الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 691، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض الشيخ مقبل بن هادي الوادعي حديث ابن عباس في النهي عن الثوب المصمت من الحرير مع بيان طرق روايته واختلاف ألفاظه وضعف زيادة خصيف، كما يذكر حديث عمر في استثناء القدر اليسير. ويوضح المقطع أن المراد بالثوب المصمت هو ما كان معظمه أو كله من الحرير الطبيعي فقط.
يحرم لبس الحرير الطبيعي على الرجال إلا في يسير متفرق كالتطريز بقدر أصابع معدودة، بينما يحل للنساء خالصًا دون كراهة. ويستدل ابن القيم على حقارة الدنيا بأن زينتها من أوسخ الأشياء كالحرير والعسل والمسك.
يفرق المقطع بين الحرير الطبيعي المحرم على الرجال والحرير الصناعي الذي أجازه المعاصرون لعدم كونه حريرًا حقيقيًا، مع التنبيه إلى كراهة أو تحريم ثوب الشهرة. كما يذكر رخصة لبس الحرير الخالص للرجال عند وجود حكة جسدية مستدلًا بإذن النبي صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن بن عوف.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن بكر، وهو البرساني البصري، وهو من أحفظ الناس لحديث ابن جريج. قال: حدثنا ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي. قال: أخبرني عكرمة بن خالد، وعكرمة بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي القرشي، كان ثقة. قال: عن سعيد بن جبير، وهو إمام من أئمة المسلمين، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت حريرًا. قال: هذا حديث حسن، رجاله رجال الصحيح. والحديث أخرجه الإمام أبو داود من طريق ابن جريج عن خصيف بن عبد الرحمن عن ابن عباس. والظاهر أن ابن جريج يرويه من طريقين: من طريق عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، ومن طريق خصيف بن عبد الرحمن الجزري عن ابن عباس. لكن خصيف فيه ضعف، ولهذا في الحديث زيادة في طريق خصيف قال: «إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت حريرًا، وأما ما مد من علم فلا»، أو كما قال. هذه الزيادة ليست صحيحة. فالحديث فيه النهي عن الثوب المصمت حريرًا، والمصمت معناه: أكثره، أو أغلبه، أو كله. إذا كان هذا الثوب من الحرير كله، أو أغلبه، أو شيء كثير منه، فإنه لا يجوز أن يلبس. وتلك السيرة التي هي من الحرير، لما قال عمر: «اشترِ هذا يا رسول الله لأجل الوفود والعياد»، قال عليه الصلاة والسلام: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة». وأيضًا جاء في حديث عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن لبس الحرير إلا ما كان، أو إلا شبرين، أو ثلاثة، أو أصبعين، أو ثلاثة، أو أربع. جاء في الصحيح: «أو أربع». وقال أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عمر: «من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة». وقال في حديث علي في السنن: أن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ قطعة من ذهب وقطعة من حرير، فقال: «هذان حرامان على ذكور أمتي، حل لإناثها». «حرامان على ذكور أمتي، حل لإناثها». فهذه الأحاديث تدل على أن الحرير محرم لبسه، محرم إلا ما كان شيئًا يسيرًا: خطوطًا وأعلامًا، أن يكون فيه شيء من الزركشة أو التطريز أو غير ذلك. إذا كان مجموعًا فصار مثل هذا شبرين، أو ثلاثة، أو أربع، معنى: إذا جمعتم صار أربعة أصابع، هذا جائز. ما كان أكثر من هذا فإنه لا يجوز. إذا كان أكثر من هذا ليس تحريرًا وإنما تقديرًا. فإذا كان هذا الحرير كثيرًا، فإنه