الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 640، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي المقطع حديث ابن عباس عن مرور شاة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فسعاها إلى القبلة ليلزق بطنه بها، مبيناً صحة إسناده على شرط البخاري. ويوضح أن المراد بالقبلة هنا السترة أو الجدار لا المحراب المعماري، مظهراً حرص النبي على السترة حتى في الفضاء باستخدام العنزة.
يتناول المقطع وجوب السترة عند جماعة من العلماء وتحديد النبي لقدرها بمؤخرة الرحل، مبيناً أنها تمنع بطلان الصلاة بمرور المرأة والكلب والحمار. كما تذكر فوائدها في دفع الشيطان وحجز المارين، مع ذكر أنواعها وضعف حديث الخط.
يشرح المقطع مفهوم مؤخرة الرحل كسترة ويؤكد حرص النبي على منع المرور بين يديه، مبيناً وجوب منع المار إن أمكن. ويستعرض جواز الحركة في الصلاة لمصلحة كسد الفرجة أو دفع المار مع تفصيل أحكام الزحام والضرورة.
يختتم المتحدث الدرس بالاكتفاء بما طرح وتفويض العلم لله تعالى، وينسب الترجمة إلى نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال شيخنا المحدث النيسابوري رحمه الله: قال الحاكم رحمه الله تعالى، وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن بيع، الحاكم النيسابوري، لقب الحاكم النيسابوري لكثرة علمه، وكان موسوعة من موسوعات العلم، خاصة في الحديث، وله تاريخ نيسابور لم يؤلف مثله في التواريخ، من ناحية تحري المعلومات، كذلك دقة المعلومات التي يأتي بها رحمه الله. قال: حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، وأبو بكر بن إسحاق فقيه كما ذكر، من فقهاء الشافعية، وهو أيضا من أهل الحديث، من تلاميذ إمام الأئمة ابن خزيمة رحمة الله عليه. وأبو بكر بن إسحاق ممن قال في تلك المسألة التي حصل فيها الخلاف بين ابن خزيمة وبعض طلابه، ومنهم أبو بكر بن إسحاق، وهي مسألة اللفظ: قولهم لفظي بالقرآن مخلوق. دخلت عليهم هذه المسألة، وكان ابن خزيمة يقرر أن هذه مسألة مبتدعة، ثم علم أن بعض أصحابه ممن يقول بهذه الكلمة يقول بهذه العقيدة: لفظي بالقرآن مخلوق. ثم علم ممن يقول، فاستدعاهم ونصحهم، فبعد ذلك أصروا على ما هم عليه، فهجرهم وحذر منهم، ويقال إنهم بعد ذلك رجعوا أو رجع بعضهم. قال: أنبأنا علي بن عبد العزيز، وهو البغوي، وهو أيضا إمام حافظ. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، وهو أبو سلمة، ثقة، من قرة البصريين. قال: حدثنا جرير بن حازم، وهو أبو وهب البصري. قال: عن يعلى بن حكيم، والزبير... والزبير بصري، والزبير مكي، والزبير بن الخريت فيه ضعف، لكن هنا متابع ليعلى بن حكيم. قال: عن عكرمة، وهو ابن عكرمة، أبو عبد الله، مولى ابن عباس، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي، فمرت شاة بين يديه، فسعاها إلى القبلة حتى ألزق بطنه بالقبلة. قال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. أن الإسناد البخاري خاصة يعلى بن حكيم، أما الزبير بن الخريت فلم يروِ له البخاري، وأيضا عكرمة روى له البخاري ولم يروِ له مسلم. قال: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي، فمرت شاة بين يديه، فسعاها: معنى أسرع، حتى لا تمر بين يديه، إلى القبلة، حتى ألزق بطنه بالقبلة. وهذا الحديث فيه عدة مسائل: منها أولا: حرص النبي عليه الصلاة والسلام على الصلاة عند سترة، فإن الجدار أو القبلة كما ذكر هنا القبلة: بمعنى الجدار الذي يصلي إليه، أو المكان الذي اعتاد الصلاة فيه عليه الصلاة والسلام، سمى قبلة. وليس معنى مكان المحراب كما يسميه بعضهم، وهو الطاق، هذا الذي يفعل في بعض المساجد يسمونه قبلة، ليس هذا، ولم يكن في عهد النبي عليه الصلاة والسلام مثل هذه المحاريب، بل أنكرها كثير من السلف، كما جاء عن ابن مسعود، وجاء