الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 529، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع استخدام الصحابة للورس والزعفران في الخضاب وأجاز النبي صلى الله عليه وسلم صبغ الشعر وتغيير الشيب. الورس والزعفران يستخدمان للزينة وللطيب مع توضيح الفرق بين طيب الرجال وطيب النساء.
يناقش حكم صبغ الشعر بالسواد ويستدل على عدم جوازه بأحاديث نبوية. الصبغ يكون بمادة غير السواد مثل الحناء أو الزعفران. يُحذر من التشبه بالآخرين وتغيير خلق الله.
يتناول حكم صبغ الشعر وتغيير لونه مبينا أن الصبغ بغير السواد جائز ما لم يكن تشبها بالكافرات. يجوز صبغ الأعضاء حتى بالسواد ما لم يكن تشبها.
ينصح الشيخ المرأة بتجنب تغيير خلق الله مثل تشقير الوجه والحاجبين لأنه يدخل في النمص ويشبه أعداء الله. الأفضل للنساء الابتعاد عن مثل هذه الأمور حفاظا على دينهن.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا بكر بن عيسى أبو بشر البصري الراسبي، قال: حدثنا أبو عوانة، وبكر بن عيسى يعتبر ثقة عند مشايخ الإمام أحمد، وهو بصري كما ذكروا. قال: حدثنا أبو عوانة، وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري، كان أيضا من حفاظ البصرة. قال: حدثنا أبو مالك الأشجعي، قال: سمعت أبي وسألته، فقال: كان خضابنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم الورس والزعفران. قال: هذا حديث صحيح. فهذا الحديث فيه أن الصحابة رضي الله عنهم، بل والنبي عليه الصلاة والسلام، كان يخضب لحيته ويخضب أيضا شعره. المراد بالخضاب أي الصبغ، كان خضابنا أي صبغتنا التي يصبغ بها، فاستعملوا أحيانا الورس والزعفران، لكنه في الصبغ وليس عطرا، وإنما النساء تستعمله عطرا مع الطيب. ولهذا جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه». طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، الريح تظهر في طيب الرجال وعطره، فالريح تظهر لكن اللون غالبا يكون خفيا، بخلاف طيب المرأة فيكون لونها ظاهر وريحها خفي، يريد بطيب المرأة الورس والزعفران لأنه لا رائحة لها تظهر، لكن لونه ظاهر، فلهذا كان طيب النساء في عادة النبي صلى الله عليه وسلم أو في غيره الورس والزعفران. لكن قد يستخدمه الرجال ليس زينة، ليس استخدامه خضابا لليدين والرجلين، وإنما خضابا للشعر، وهذا لا بأس به، لأن الورس والزعفران يظهر لونهما واضحا، فلهذا لا بأس لو استخدمه في صبغ الشعر. ومسألة الصبغ هذه أجاز النبي عليه الصلاة والسلام صبغ الشعر وتغيير الشيب، وقد جاء في السنن في حديث أبي ذر وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء والكتم». إن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء والكتم، والكتم معروف، الكتم هو ما يسميه الناس الآن الحناء السوداء، وهو تشبه الحناء لكنه مائل للسواد، يسمى الكتم. فكان أيضا يخضبون بهذه الأشياء الحناء والكتم وما يكون فيه غير السواد. وأما الخضاب بالسواد كالكحل وغيره، فإنه منهي عنه على الصحيح، فإنه منهي عنه، أي منهي عن الصبغ به، وخاصة الشعر الأبيض. النبي عليه الصلاة والسلام جاءت الأحاديث بالحث على التغيير، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن نتف الشيب، فقال: «لا تنتفوا الشيب، فإنه نور المسلم يوم القيامة». وقال: «ما من مسلم يشيب شيبة إلا كانت له نورا يوم القيامة». أن الشيب هنا الشعر الأبيض، لكن حتى على صبغه، حتى جاء في البخاري ومسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «خالفوا المجوس». جاء في رواية: «خالفوا اليهود، فإنهم لا يصبغون». أو قال: «يصبغوا، فإن اليهود لا يصبغون لحاهم ولا شعورهم». فالصبغ يعتبر خاصية لهذه الأمة، مخالفة لليهود والنصارى، لكن الصبغ يكون بغير السواد، الصبغ يكون بغير السواد، بالحناء، بالكتم، بالورس، بالزعفران، بغيرها من هذه الأمور التي ليست سوادا. أما بالكحل أو ما يكون سوادا، وخاصة إذا كان الشيب موجودا لأجل تغيير الشيب، فإن هذا منهي عنه. ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم، الحديث أصله في الصحيحين، لما كان النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، جاء له بأبي قحافة، بأبي قحافة والد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، فجاء له بأبي قحافة وشعره كالتغامة من البياض، صار شعره أبيضا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر: «يا أبا بكر، ألا أقررنا الشيخ في بيته حتى نأتيه إكراما لك؟» فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هو حق أن يأتيك يا رسول الله». قال أبو بكر: «بل هو حق أن يأتي إليك يا رسول الله». فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام ورأسه أبيض، قال: «غيروا هذا بشيء، وجنبوه