الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 527، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث هذا الفصل عن الإمام النسائي ومكانته في علم الحديث، ويذكر ثناء العلماء عليه ومؤلفاته الهامة. كما يشير إلى أحوال السلف الصالح وتوادهم وتراحمهم.
يناقش هذا الفصل حكم السلام على المصلي والإشارة باليد في الصلاة، ويستند إلى أحاديث نبوية تثبت جواز السلام في هذه المواضع وترد على من يرى كراهته.
يتناول هذا الفصل حكم الكلام أثناء الصلاة، ويبين أنه لا يجوز الكلام بما في ذلك رد السلام أو تشميت العاطس، ويبطل الصلاة عند أكثر أهل العلم، بينما يجوز التحميد.
يشرح هذا الفصل أنه يكفي السلام مرة واحدة عند الدخول إلى المسجد أو حلقة القرآن، ولا ينبغي رفع الصوت بالسلام، مشيرًا إلى أن السلام فرض كفاية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام النسائي: ما اسم النسائي؟ وخلف النسائي زهير بن حرب، هذا أبو عبد الرحمن النسائي، اسمه أحمد بن شعيب بن علي بن يزيد النسائي، كان الإمام الدارقطني يقول: النسائي أعلم من مسلم في علم الحديث، كان مشهورا حتى أن الإسماعيلي كان يود أن يطلب العلم عند النسائي، لكن منعته أمّه فبكى، فالإمام النسائي إمام كبير في العلم، وله مؤلفات عظيمة، وأيضا هو من العلماء الجهابذة الذين تبحروا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوغلوا فيه، ولهذا تكون مرتبة النسائي في أهل السنن أو في الأمهات بعد البخاري في معرفة الحديث، حتى بعضهم يفضله على شيخه أبي داود، وهو أصغر أصحاب الأمهات الست، أصغرهم النسائي. قال: أخبرنا محمد بن منصور المكي، قال: حدثنا سفيان وهو ابن عيينة، أبو محمد الهلالي، عن زيد بن أسلم، زيد بن أسلم المدني، أسلم مولى عمر بن الخطاب، وكان زيد فقيها من فقهاء أهل المدينة، قال أبو حازم: كنا نجتمع إلى زيد قرابة أربعين فقيها، فكان أحدنا لا يرى أن ماله أو أن له مالا لغير صاحبه أن يتوادوا بالمال، يتوادون بالمال ويفضل بعضهم على بعض، فهذا شدة الأخوة. ذكر عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال: افتقدنا الطعام ثلاثة أيام، ما عندنا طعام، فقالت أمي لأبي -ابن زيد- قالت: ما عندنا طعام، فقام يصلي، كانوا إذا فزعوا فزعوا إلى الصلاة، فقام يصلي ثم سلم ودعا، فقالت أمي: يا عبد الرحمن، أخرج إلى هذا الدعاء الذي دعا به أبوك، أخرج، قال: فخرجت فلقيت رجلا صديقا لأبي، تمارا، فإذا هو يناديني: يا عبد الرحمن، تعال، قال: عندي تمر أريد أن أوزعه أنا وإياك، قال: فقلت: نعم، قال: فوزعنا هذا التمر على المساكين والفقراء في المدينة، فلما رجعت، قال: هذا نصيبك، ثم قال: أعطاني كيسا، وقال: هذا الكيس ثلاثون دينارا أعطيه لأبيك، قال: فذهبت بالتمر وذهبت لأبي بهذا الكيس، قال: فلما أعطيته لأبي، قال: أخرج عشرة دنانير وأعطها لأبي حازم، وأخرج أيضا عشرة دنانير وأعطها لمحمد بن مكدر، قال: فأخرجت عشرة لأبي حازم سالم بن دينار، وعشرة لمحمد بن مكدر، قال: فلما أعطيت لأبي حازم فأردت أن أعطيه، قال: هذه لأبيك، معنى أن كل واحد أعطاه منهم ثلاثين، معنى أن أعطى لكل واحد ثلاثين دينارا، وكل واحد منهم أخرج عشرة للآخر، فردها بعد ذلك عبد الرحمن، المال لأنه قد وجد لكل واحد منهم من هذا المال، وهذا شدة الأخوة وأيضا التواصل فيما بينهم، رحمة الله عليه. قال: عن زيد بن أسلم، قال: قال ابن عمر: ﴿دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْجِدَ قُبَاءٍ لِيُصَلِّيَ فِيهِ﴾، مسجد قبا معروف، وهو مسجد بني عمرو بن عوف من الأنصار رضي الله عنه، هو أول ما نزل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة نزل إلى مسجد قبا، وكان الصحابة فيه، الصحابة الذين هاجروا كانوا يجتمعون في مسجد قبا ويصلون الجمعة في مسجد بني سالم، وبنو سالم وبنو عمرو أبناء عمرو، وأيضا معنى ديارهم قريبة بعضها من بعض، الآن