عن إبراهيم النخعي وغيره. لكن كانت بعض الأماكن التي كان يصلي فيها، والظاهر أنه في بيته، ففي بيته المكان الذي يلزمه يسمى محرابا، وقد يسمى أيضا قبلة. وأيضا قد يقصد بالقبلة: أي اتجاه القبلة، السترة التي يصلي إليها سمى قبلة، لهذا قال: ألصق بطنه بالقبلة. وجاءت رواية ذكرها الشيخ الألباني: حتى ألصق بطنه بالجدار، أنه كان قبلته الجدار، فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على صلاته إلى القبلة. فإذا لم يكن هناك جدار وكان فضاء، فكان يحمل معه عنزة، والعنزة: عود في حديدة مذببة في طرف، فيغرز هذه العنزة ويصلي إليها، كما فعل في بطحاء مكة، بطحاء مكة... أقصد في منى، فصلى إلى العنزة، وكان الناس... قال ابن عباس: فمررت بين الصف، وتركت الأتان ترتع. الأتان: أنثى الحمار. وهذه السترة ذهب جماعة من العلماء إلى وجوبها، نسب ذلك إلى عمر رضي الله عنه، لأن عمر وجد رجلا كما في البخاري، وجد رجلا يصلي بين ساريتين، فأخذه حتى أقامه إلى سارية، أخذه حتى أقامه إلى السارية، حتى يصلي إلى السارية. وأيضا جاء عن عبد الله بن عمر، وجاء عن إسحاق بن راهويه، وجماعة من أهل العلم: وجوب السترة، أن الإنسان إذا صلى يأخذ سترة أمامه. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا صلى أحدكم فليجعل بين يديه مثل مؤخرة الرحل». فإذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرحل فلا يضره ما مر بين يديه، فلا يضره ما مر بين يديه. فلو اتخذ هذه السترة، فإن الذي... ولو مر بين يديه لا يضر، لا يضر صلاته، سواء كان مما يبطل الصلاة كالم المرأة والكلب والحمار، أو غيرهما، فإنه لا يبطل صلاة، وإنما يبطل صلاة من ليس بين يديه سترة، يبطل صلاة من ليس بين يديه سترة. وهذا ظاهر حديث أبي ذر: «يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل، يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل: المرأة والكلب والحمار، أو قال: الكلب الأسود». فإذا كان بين يديه سترة فلا يقطع صلاته، ولو مر بين... لكن ينبغي على المصلي أن لا يجعل شيئا يمر بين يديه، سواء كان أمامه سترة أو لم تكن أمامه سترة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا صلى أحدكم فلا يجعل أحدا يمر بين يديه. فإن أراد أن يمر فليدفعه»، كما جاء في حديث أبي سعيد: «فإن أراد أن يمر فليدفعه شديدا»، ثم قال في رواية: «فليقاتله، فإنما هو شيطان، فإنما هو شيطان». فلهذا فالسترة واجبة، وهذه السترة يستفاد منها فائدتان: في حفظ صلاة المرء، في حفظ صلاته من الشيطان، كما جاء في حديث ابن عباس: لألا يقطع الشيطان عليه الصلاة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا صلى أحدكم فليصلي إلى سترة وليدن منها، لألا يقطع عليه شيطان صلاته». فيقترب منها حتى لا يقطع الشيطان عليه الصلاة. وأيضا الفائدة الأخرى: أنه لا يجعل أحد يمر بين يديه، إذا رأى سترة فإنه ما سيمر غالبا، حتى لا يقطع بينه وبين سترة أو القبلة، فإن الله عز وجل يواجه العبد في جهة العبد، كما جاء في الحديث، فلهذا فلا يجعل أحدا يمر بين يديه. وفي حديث أبي هريرة: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين». وجاء في حديث أبي هريرة أيضا، فلهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على أن يصلي إلى سترة، إلى سارية، إلى إنسان يصلي خلفه. فما جاء عن عبد الله بن أحمد أنه قال: قال لي أبي: «ولني ظهرك وصل إليه». وكان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي وعائشة معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة، فلا بأس أن يجعل إنسان يصلي إليه، يجعله سترة، سترة، أو يصلي إلى سارية، أو إلى شيء. وأقل السترة كما جاء في الحديث: مثل مؤخرة الرحل. وأما حديث الخط فقد اختلف العلماء فيه، وأكثرهم على أنه ضعيف، لأنه فيه