الدرس في التعليق على الجواب الكافي 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يذكر الإمام ابن القيم أحاديث نبوية تحذر من التهاون في الذنوب والمعاصي، حيث يمكن أن تؤدي إلى عقوبة الله عز وجل وتدمير دين الشخص وقلبه. تكرار الذنوب يؤدي إلى تدهور حال الإنسان.
المعاصي تؤدي إلى الكفر إذا استمر الإنسان عليها، ولا ينبغي للإنسان أن يأمن على نفسه الزيغ والانحراف عن الدين بسبب المعاصي. القلوب بيد الله تعالى يقلبها كيف يشاء.
الذنوب تترك نكتة سوداء في القلب، وإذا لم يتوب الإنسان زادت هذه النكت حتى تعلو قلبه. كما أن احتقار المعصية يؤدي إلى عدم عظمة الله في قلب الإنسان.
الذنوب والمعاصي تتراكم على القلب حتى تغطيه وتسبب الران، وهو ما يمنع القلب من الخير والإيمان. هذه الحالة تنتج عن تراكم الذنوب والمعاصي وتؤثر على صلاح القلب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: بعدما ذكر الحديث الذي ورد في الخوف من الذنوب، وأن الذنوب لها أثر في عقوبة الله عز وجل لعباده، فذكر أحاديث كثيرة. وقفنا عند ما جاء عن أنس، فسعي البخاري: «إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، وإن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الموبقات». ثم قال رحمه الله: في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت النار؛ لا هي أطعمتها ولا سقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض». فهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم من طرق عن نافع عن عبد الله بن عمر. وكذلك أيضا جاء من حديث أبي هريرة، الحديث صحيح في الصحيحين كما ذكر المؤلف، فقال عليه الصلاة والسلام: «عذبت امرأة بسبب هرة حبست هذه الهرة، لا هي أطعمتها ولا سقتها، ولا جعلتها تأكل من خشاش الأرض؛ فحبستها ولم تعطها طعاما ولا شرابا، فماتت، فأدخلها الله عز وجل النار». وهذا أيضا يجعل العبد أنه لا يأمن في هذه الحياة، فهذا ذنب قد يظنه الناس ذنبا يسيرا حتى أدخل الله عز وجل هذه المرأة في النار. كما أن المرأة التي سقت كلبا وهي بغي أدخلها الله الجنة. فلهذا لا ينبغي للمسلم أن يتصاغر الذنب ويحتقره. «إياكم ومحقرات الذنوب؛ فإنهن إذا اجتمعن على الرجل أهلكناه». بل أحيانا الذنب يستصغره الإنسان وهو عظيم عند الله جل وعلا، فيكبه على وجهه في النار. قالوا في الحلية: عن حذيفة أنه قيل له: في يوم واحد ترك بنو إسرائيل دينهم؟ قال: لا، ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه، وإذا نهوا عن شيء ركبوه، حتى سلبوا دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه. وهذا أخرجه أبو نعيم في الحلية، وكذلك أخرجه الإمام أبو بكر الخلال في السنة، والعقبري في الإبانة، بسند صحيح. عن حذيفة قيل له: في يوم واحد ترك بنو إسرائيل دينهم؟ لما لعنهم الله عز وجل وجعل منهم القردة والخنازير، وعبد الطاغوت؟ قال: لا، ولكنهم كانوا إذا أمروا بالشيء تركوه، وإذا نهوا عن الشيء ركبوه، ولم ينه بعضهم بعضا، ولم ينهى بعضهم بعضا. فضرب الله عز وجل القلوب، ولعنهم على لسان أنبيائه: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لا ينهى بعضهم بعضا. فلهذا قال حذيفة رضي الله عنه: إنهم تركوا الأمر وركبوا النهى، فانسلخوا عن دينهم. فهكذا الذنوب تفعل في قلب العبد، كلما كثرت، كلما كثر السواد في قلب العبد حتى يعلو على قلبه الرين، وحتى أيضا قد ينسلخ العبد من دينه ويرتد، والعياذ بالله. فالمعاصي بريد الكفر، المعاصي هي المرسل إلى الكفر الذي يؤدي إلى الكفر. فمن أصر على المعاصي فلا يأمن أن يأتيه اليوم الذي يرتد فيه عن دين الله جل وعلا. قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر. فكما أن القبلة بريد الجماع، والغناء بريد الزنى، والنظر بريد العشق، والمرض بريد الموت، فالمعاصي بريد الكفر. وقد قاله جماعة من السلف، قالوا: إن هذه المعاصي تؤدي إلى الكفر إذا تمادى فيها العبد. فلهذا لا يظن الإنسان أنه مثلا نشأ في بلاد التوحيد أو نشأ عند أهل التوحيد أن قلبه لا يتزعزع، بل القلوب بيد الله جل وعلا. فلهذا هناك أناس قد وصلوا في العلم لهم مكانة عظيمة، يردون على الكفرة ويردون على الملحدين، ثم إنهم تحولوا بعد ذلك إلى أهل المعاصي، بل إن بعضهم ارتد عن دين الله، وهو قد تعلم العلم، وقد طلب العلم، وقد صار لهم شأن في العلم، كما قلنا يردون على أهل الكفر، لكن قلبوا بعد ذلك بسبب المعاصي حتى مات، حتى مات حدهم وهو في المعاصي، والعياذ بالله. فلهذا لا يأمن الإنسان على نفسه، فيقول: أنا الآن شاب وفي مكتب العمر، حتى لو عصيت سأتوب بعد ذلك. ما يأمنك أن الله عز وجل فاجأك بالموت، وما يأمنك أيضا على قلبك أنه يزيغ، والعياذ بالله. فإنما الزيغ يأتي من الإنسان، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم. فبسبب زيغ الإنسان زاغ قلبه. فما يأمنك على قلبك، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. جاء في صحيح مسلم: «إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه». لهذا فلا يأمن الإنسان مثل هذا. قالوا في الحلية أيضا عن ابن عباس أنه قال: يا صاحب الذنب، لا تأمن سوء عاقبته. ولما يوجع الذنب أعظم من الذنب إذا عملت. قلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال وأنت على الذنب أعظم من الذنب. وضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب. وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب. وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب. وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب أعظم من الذنب. ولا يقترب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب. ويحك، هل تدري ما كان ذنب أيوب؟ فابتلاه الله بالبلاء في جسده وذهاب ماله. استغاث به مسكين على ظالم يقرأ عنه، فلم يعنه ولم ينه الظالم عن ظلمه، فابتلاه الله. وهذا الأثر لا يصح عن ابن عباس، جاء بإسناد واحد من طريق إسحاق بن بشر وهو متروك، عن جويبر بن سعيد وهو أيضا متروك، عن الضحاك عن ابن عباس. والضحاك لم يدرك ابن عباس، وإنما كانت معه صحيفة فيها تفسير الضحاك بن مزاحم. وكان غالب وقته في التبغور، وكان يعلم صبيان المسلمين. جاء في السنة أنه لما سئل عن ذنبه، ما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد وغيره أنه جلس عنده بعض إخوانه، فقبل أن يأتوه كانوا يتكلمون: ما هو الذنب الذي أذنبه أيوب حتى بلغ هذا المبلغ؟ فلما جلسوا عنده، فلم يستطع أن يصبر أحدهم، فقال لأيوب: ما هو ذنبك الذي أذنبته حتى ابتلاك الله عز وجل بهذا؟ قال: والله ما أدري، إلا أني إذا وجدت رجلين يتلاحيان أو يتخاصمان، فلم أستطع أن أصلح بينهما تصدقت عليهما. هذا الأمر الذي ذكر أنه لم يستطع أن يصلح بينهما، عكس أنه استغاث به مسكين على ظالم يدرأه عنه، فلم يعنه. فهذا خلاف ما جاء في الحديث أنه كان يعين الناس على الخصومات. معنى أقصد أنه يصلح بينهما، يصلح بينهما، فإن لم يستطع أن يصلح بينهما تصدق عليهما، تصدق عنهما. فهذا الذي ذكره، وليس بذنب، بل هو فضيلة عظيمة. قال الإمام محمد: حدثنا الوليد -والوليد ظاهر أنه ابن مسلم- عن عباس الدمشقي قال: سمعت الأوزاعي يقول: سمعت بلال بن سعد يقول -وهو أحد التابعين-: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت. لا تنظر إلى أن هذه المعصية صغيرة، لكن انظر إلى من عصيت. وهذا أيضا يجعل قلبك يعظم الله، فإذا عظمت الله عز وجل، فإنه يعظم الذنب الذي تذنبه ولو كان صغيرا. فلهذا احتقار المعصية خطأ يؤدي إلى عدم عظمة الله جل وعلا. كلما زادت هذه المعاصي، قال الفضيل بن عياض: بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله. إذا عظمت أنك تأتي هذا الذنب، فإنه يعظم عند الله، وإذا صغر في قلبك عظم عند الله جل وعلا. قال: وقيل: أوحى الله إلى موسى: يا موسى، إن أول من مات من خلقي إبليس، وذلك أنه عصاني. وإنما أعد من عصاني من الأموات. فكأنه معلق قلبه. قال في المسند: من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن المؤمن إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله عز وجل: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾». قال الترمذي: هذا حديث صحيح، إسناده صحيح. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن إذا أذنب ذنبا نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب ونزع فقل قلبه». هنا فقل، والصقل هنا بإخراج ما له جرم. وكأن الذنب قد حفر في قلبه أو قد صار جرما في قلبه، والصقل غالبا هو إخراج الوسخ من الزجاج، يصقل، فكأنه يخرجه بشدة، يصقل قلبه حتى يصير صافيا. قال: وإن زاد زادت، وإن لم يتق، وإنما زاد في ذنبه زادت هذه النكتة حتى تعلو قلبه. وانظر إلى أن هذه النكتة ليست هينة، بل هي جرم، وكلما زادت غطت شيئا من قلبه حتى تعلو على قلبه، تصير في قلبه كله. فذلك الران الذي ذكره الله عز وجل. والران هذا هو شيء من الأغلفة التي يجعلها على القلوب، فالطبع. فهذه بعض النصوص التي ذكرها، إن شاء الله بقيت بعض النصوص، فنكملها إن شاء الله تعالى في درس لاحق. والله تعالى أعلم.