السواد». والصحيح أن هذه الزيادة ليست شاذة، بل هي زيادة صحيحة، قد رواها جماعة من الرواة عن هشام، فهي زيادة صحيحة. وأيضا ما يدل على عدم جواز الصبغ بالسواد ما جاء عند أبي داود، وذكره الشيخ الألباني في الصحيحة، ذكره أيضا الشيخ مقبل في الصحيحة، مسندا، وله أيضا للشيخ رسالة في تحريم الصبغ بالسواد، وذكر هذا الحديث، وقال: للنبي عليه الصلاة والسلام: «سيكون قوم من أمتي يخضبون بالسواد كحواصل الطير». فنهى النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك عن هذا. وكما قال شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما: أن الأحاديث التي يأتي فيها آخر الزمان، لا تقوم الساعة حتى كذا، أو لا يكون كذا، فهذا غالبا في الذم يطلق عليه في الذم. ولهذا قال في هذا الحديث: «إياكم وإياهم، إياكم وإياهم». وهذا تحذير من أن يجالس مثل هؤلاء أو يتبع ما يفعلونه. لكن تجد أن كثيرا، خاصة في المملكة، من المشايخ وغيرهم يخضبون بالسواد، يرون أن هذا الحديث لم يصح، وأنه لا بأس أن يخضب الإنسان بالسواد، لكن هذا ليس صحيحا. أولا أن السواد كما قلنا جاءت فيه أحاديث، حتى ولو لم تأت فيه أحاديث، أيضا فيه تشبه بالبربر بما لم يعطى، النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك. «المتشبع بما لم يعطى كلابس ثوبي زور». وهذا الذي يصبغ أيضا كأنه في تغيير لخلق الله، فيرجع الذي يراه كأنه شاب، وهو قد يكون قد تجاوز الستين، تجاوز السبعين، وتجد أنه يخضب وكأنه شابا، وهذا أيضا مما يدخل في حديث المتشبع بما لم يعطى. كذلك يعتبر نوعا من التزوير الذي لا ينبغي، وكذلك قد يدخل أيضا في تغيير خلق الله. فالمهم أن الصبغ بالسواد قد جاء النهي عنه، وقد بين ذلك شيخنا في هذه الرسالة التي ألفها في هذا الباب. وأما الصبغ بغير السواد فهو جائز، كان للرجال كما للنساء، ما لم يكن تشبها، ما لم يكن هذا الصبغ المراد به التشبه بالكافرات، مثل ما تفعل كثير من النساء الآن، تصبغ شعرها كله أحمر أو أصفر أو أشقر، تشبها بالكافرات، وهذا لا يجوز إذا كان من باب التشبه. أما من باب التغيير، ما في شيء، لو أرادت تغييرا فوضعت صبغة صفراء أو كذا، لا بأس. أما أنها تتشبه، تجعل شعرها كله أحمر أو كله أشقر أو أصفر، أو كذلك يجعلون ألوانا، عن الجانب الأيمن بلون كذا، الجانب الأيسر بلون كذا، أو غير ذلك من هذا التشبه بالكافرات، فهذا لا يجوز أن يتشبه بالكافرين في مثل هذه العبثية وغيرها، كما قد ذكرنا في كلام شيخ الإسلام في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم»، قد بينا هذه المسألة أتم بيان، على أنه لا يجوز التشبه بأعداء الله عز وجل. أما إذا كانت مثلا المرأة تصبغ شعرها لأجل ما يكون فيها من بياض، فهذا ما في شيء، هذا ما في شيء، وقد أجازه النبي عليه الصلاة والسلام، وكان الصحابة يفعلونه، أو الصحابيات. المهم أن هذا جائز، لكن لا يكون بالسواد، إذا كان خاصة لإخفاء البياض. وأما إن كان شعر المرأة أسودا، فهل يجوز لها أن تحقن بالسواد؟ فأجاز بعض أهل العلم أنه لا بأس به، هناك فتوى للشيخ ابن باز، وكذلك قاله الشيخ ابن عثيمين، لكن الشيخ ابن عثيمين يقول: إذا كان شعرها أسود فهو أحوط، فهو أحوط. وأما الشيخ ابن باز فقد صرح بالجواز، فقال: لا بأس. وأما إن كان لأجل تغيير البياض، فهذا لا يجوز بالصبغة السوداء، وإنما يصبغ بغير السواد. وفي هذا الحديث أيضا، حديث أبي مالك، أو حديث أبي مالك الأشجعي، أقصد حديث طارق بن أشيم، سعد بن طارق هو أبو مالك الأشجعي، وأبوه طارق بن أشيم، قال: «كان خضابنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الورس والزعفران». أيضا استخدموا الورس والزعفران. وهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذه المسألة، مسألة الصبغ. وأما صبغ الأعضاء، اليدين والرجلين، فلا بأس، حتى ولو كان بالسواد، أنه لا بأس أن تصبغ المرأة، سواء كان بسواد أو بصفرة أو بحمرة، ما لم يكن كما قلنا أيضا تشبها في أعداء الله عز وجل. كذلك أيضا ما تفعل المرأة من التشقير في جسدها، فغالبا يفعلون هذا من باب التشبه، وهذا لا يجوز إذا كان تشبها. وإن كان لأجل الزينة فقط، فالأولى أن لا تفعله في وجهها، لأن بعض أهل العلم يرى أن هذا مثل النمص، مثل أخذ الشعر، شعر الوجه والحاجبين. ولهذا الأولى للمرأة تجنب هذا، بل لا دليل تدل على أو أن الأقرب إلى تحريمه تحريم هذا النتف، أو أقصد الصبغ أو التشقير، ما يسمونه تشقيرا للوجه والحاجبين، فإن هذا غالبا من تغيير خلق الله، وكذلك أيضا يدخل في النمص، بل هو أشد من النمص، هو أشد من النمص. فلهذا الأفضل للنساء والأولى والأحرى لدينهن أن يبتعدن عن مثل هذه الأمور، وغالب هذه الأمور تشبها بأعداء الله جل وعلا. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.