لا يجوز لبس هذا الثوب. خاصة إذا كانت البقعة عند كثير من أهل العلم: إذا كانت هذه البقعة التي فيها حرير متواصلة، في مكان واحد، فإنهم -كما ذكر النووي وغيره- أنه لا يجوز، وهو قول الجمهور. إذا كان هذا الحرير في موضع واحد مجمع، ولو كان شيئًا يسيرًا، لا يجوز. لكن إذا كان متفرقًا، وإذا جمع، معنى: إذا قُدّر هذا الحرير بأربعة أصابع، أو ثلاثة، أو اثنين، فهذا جائز. فلذلك فحرير لباسه للذكور لا يجوز، أما الإناث فيجوز، ولو كان خالصًا. وأيضًا مسألة أخرى: أن هذا الحرير المقصود به الحرير الطبيعي الذي هو من دودة القز. هذه الدودة هي دودة جعل الله عز وجل ما يخرج منها مباركًا، وكما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: أن الله عز وجل أراد أن يبين للناس أن هذه الدنيا لا تساوي شيئًا، وهذه الدنيا جميلها فيه كدر، وجميلها أيضًا من أوسخ الأشياء. انظر إلى أعظم أشياء في الدنيا: في اللباس الحرير، وفي الطعام العسل، وأيضًا كذلك في العطر والطيب المسك. وكل هذه خراء لبعض الأشياء، سواء كان العسل أو المسك. أن أفضل الطيب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المسك»، وهو يخرج من هذه الظبية أو الغزال، يخرج منها... بمعنى: تكون فيها شيء وصل دم، أو قطعة دم محجوزة، فإذا ركضت خرجت هذه القطعة، قطعة دم، ثم تصير بعد ذلك من أطيب الطيب وهو المسك. وأيضًا كذلك العسل يخرج من النحل، وكذلك الحرير يخرج من هذه الدودة، دودة القز، يخرج منها حبال، هذه الحبال يصنع بها الحرير. فلذلك فالحرير المقصود هو الحرير الطبيعي. وأما الحرير الصناعي فليس محرما على ما قاله كثير من أهل العلم المعاصرين، لأن الحرير الصناعي ليس حريرًا طبيعيًا، بل قد يكون ليس فيه شيء من الحرير الطبيعي، فلذلك فهو ليس مقصودًا بالتحريم، ليس مقصودًا بالتحريم إلا عند بعض أهل العلم: إذا كان هذا الثوب صار ثوب شهرة، إذا صار هذا الثوب ثوب شهرة، معناه: أنه ثوب جميل جدًا ينظر الناس إليه ويلفت أنظار الناس، فأصبح ثوب شهرة. فمثل هذا من باب أنه ثوب شهرة لا يجوز، وإن كان الحديث لا يصح. الحديث في ثوب الشهرة لا يصح: «من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله يوم القيامة لباس مذلة». الحديث من حديث ابن عمر، لكن فيه ضعف، أي في إسناده. لكن كما قلنا: كثير من العلماء يقولون به، أن ثوب الشهرة لا يجوز، لا يجوز لبسه، وبعضهم يقول بالكراهة. وأيضًا كذلك مسألة أخرى في الحرير: ذهب جماعة من الصحابة إلى جواز لبس الحرير لأجل الحكة، جواز لبس الحرير ولو كان خالصًا لأجل حكة الجسد. وقد أذن النبي عليه الصلاة والسلام للزبير بن العوام، أو لعبد الرحمن بن عوف. وقد جاء أن عبد الرحمن بن عوف والزبير كانا يلبسان الحرير للحكة. واشتهر هذا القول عند جماعة من العلماء، قالوا به بأنه يجوز لأجل حكة الجسد، لأن الحرير ناعم، فيحتاج المرء الذي فيه حكة إلى ثوب بارد، ثوب ملمس حرير. فأجاز النبي عليه الصلاة والسلام لذلك. وكان أيضًا عبد الله بن الزبير يلبس ذلك للحكة. وجاء عن بعض السلف أنهم أجازوا لبس الحرير للرجال، لكن هذا القول شاذ ومخالف لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان مخالفًا لحديث النبي عليه الصلاة والسلام فهو مردود. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث. فالمراد بالحديث: الثوب المصمت، أي: ما كان أكثره حريرًا أو كله حرير. والمراد بالحرير: هو الحرير الطبيعي. هذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.