الدرس في التعليق على نظم الورقات 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
عرف الجهل بعدم إدراك الشيء على حقيقته، وقسم إلى جهل بسيط ومركب. الجهل البسيط هو عدم العلم، بينما الجهل المركب هو إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه.
ناقش المقطع تعريف الجهل المركب وبيّن أن تعريف المؤلف ناقص. الجهل المركب يعرّف بتصور الشيء على خلاف حقيقته، والتعريف الصحيح للجهل هو فقد العلم.
الجهل البسيط عدم العلم بالأمور الحسية، والجهل المركب إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه ويتعلق بالأمور الفكرية. الجهل المركب أشد وأقبح ولا يُعذر صاحبه.
ضرب المثل برجل ركب حماره وسخر الناس منه، فقال حماره إن الجهل المركب أقبح من الجهل البسيط. الجهل المركب هو اعتقاد العلم مع عدمه.
بسم الله الرحمن الرحيم. محمد لله رب العالمين وآله وصحبه، من ولاء وما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «والجهل قل تصور الشيء على خلاف وصفه الذي به على». وقيل: حد الجهل فقد العلم بسيطًا أو مركبًا قد سمي. فالآن عرف المؤلف الجهل بعد أن عرف العلم؛ لأنه كما يقال: وبضدها تتبين الأشياء، فبضد العلم أو ضد العلم هو الجهل. وقد عرف العلم، وعلمنا أن معرفة المعلومة إن طابقت لوصفه المحتوم، لا بد أن يكون هذا العلم إدراك الشيء على ما هو عليه. فإذا لم يدرك الشيء على ما هو عليه، فهو جهل. وهذا إذا لم يعرف المعلوم، فهو جهل بسيط كما سيأتي، يسمونه جهلًا بسيطًا. وإذا لم يعرف المعلوم على ما هو عليه، فهو جهل مركب. لكن هنا يقول المؤلف: «والجهل قل تصور الشيء على خلاف وصفه الذي به على». التصور -قُلنا- يطلقه المناطقة على عدم إدراك المفرد إذا كان مفردًا، ولم أو أدركه، يسمونه التصور. وإذا كان جمعًا، يسمونه تصورًا أو تصديقًا إذا كان جملة -أقصد اسمية أو فعلية- يسمونه تصديقًا. أما إذا أدرك الواقع، فإن أدركه بالمفرد، فهذا يسمى التصور، مثل: أن يقال: هذا الشخص رجلًا، وهو رجل، فهذا تصور يسمى تصورًا. وإن كان جملة، هذا الإدراك إدراك جملة اسمية أو فعلية، يسمى تصديقًا، مثل: يقول للشخص: رأيت الرجل القائم، رأيت الرجل القائم، فالآن التصور صار عليه الرجل القائم، فهذه جملة، فلهذا فهذا يسمى تصديقًا. هذا معروف عند أهل المنطق، إذا كان مفردًا سمي تصورًا، وإذا كان جملة سمي تصديقًا. لكن هنا التصور الذي أراده هو أعم، ليس التصور الذي يكون في المفرد؛ لأن المناطقة أحيانًا تجد عندهم شيء من التناقض في كلامهم، فأحيانًا يطلقون التصور ويريدون به التصور في المفرد وفي الجملة، الأعم. وهذا هنا ذكره المؤلف: «التصور على ما ذكره الجويني»، فقال: «والجهل قل تصور الشيء على خلاف وضعه الذي به على». فالتصور هنا أعم من أن يكون مفردًا. أن التصور هنا المراد به الإدراك الشامل أو الإدراك الأعم. إذا تصور الشيء على خلاف وضعه، مثل: هناك امرأة يقول رجلًا، فأنا يقول: هذا رجلًا، وهو امرأة، هذا التصور على خلاف وصفه الذي به على. وهذا ينطبق على الجهل المركب، الذي هو خلاف الوصف في الواقع، مثل ما ذكر في العلم: «وعلمنا معرفة المعلوم إذا طبقت لوصفه المحتوم». فإذا وافق وصفه المحتوم المعروف، فهذا يعتبر إدراكًا. إذا لم يوافق الوصف المحتوم، يعتبر جهلًا مركبًا. فالآن التعريف هذا ناقص، التعريف الذي يعرفه المؤلف يعتبر تعريفًا ناقصًا: «تصور الشيء على خلاف وصفه الذي به على». وإن شاء الله نريد أن نخرج من ما يذكره المناطقة في هذا الباب؛ لأنه أحيانًا بعض الأشياء السمجة ما تستطيع أن تستساغ، فلهذا لا نذكر شيء من هذا