائشة وحديث عمر، بل ثبت عن ابن عمر أنه قال: «صلاة السفر ركعتان، من خالف السنة كفر». أيضا ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم للقصر في السفر، ولم يأت عنه أنه أتم الصلاة في سفرة واحدة، هذا يدل كذلك على وجوب القصر. لكن ما حكم الإتمام؟ ما حكم إتمام الصلاة في السفر؟ هذه أيضا مسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أربعة أقوال ذكر فيها أربعة أقوال: القول الأول القول بالتحريم، والقول الثاني القول بالكراهة، والقول الثالث القول بأنه ترك الأفضل أو خلاف الأفضل، والقول الرابع أنه هو الأفضل، يعني أن الإتمام أفضل من القصر. ثم قال: أما القول الرابع فضعيف، يعني أنه هو الأفضل، هذا أبعد الأقوال وأبعده عن الصواب. والقول بأنه خلاف الأفضل أيضا ضعيف، لأن القصر بلا شك هو الأفضل وهو الذي ينبغي أن يفعله المصلي المسافر في سفره. قال: ويتوجه أحد القولين إما القول بالتحريم وإما القول بالكراهة. والقول بالتحريم هو قول أبي حنيفة ورواية عن الإمام مالك، لأنهما ذهب إلى وجوب القصر فقال بتحريم الإتمام. والقول بالكراهة هو رواية عن الإمام مالك وقول الإمام أحمد، رواية عن الإمام مالك وقول الإمام أحمد أن الإتمام مكروه، لماذا؟ قال: لأنه ثبت عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أنهم أتموا في السفر ولم ينكر عليهم الصحابة رضي الله عنهم إنكار من فعل المحرم، وإنما من ينكر من يفعل المكروه، فهذا يدعو على أنهم يرون أن الإتمام في السفر ليس بمحرم وإنما أقل أحواله الكراهة. وإلى هذا ذهب رحمه الله، ذهب إلى أن الإتمام في السفر مكروه. وعلى كل فالمسلم يحرص على أن يقصر الصلاة في السفر وأنه لا يتم في سفره، هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام، أنه كان يقصر الصلاة فيها. وكما قلنا القول بوجوب القصر ليس ببعيد عن الصواب لظاهر الأدلة مع مداومة النبي عليه الصلاة والسلام. المسألة الثانية في تحديد الصلاة التي يجوز فيها القصر، قال: الصلاة التي يجوز فيها القصر هي الصلاة الرباعية، وهي صلاة الظهر والعصر والعشاء، الظهر والعصر والعشاء، هذه الصلاة الرباعية تصلى ركعتين، ولا تقصر صلاة الصبح ولا المغرب إجماعاً، ما يقصر الإنسان الصبح يصليها ركعتين، أو يقصر المغرب يصليها ركعتين مثلاً، المغرب تصلى على ما هي عليه ثلاث ركعات في السفر وفي الحضر. قال: لفعله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده، يعني أنهم كانوا يقصرون صلاة الظهر والعصر والعشاء، ولقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين»، والحديث أخرجه مسلم. قال: فدل على أن الرباعية هي المقصودة بالقصر، المقصودة بالقصر هي الرباعية. نترك المسألة بعدها في الدرس القادم إن شاء الله لقرب انتهاء الوقت. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.