الذي يعرف مسجد الجمعة ومسجد قبا يراها متقاربتين، معنى قريب، مسجد الجمعة قريب إلى مسجد قبا، الذي يكون في مسجد الجمعة يرى مسجد قبا أمامه. قال ابن عمر: «وَمَسْجِدُ الْجُمُعَةِ هَذَا لَيْسَ الَّذِي صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، مسجد صغير، وإنما هذا مسجد الجمعة هو الذي صلوا فيه أول جمعة في المدينة التي صلى بهم أسعد بن زرارة كما في حديث كعب بن مالك، قال: «دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْجِدَ قُبَاءٍ لِيُصَلِّيَ فِيهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رِجَالٌ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ»، قال: فسألت صهيبا وكان معه: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع إذا سلم عليه أي وهو في الصلاة؟ قال: «كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ»، قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال صحيح، إلا محمد بن منصور المكي، وقد وافقه النسائي، ومسلم، هذا ابن القاسم وهو له معرفة بالرجال، قال: وافقه النسائي، مسلمة بن القاسم كما في تهذيب التهذيب. قال: والحديث أخرجه النسائي، قال: حدثنا علي بن محمد التنافس، وعلي بن محمد التنافس هو حافظ من حفاظ الكوفة، وبيت التنافس بيت علم، فمحمد ويعلى وعمر أبناء عبيد التنافس، وأيضا يعلى محمد بن عبيد التنافس، وكذلك إخوته يعلى وعمر، وكلهم يروي عنهم الإمام أحمد رحمه الله، وعلي هذا ابن محمد بن عبيد التنافس، قال: حدثنا سفيان بن عيينة به، قال: لو خرج ابن بشيبة فقال: حدثنا سفيان بن عيينة به. هذا الحديث فيه عدة مسائل قد ذكرناها، مسألة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في قبا وفضله، وهنا مسألة في الحديث وهي مسألة الإشارة باليد في الصلاة إذا سلم المسلم، أولا فيه أنه من السنة أنه يسلم على من يصلي، لأنه يذكر بعض الفقهاء أنه يكره السلام في عدة مواضع، ومنها الصلاة، وعند قراءة القرآن، وعند إذا كان الشخص في الخلاء، وهذا كله غير صحيح، معنا يقولون: يكره السلام على من يصلي، ومن يقرأ القرآن، ومن يأكل، ومن كذلك يتخلى يقضي حاجته، وكل هذا لا دليل عليه، بل السنة جاءت بالسلام في هذه المواضع. فمثلا عند قضاء الحاجة، فيه حديث الصحيحين، حديث «الجهيم بن الحارث بن الصمة»، لما مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من بوله، جاء إلى الجدار وتيمم، ثم قال: «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته»، قال: «كرهت أن أذكر الله على غير طهارة»، فلم ينكر عليه السلام، بل رد عليه السلام، لكن الرد كان بعد القضاء، بعد أن قضى حاجته. فلو قال مثلا: إنه يستحب عند قضاء الحاجة أنه لا يرد السلام، ممكن هذا يدل عليه هذا الحديث، أما أنه لا يسلم على من يقضي حاجته، فهذا لا دليل عليه، بل النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على هذا الرجل الذي سلم، وكذلك أيضا في الصلاة، فقد ثبت في الصلاة عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يشير بيده عليه الصلاة والسلام، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم كما ذكر ابن مسعود رضي الله عنه: لما جاء من الحبشة، قال: «دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، فلم يرد علي السلام»، فوجدت في نفسي أن لماذا لم يرد علي النبي صلى الله عليه وسلم السلام، لأنه كانوا معتادين أن النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليه، قال: «فلما قضى صلاته»، قال: «قال لي: إن في الصلاة لشغلا»، لما قال له: ما ردت يا رسول الله؟ قال: «إن في الصلاة لشغلا». وجاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود: «إن الله يحدث في أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث في أمركم في الصلاة أن لا تتكلموا في الصلاة»، وقد كان الرجل يكلم صاحبه في الصلاة، ثم نهوا عن ذلك وهم بمكة، فهذا الحديث في مكة، وكذلك أكد هذا الخبر في المدينة، معناه كأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره لبعض الناس، فكان الرجل يكلم كما قال زيد بن أرقم: «كان الرجل يكلم صاحبه حتى نزل قول الله جل وعلا: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾»، قال: «فأمرنا بالسكوت»، وجاء في رواية مسلم: «ونهينا عن الكلام»، فلهذا فالكلام لا يجوز لأن يرد الإنسان السلام بلسانه، أن يقول: وعليكم السلام، هذا ما يجوز في الصلاة، بل يبطل الصلاة إذا رد، لهذا النبي صلى الله عليه وسلم أيضا أنكر أو الصحابة أنكروا على «معايب الحكم» لما رد على العاطس: «شمت العاطس وهو في الصلاة»، فقال له: «يرحمك الله وهو في الصلاة»، قال: «فلما قضينا الصلاة، فرأيت القوم قد ينظرون إلي»، قال: «واتق فقلت لهم: واتق لأميه، ما لكم تنظرون إلي»، قال: «فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما رأيت ما رأيت أعظم منه رحمة»، أو كما قال رضي الله عنه، أو «ما رأيت معلما أرحم منه وألطف»، قال: «فما كهرني ولن تهرني»، وإنما قال لي: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس»، فلهذا حتى رد السلام، تشمية العاطس لا يجوز في الصلاة، بل يبطل الصلاة عند أكثر أهل العلم. لكن التحميد إذا عطس مثلا وحمد الله، ما في شيء، لا بأس، وقد جاء في سنن أبي داود، والحديث أصله في الصحيحين أن رجلا عطس في الصلاة، فقال: «الحمد لله عمدا كثيرا طيبا مباركا فيه»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما انصرف: «رأيت بضعا وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها»، وجاء في الصحيحين بدون العطاس أنه قال: «الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى»، فلهذا فالكلام في الصلاة لا يجوز، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد بالإشارة، يرد بالإشارة. وجاء في حديث جعفر أنه «كان يبسطها»، لأن اختلفوا كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير، فجاء في الإشارة في السلام عندما يسلم، لكن لم تأت كيف يرد، وجاء أن جعفر أنه بسط يده، بسطها، فجعل باطنها إلى الأرض، وظاهرها إلى السماء، أنا هكذا بعضهم يقول هكذا، لكن ظاهر الرواية في حديث جعفر أنه قال: هكذا، فبسطها، فجعل باطن كفه إلى الأرض، أنا إذا سلم على الإنسان وهو في صلاته، أنا يقول هكذا، ما يقول: وعليكم السلام، يشير فقط بيده، هذا يعتبر رد، ولو أشار هكذا ما في شيء، لو أشار مثلا، قال هكذا، حتى ينظر المسلم إلى يده، إن شاء الله ما في شيء، فالمراد هو الإشارة، أنه يشير بيده، فهذه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم على الإنسان. فلهذا فالمصلي لا بأس أن يسلم عليه، حتى ولو كان مثلا إنسان دخل عند أهله وجدهم يصلون، يسلم عليهم، دخل المسجد وما وجد إلا رجل يصلي، يسلم عليه، أو كذلك يقرأ القرآن، الآن بعض تجد مثلا بعضهم في اعتقاد أنه لا يسلم على قارئ القرآن، حتى مثلا بعضهم يأتي إلى الحلقة، حلقة القرآن، ولا يسلم، في اعتقاد أنه مكروه السلام على القراءة، وهذا ليس صحيحا كما قلنا، بل يستحب السلام لكل أحد. أما في المسجد، فيكتفى مثلا بدخوله، لو اكتفى مثلا بدخوله المسجد وسلم، يكفي، وإن جاء إلى مثلا حلقة قرآن وسلم، لا بأس، يعني يسلم بداية دخوله، ويأتي إلى الحلقة مثلا ويسلم، وإن اكتفى بالسلام الذي سلم به بداية دخوله فيكفي ذلك، ولكن لا ينبغي أن يرفع صوته، أن بعضهم يدخل المسجد وكأنه يدخل سوق، فيسلم: السلام عليكم، يسمع أهل المسجد كله، هذا خطأ، يسمع من عنده ومن بجانبه، وهذا يكفي، لأن السلام فرض كفاية، الرد، فإذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فإذا رد عليه أحد المصلين أو أحد الجالسين، هذا يكفي، يكفي في رد السلام، فهذا إن شاء الله ما يذكر في هذه المسألة، الله تعالى أعلم.