الباب الذي ذكره هنا. لكن المهم أننا نعرف أن هذا التعريف فيه نقص. فقوله: «تصور الشيء على خلاف وصفه الذي به على»، الذي به على أي الذي به عرف وميز، الذي به ميز وعلى. فإذا كان ليس هو المعروف، فقد نزل به، نزل به معنى. الآن الإنسان يذكر مثلًا أن هذا -كما قلنا- شخص رجل. فإن كان رجلًا حقيقيًا، فهذا الوصف الذي به على، على أنه على الواقع. لكن إذا كان هذا الوصف خطأ، أنا يقول: هذا الرجل، وهي امرأة، فهنا نزل بهذا الوصف لم يعل به ولم يميز هذا الوصف، وإنما نزل به. فلهذا قال المؤلف هنا: «خلاف وضعه الذي به على»، معنى كأنه الذي يميز به. فلهذا كما قلنا أن هذا التعريف ليس فيه الجهل البسيط، فلهذا هو خطأ. والعفضل التعريف الثاني الذي ذكره: «وقيل حد الجهل فقد العلم بسيطًا أو مركبًا قد سمي». فقد العلم هو التعريف الصحيح. فقد العلم فالجهل هو فقد العلم. وقد يكون فقد العلم هذا على عدم الإدراك أبدًا، أو يكون عدم إدراكه على الواقع، إما عدم معرفة المعلوم أو عدم إدراكه على الواقع. فهذا يكون فقد العلم أو عدم العلم. فالجهل عدم العلم. وبضدها تتبين الأشياء، فإذا قيل: ما هو العلم؟ فهو العلم ضد الجهل. وما هو الجهل؟ فهو ضد العلم. فالعلم إدراك الشيء على ما هو عليه، والجهل ضده. فقولهم -مثلًا- إدراك الشيء على ما هو عليه، فإدراك الشيء معناه يخرج ما ليس بعلم. وقولهم: على ما هو عليه، أي على خلاف ما هو عليه. فالأول يعتبر جهلًا بسيطًا، والثاني يعتبر جهلًا مركبًا. فلهذا فقد العلم هو التعريف الصحيح: «وقيل حد الجهل فقد العلم بسيطًا أو مركبًا قد سمي». معنا قسمين لقسمين: جهل بسيط وجهل مركب. قال: «بسيطه في كل ما تحت الثرى، تركيبه في كل ما تصور». كله ما تحت الثرى، أنا يريد أن البسيط ما يتعلق بالأمور الحسية، ما يتعلق بالأمور الحسية التي يحسها بالحواس الخمس. فهذا يعتبر جهلًا بسيطًا. هو ما يتعلق بالأمور الحسية، وأما المركب هو ما يتعلق بالأمور التصورية الفكرية. والتصور هنا أيضًا ليس المراد ما ذكرناه قبل، أن التصور عام، والمراد به الفكر. فقال: «بسيطه في كل ما تحت الثرى، تركيبه في كل ما تصور». ما تصورته في ذهنك، فهذا مركب؛ لأنه ليس على الواقع. وذاك محسوس؛ لأنه على عدم الواقع. فرأيت شخصًا أو يقول له مثلًا: كم أركان الصلاة؟ فيقول: لا أدري، لا أدري، فهذا جهل بسيط. لكن لو قال مثلًا: قيل له كم أركان الصلاة؟ قال: عشرة، فهذا جهل مركب؛ لأنه لم يعلم الصحيح من أركان الصلاة. أو يقال له مثلًا: هل الفاتحة من أركان الصلاة؟ فيقول: لا أعلم، فهذا جهل بسيط. فإذا قال: هي مستحبة أو سنة مستحبة، هذا جهل مركب. فلهذا البسيط ما يتعلق بالأمور الحسية، والمركب ما يتعلق بالأمور الفكرية. وهناك تعريف آخر للجهل، فالجهل البسيط هو عدم الإدراك بالكلية. والجهل المركب هو إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه. وهذا قوله: «إن طابقت لوصفه المحتوم». وهذا -إن شاء الله وتعالى- الفرق معروف. والجهل المركب أعظم من الجهل البسيط. فعن الجهل البسيط يُعذر صاحبه، أما الجهل المركب فهو لا يُعذر صاحبه. لهذا يقولون تلك الأبيات: قال حمار الحكيم توم: «لو أنصف الدهر أنا كنت أركب؛ لأنني جاهل جهل بسيط، وصاحبي جاهل جهل مركب». وهذا حمار توم رجل يقال من العرب، يضربون به أمثالًا في الجواب بغير علم. أنا يجاوب بغير علم، ولا يعترف بالجهل. أنا كلما سئل أجاب، ولو خطأ. فعرف بهذا الرجل، فقال حماره: «لو أنصف الدهر كنت أنا أركب؛ لأنني جاهل جهل بسيط، وصاحبي جاهل جهل مركب». فلهذا فالجهل المركب أقبح من الجهل البسيط. طيب إن شاء الله نكتب.