رجل مجهول، واختلف أيضا في اسمه، فجعل ذلك ابن الصلاح من الأطربة، بمعنى: المُطربة في اسمه. وحديث الخط: عن من كان... أو قال: من صلى ولم يجعل، أو لم يكن بين يديه سترة، فليخط خطا. وهذا الحديث كما قلنا لا يصح، ولهذا الأولى أنه يأخذ سترة مرتفعة قدرا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: مثل مؤخرة الرحل. مؤخرة الرحل: العود الذي يوضع في الكرسي، الذي يوضع في الرحل، ويستند عليه الراكب، فيسمى مؤخرة الرحل. وهذا غالبا كما قال العلماء: إما أنه ذراع، أو أقل قليلا، أقل من الذراع. فمثل هذا يكون بين يديه حتى يحفظ صلاته. كما قلنا أيضا في هذا الحديث: حرص النبي عليه الصلاة والسلام على أن لا يمر شيء بين يديه، حتى هذه الشاة، حتى هذه الشاة لم يجعلها النبي صلى الله عليه وسلم تمر بين يديه. ولهذا ما جاء معناه في الحديث الذي ذكرناه قبل: أن جاريتين من جوار بني هاشم جاءتا والنبي عليه الصلاة والسلام يصلي، حتى جاءتا إلى ركبتي النبي عليه الصلاة والسلام، أو بين ركبتيه، ثم فرق بينهما، يعني كان ظاهر أنهما تتضاربان بينهما، يعني بنات صغار جاءتا تتضاربان، حتى جاءتا إلى قبلة النبي عليه الصلاة والسلام، بين ركبتيه، ففرق بينهما النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يدل على أنه لم يمر ما كان هناك مرور بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم منهما، وإنما أخذ هذه إلى اليمين، وأخذ هذه إلى اليسار، ففرق بينهما. فلهذا فلا يجعل مسلم أحدا يمر بين يديه، وليحرص على عدم المرور، ولو كان صغيرا، بل ولو كان حيوانا، كما في هذا الحديث، فلم يجعله النبي صلى الله عليه وسلم... إن انتبه له فإنه يسعى حتى يأتي إلى القبلة، إلى مكان القبلة، وإن كان مثلا لم ينتبه له فمر، فليس عليه شيء، فليس عليه شيء، وإنما عليه إثم مر وهو يراه وتركه يمر، فهذا خطأ، لا يجعل شيء يمر بين يديه وهو يصلي. وهذا ما أفاده هذا الحديث، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لم يجعل هذه الشاة تمر بين يديه، مع أنها شاة بهيمة، فسعاها إلى القبلة حتى ألزق بطنه بالقبلة. وأيضا من فوائد هذا الحديث: فيه جواز الحركة لمصلحة الصلاة، فيه جواز الحركة لمصلحة الصلاة. قد تقدم معنا أن الحركة قد تكون واجبة، مثل دفع المار بين يديه المصلحة، وقد تكون مستحبة، مثل هذه، أو تستحب أيضا لسد الفرجات. النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أعظم خطوة يخطوها العبد يسد فرجة في صلاته، يسد فرجة في صلاته». فهذه أيضا من المستحبات، بل أحيانا قد تكون من الواجبات، لأن الصف لابد أن يتصل بعضه ببعض، وهذه الفرجة هي مقدار شخص، الفرجة تكون مقدار شخص، والخلل يكون أقل من هذا، ولهذا جاء في الحديث: «سدوا الخلل، ولا تدعوا فرجات للشيطان». فلهذا كما قلنا أنه يستحب، أو هذه الحركة لا بد منها، فلا يجعل أحد يمر بين يديه، إن استطاع أنه يمشي حتى لا يمر هذا الشيء بين يديه مشى، وإن استطاع أن يحجزه عن المرور فإنه يحجزه بدون أن يمشي. أيضا فيه معنى أن الرجل قد يصلي عند القبلة لأمر يحصل، معنى أن يصلي عند الجدار، مثل ما يفعل بعض الإخوة في الحرب، حتى لا يمر بين يديه. وإن كان أكثر العلماء يقولون: في الحرب لا بأس أن يترك الناس لشدة الزحام، فتكون ضرورة، إذا كانت هناك شدة زحام تكون ضرورة، أما إذا لم تكن هناك شدة زحام فليست هناك ضرورة حتى يمر الشخص بين يديه. فلهذا بعضهم تجد أنه حال القيام يأتي ويلصق بظهر رجل، بمعنى يكون قريبا منه، حتى لا يمر بين يديه أحد، فإذا جاء الركوع والسجود تأخر قليلا وركع وسجد. وهذا أيضا مثل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد... لما صلى في المنبر، فإنه وقت الركوع والسجود يتأخر حتى يركع ويسجد. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر