الصحيح المسند من أسباب النزول  49

الصحيح المسند من أسباب النزول 49

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 49، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سبب نزول آيات التوبة وسياق غزوة تبوك

يشرح المقطع حديث كعب بن مالك رضي الله عنه عن تخلفه عن غزوة تبوك دون عذر، مبيناً قوة بدنه ويسار ماله، وسياسة النبي صلى الله عليه وسلم في كتمان الوجهة عادة وإظهاره لها في تبوك لبعد الشقة وشدة الحر وكثرة العدو، مما استدعى استنفاراً عاماً لم يُحصر فيه nombres.

تخلف كعب بن مالك وعزمه على الصدق

تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك بسبب التسويف رغم قدرته على الخروج، فندم وحزن حين رأى المتخلفين من المنافقين، وسأله النبي عنه في تبوك، واغتابه رجل من بني سلمة، فدافع عنه معاذ بن جبل، وعزم كعب على الصدق والاعتراف بتقصيره دون كذب.

محاسبة النبي لكعب وقبول صدقه

يروي المقطع قصة كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلف عن غزوة تبوك بغير عذر، وقرر الصدق عند محاسبة النبي صلى الله عليه وسلم له، فامتنع عن الكذب رغم ضغط قومه، فقبل النبي صدقه وقال: "قم حتى يقضي الله فيك"، ونزلت توبته في القرآن الكريم.

هجر كعب وصاحبيه وامتحان ملك غسان

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجر كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية خمسين ليلة لتخلفهم عن غزوة تبوك، فاستمر كعب في الصلاة والأسواق معزولاً، ولم يرد عليه ابن عمه أبو قتادة السلام، ثم جاءه كتاب من ملك غسان يدعوه للارتداد فاحترقه كعب ثباتاً على دينه.

بشارة توبة كعب بن مالك بعد انقضاء الهجر

أمر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وصاحبيه باعتزال نسائهم في أواخر فترة الهجر، فاستجاب كعب فوراً ورفض طلب إذن لبقاء زوجته خوفاً من الفتنة، وبعد إتمام خمسين ليلة، بُشِّر كعب بتوبة الله عليه من على جبل سلع، فخر ساجداً، وأعلن النبي صلى الله عليه وسلم توبتهم ففرح الصحابة وبادروا لتهنئتهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب قوله تعالى: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾. قال: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عميه، يعني: عبد الله بن كعب بن مالك، وكان يقود أباه حين عميه كعب بن مالك، قال: سمعته، كعب بن مالك، يعني أباه، يحدث حين تخلف عن قصة تبوك. وتبوك هي الغزوة التي سيأتي بيانها، ويأتي تفاصيل أحداثها في هذا الحديث. قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك. غير أني تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، لأن بدرا ما كان الخروج إليها عن موعد وعن نية قتال للمشركين، وإنما قضى الله أمرا كان مفعولا. وإلا فكان خروج النبي عليه الصلاة والسلام إلى بدر من أجل اعتراض قافلة قريش، من أجل اعتراض قافلة قريش، فقضى الله أمرا كان مفعولا، فوقعت تلك الغزوة. فلذلك لم يلزم النبي عليه الصلاة والسلام أحدا بالخروج في الخروج، وإنما خرج معه بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فكعب بن مالك ممن لم يخرج كذلك في بدر، وما كان هناك معاتبة كما ذكرنا، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يستنفر المسلمين لقتال، وإنما لاعتراض قافلة، فاكتفى بما خرج معه من الصحابة، أو بمن خرج معه من الصحابة. قال: إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. قال كعب: ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. ومعنى قوله هذا: أنه لم يشهد بدرا، ولكنه شهد العقبة، ويريد بالعقبة: عقبة الرضوان، أو بيعة الرضوان، بيعة الرضوان. قال: حين تواثقنا على الإسلام، يريد بالعقبة يعني: ما كان بين الأنصار وبين النبي عليه الصلاة والسلام. سبق لسان في قولنا: كانت بيعة الرضوان. وإنما ما وقع بين الأنصار وبين النبي عليه الصلاة والسلام في بيعة العقبة، في بيعة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، يعني: تبايعنا على الإسلام مع النبي عليه الصلاة والسلام. وقوله: وما أحب أن لي بها مشهد بدر، يعني: أن هذا المشهد، مشهد العقبة، لا يستهان به، لا يستهان به، فهو مشهد عظيم، فهو مشهد عظيم. وإنما كانت بدر أذكر في الناس، يعني: غزوة مشهورة، غزوة مشهورة، وإلا فالعقبة هي يعني: أوثق وأعظم من تلك الغزوة. هكذا يريد رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ثم قال: كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، يعني: في غزوة تبوك. ما كان عنده مانع أو عذر في التخلف. فبالنسبة للبدن: فكان قوي البدن، وهذا معنى قوله: أني لم أكن قط أقوى، يعني: ما كان ضعيفا أو مريضا، بل كان قويا. ولا أيسر، يعني: ما كان يمنعه قلة المال وتجهيز الراحلة، بل كان عندي من المال ما أستطيع أن أجهز به راحلة الغزو، راحلة الغزو. ويريد أن يقول: أن ما معه عذر، ما عنده عذر في التخلف، لا في جسده، ولا في قدرته المالية. لذلك قال: والله ما اجتمعت عندي قبله، يعني: قبل هذه الغزوة، راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة. يعني: كان في هذه الغزوة عنده من القدرة ما لم تكن عنده من قبل. فلم تكن عنده راحلتان قبل مجيء هذه الغزوة، ما جمع راحلتين إلا في هذه الغزوة. يريد أن يقول: أن كان عنده قدرة مالية على الغزو. قال: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة. غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا، وعدوا كثيرا. فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد. ومعنى هذا: أن من سياسة الحرب والغزو أن الإمام لا يخبر ويشيع الجهة التي يريد أن يغزو إليها، وهذا من سياسة الحرب. لماذا؟ حتى لا يسمع بذلك مندس وعدو، فينشر الخبر ويذيع هذا الخبر، فيصل إلى العدو، فيتجهز العدو ويستعد العدو. فلذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد الغزو لا يصرح ولا يعين الموضع الذي يريد غزوه، وإنما يوري، يعني: يوهم، ولا يصرح، ولا يصرح في حقيقة وجهته، حقيقة وجهته، إلا في هذه الغزوة، غزو تبوك، فإنه صرح عليه الصلاة والسلام، خلاف ما عرف عنه، فصرح بوجهته، وذلك لأسباب. فمن هذه الأسباب: كما ذكر كعب بن مالك، ليتأهبوا أهبة غزوهم، لأن هذه الغزوة كانت في حر شديد، فإذا يحتاج منهم إلى إعداد واستعداد. وكانت هذه الغزوة أيضا في مكان بعيد، سفر بعيد، ومفازا، يعني: طريقا بعيدا، وكذلك العدو كثير. فهو أراد غزو الفرس، وهي أمة عظيمة وكثيرة، فلا شك أن هذه الأسباب تحتاج إلى استعداد، تحتاج إلى استعداد من قبل المجاهدين. فأجل أمر هذه الغزوة حتى يتأهب المسلمون ويستعد المسلمون، فيأخذ معهم الراحلة الطيبة، وكذلك الطعام الكثير، وهكذا اللباس المناسب، ونحو ذلك، ونحو ذلك من الاستعداد. قال: والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، لأن العدو كثير، فلابد أن يستعد المسلمون. فلذلك استنفر النبي عليه الصلاة والسلام المسلمين جميعا، فخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم كثير من الصحابة. قال: والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد: الديوان. ومعنى: لا يجمعهم كتاب حافظ، يعني: ما يسجلون أسماءهم، أن الذي خرج فلان وفلان وفلان وفلان، حتى يعرف من خرج ومن لم يخرج، وهم كثير. فهذا معنى قوله: والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يعني: يحصرهم، وكذلك يعين عددهم. قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله. يعني: يظن البعض أنه إذا لم يخرج، ما سيتفطن له أحد، لكثرة العدد، ولعدم تقييد من حضر، ممن لم يحضر. فكان يظن الذي يتغيب، يعني: لم يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم، كان يظن أنه سيخفى، يعني: سيذهب الرسول ويرجع، وكأنه مع الناس، وهو ليس معهم. يظن البعض هكذا، ما لم ينزل فيه وحي، يعني: إذا لم ينزل فيه وحي، فيبين أمره. قال: وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال. وذكر هذا رضي الله تعالى عنه حتى يبين أنه ما سيخرج مع النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الغزوة إلا المؤمنون الصادقون، الذين لا يريدون الحياة الدنيا وزينتها، وإنما يريدون ما عند الله. ولذلك جاء في آخر هذا الحديث: أن المتخلفين من المنافقين يزيدون على الثمانين، ثمانين من المنافقين تخلفوا عن هذه الغزوة، لأنهم رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وأرادوا هذه الثمار وتلك الظلال، فتخلفوا عن هذه الغزوة. قال كعب: وغزا... قال: وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه. قال: فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع، ولم أقض شيئا. كان كعب بن مالك أراد أن يخرج مع الجيش، وهذه كانت نيته، ولكن التسويف وثقل كذلك النفس، ونحو ذلك. فكما أخبر عن نفسه رضي الله تعالى عنه: أنه يغدو لكي يجهز راحلته، فيقول: غدا، اليوم قد فات، غدا إن شاء الله، ولم يقض شيئا، لم يجهز شيئا. ثم يقول في نفسه... قال: فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، يعني: قادر على الذهاب، معي راحلتان، وعندي قوة، أنا قادر. قال: فلم يزل يتمادى بي، يقول: كل يوم سأجهز، ثم يمضي هذا اليوم، ثم يأتي اليوم الثاني، ويقول: سأجهز، وهكذا يمر اليوم تلو اليوم، ولم يقض شيئا. هذا معنى قوله: فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي، حتى اشتد بالناس الجد، يعني: حتى جد الناس في السير، وانطلقوا. قال: فأصبح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والمسلمون معه، ولم أقض من جهاز شيئا، يعني: لم يجهز شيئا. فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، سأترك الجيش يمضي، وهم يمشون قليلا قليلا، وأنا إن شاء الله بعدهم بيوم أو يومين ألحق بهم، ألحق بهم. فلا يزال يسوف حتى مضى الوقت، وفاته الغزو. فلذلك قال: فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقهم. فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز. فصلوا، يعني: انطلقوا، انطلقوا، وخرجوا من المدينة. قال: فرجعت، ولم أقض شيئا. ثم غدوت، ثم رجعت، ولم أقض شيئا. فلم يزل بي، حتى أسرع وتفاطرت الغزو، يعني: رجع ولم يجهز شيئا، ولم يجهز شيئا، حتى مضى الجيش، وأسرع، وتفاطرت الغزو، يعني: بلغوا المكان البعيد الذي لا يستطيع أن يلحقهم لبعده. قال: وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت. هم بذلك، ولكنه لم يفعل، فبقي مع من بقي في المدينة. قال: فلم يقدر لي ذلك، يعني: الخروج والإدراك. فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفت فيهم، يعني: مشى في المدينة بين الناس، أحزنني، وأحزنني، أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق، يعني: رجلا قد بلغ مبلغا عظيما في النفاق. مغموصا، يعني: ظاهر وواضح النفاق. قال: أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ممن لا يستطيع الخروج. أما الأقوياء والمستطيعون من أمثاله، فلا يجد أحد، ولا يرى منهم أحد. فهذا الشيء أحزنه، أحزنه، ما يرى أحد مثله، شاب قوي، وهو لم يغزو، ولم يخرج، ولم يلبي نداء الله ورسوله. فلذلك كان يجد شيئا من الحزن في نفسه. قال: ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك. فقال، وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب؟ يعني: أين كعب؟ هل وصل؟ هل لحقنا؟ هل جاء؟ ما فعل كعب؟ ذكره رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، عندك كسر اللام: سلمة، أو فتحها: سلمة. سلمة بكسر اللام، سلمة بكسر اللام، ها، ها، نعم، سلمة. قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداؤه، ونظره في عطفيه. ومعنى، ومعنى هذا: أن هذا الرجل قال: يا رسول الله، كعب لم يأت الغزوة، وما حبسه إلا برداؤه. البرداء يطلق على الرداء والإزار، الرداء والإزار، ونظره، ونظره في عطفيه. العطف: الجانب. في رواية: عطفه، يعني: ينظر إلى تبختره ومشيته. يريد: أنه عنده شيء من الكبر والتبختر، التبختر، وأنه مشغول بالدنيا، معجب بنفسه، بالنظر في ثيابه، وفي مشيته، ونحو ذلك. يريد هذا، يريد هذا، هذا الرجل. فقال معاذ بن جبل، وكان حاضرا المجلس: بئس ما قلت. يقول لهذا الرجل، لأن هذه غيبة، وطعن في كعب بن مالك، فعذره، والصحابة، معاذ، رد غيبته، ودافع عنه، وقال: يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرا. ليس الأمر كما ذكر هذا الرجل، أنه حبسه برداؤه، ونظره في عطفيه، لا، ليس الأمر كذلك. ولذلك يذكر العلماء هذا الجزء من هذا الحديث في رد الغيبة، في رد الغيبة، أن المسلم إذا كان في مجلس، وسمع من بعض الناس الطعن، الطعن في إخوانه بالغيبة، فيجب عليه أن ينكر هذا المنكر، وأن يسجر هذا المتكلم المغتاب، يسجره ويمنعه، فإن أبى وأصر واستمر، فارق هذا المجلس، فارق هذا المجلس. فلذلك معاذ بن جبل رد هذه الغيبة التي وقع في هذا الرجل، واغتاب بها كعب بن مالك رضي الله عنه، وقال: بئس ما قلت، هذا كلام سيء تقوله. فالعلماء يذكرون هذا في رد الغيبة عن المسلم. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل شيئا. قال: وقال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلا، حضرني همي. ومعنى: قافلا، يعني: راجعا. لما سمع الآن أن النبي عليه الصلاة والسلام راجع، راجع من الغزو إلى المدينة، حضره همه. قال: حضرني همي، جاء للهم والغم، لأن كعبا ما معه عذر، ماذا سيقول للنبي عليه الصلاة والسلام إذا سأله عن سبب تخلفه؟ ما معه عذر، فلذلك صابه الهم. ثم قال: فطفقت أتذكر الكذب، ماذا أقول؟ أي عذر سأعتذر به؟ ولا شك أنه إذا أتى بأي عذر، سيكون هذا العذر ماذا؟ كذب، لأن ما معه عذر، ما عنده عذر إلا التسويف فقط، وهذا ليس بعذر صحيح ولا شرعي. فلذلك طفق، قال: طفقت أتذكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ ما هو الكلام الذي يقتنع به النبي صلى الله عليه وسلم، ويزيل عنه سخطه عليه؟ قال: واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، استشار أهله: ماذا يفعل، وماذا يقول؟ قال: فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما، يعني: خلاص وصل النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه. خلاص، قرر أنه يصدق، ولا يأتي بشيء فيه كذب أبدا، وهو يعلم أن الكذب لا ينجيه من عذاب الله، ولا من سخط الله سبحانه وتعالى. فلذلك، فلذلك أجمع أن يصدق رسول الله صلى الله عليه، وعليه، وعليه، وعليه. قال: فأجمعت صدقه. قال: وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس. هذه من سنة النبي عليه الصلاة، إذا قدم من سفر، ما يذهب مباشرة إلى بيته وإلى أهله، بل يبدأ بالدخول إلى المسجد، وصلاة ركعتين، يركع ركعتين في المسجد، ثم جلس للناس عليه الصلاة والسلام. قال: فلما فعل ذلك، جاءه المخلفون، جاء الذين تخلفوا، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له. وهؤلاء هم المنافقون، يعتذرون كذبا، ما عندهم أعذار، وإنما تخلفوا حبا للدنيا ونفاقا، وكذلك تثاقلا عن الجهاد. فطفقوا يعتذرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، يعني: ثلاثة وثمانين فأكثر. فقيل: فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على نياتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يحكم بالظاهر، لكن الله عز وجل فضحهم، كما تقدم معنا في الآية التي قبل هذا، بقوله: ﴿يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم﴾، نزلت في هذا، نزلت في هذا، كما مر معنا. وهكذا ينبغي للمسلم أن لا ينقب عما في القلوب، وإنما يحكم بالظاهر من الأفعال والأقوال. قال: ووكل سرائرهم إلى الله. قال: فجئته، فلما سلمت عليه، تبسم تبسم المغضب. جاء كعب بن مالك إلى النبي عليه وسلم، وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فتبسم، لكن تبسم المغضب. التبسم قد يكون عن سرور وفرح، وقد يكون عن تعجب، وقد يكون عن غضب، صح. فالنبي عليه صلى الله عليه وسلم تبسم، تبسم المغضب، وهذا يعرف بحسب الحال، بحسب الحال. ثم قال: اقبل، صلى الله عليك، لكعب: تعالى. قال: فجئت أمشي، حتى جلست بين يديه. جاء كعب، وجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ يعني: ابتعت، بمعنى: اشتريت، لأن البيع يأتي بمعنى الشراء. يعني: قال: لا، أليس قد اشتريت ما تركب عليه، ما تركب عليه، وتغزو به؟ ما هو عذرك في التخلف عن الغزو؟ هكذا سأل النبي عليه الصلاة والسلام كعبا. قال: فقلت، أي: كعب بن مالك: بلى. لأنه قال: ألم تكن، والسؤال بالنفي، إذا أردت إثباته، تجيب ببلى، أما إذا أردت نفيه، تجيب بنعم. الإنسان قال لك: ألست مثلا؟ ألست قد صليت المغرب؟ فتقول: بلى. لأن السؤال هنا بالنفي. لكن لو قلت لإنسان: لو قلت لإنسان مثلا: أصليت المغرب؟ فتقول: نعم. لأن ما في نفي هنا، صح، ما في نفي، تقول: نعم، تثبتنا. لكن إذا كان السؤال في النفي: ألم تصلي المغرب؟ فتقول: بلى. لو قلت: نعم، معناه: ما صليت المغرب، ما، لأنك أثبت النفي، أثبت ماذا؟ النفي. فهنا النبي عليه الصلاة والسلام قال له: ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ يعني: اشتريت ما تركب عليه. فقلت: بلى، يعني: نعم، ابتعت ظهري، يعني: اشتريت. قال: بلى، إني والله يا رسول الله، لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر. يعني: لو أردت أن أكذب، وأن آتي بعذر، أستطيع ذلك، أستطيع أن آتي بعذر كذبا. ثم قال: والله لقد أعطيت جدلا، يعني: لسانا مقنعا، وذكاء كذلك مقنعا. ولكن والله لقد علمت، يعني: أيقنت، العلم هنا بمعنى اليقين، لئن حدثتك اليوم حديث كذب، ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي. قال له: لو كذبت عليك، ها، وترضى عني في الظاهر، لكن أعلم، لكن أعلم، أن الله عز وجل سيسخطك عليه، لأنه أرضى الناس في سخط الله. وقد جاء أثر، وبعضهم يجعله حديثا مرفوعا: من أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس. فلا تظن بكذبك أن الناس يرضون عنك، بل الله يسخط عليك، ويسخط عليك الناس. ولكن من أسخط الناس برضى الله، رضي الله عنه، وأرضى عنه الناس. فهذا معنى قوله: والله لقد علمت، لئن حدثتك اليوم حديث كذب، ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطني عليه، لأن الله مطلع على ما في الصدور، وما تكنه الصدور. ثم قال: ولئن حدثتك حديث صدق، تجد علي فيه، يعني: يكون في نفسك من هذا الحديث الصدق، وهو التخلف بغير عذر، إني لأرجو فيه عفو الله، أرجو أن الله يعفو عني، ويتوب علي. لا والله، ما كان لي من عذر. هذا هو الحق، وهذا هو الصدق، ما عندي من عذر أبدا. ما كان لي من عذر، لا والله، ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني، حين تخلفت عنك. هذا هو الحق، ما عندي عذر، ولا أكذب. هذا هو الصدق. فأنت ستجد في نفسك يا رسول الله من هذا الكلام، لأن ما عندي عذر، ولكن هو ذنب وخطأ، أرجو من الله عز وجل أن يتوب عليه، وأن يغفره لي. هذا معنى كلامه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيه. قال العلماء: هذا فيه مفهوم المخالفة. قوله: أما هذا فقد صدق، هذا المنطوق، مفهوم أن غيره من المنافقين، لما اعتذروا، فقد كذبوا. أما هذا فقد صدق، وأما أولئك الذين جاءوا من قبل، فقد ماذا؟ كذبوا. لكن هنا ليس بالتصريح، وإنما بمفهوم المخالفة. فقال له: قم، حتى يقضي الله فيك. قم، حتى يقضي الله فيك، بوحي، بتوبة، بمغفرة، بعقوبة، المهم: قم. قال: فقمت، وثار رجال من بني سلمة، يعني: من جماعته وأهله وعشيرته. ثاروا، بمعنى: غضبوا عليه. كيف أنت تأتي بالصدق؟ كان لك أن تفعل مثل ما فعل أولئك. قال: وثار رجال من بني سلمة، فأتبعوني، يعني: مشوا خلفي، فقالوا لي: والله ما علمناك قد أذنبت ذنبا قبل هذا، فما أذنبت أي ذنب قبل هذا، ولقد عجزت، ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما اعتذر إليه المخلفون، قد كان كافيك ذنبك، استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكفيك أن تكذب، وتأتي بعذر، والرسول هو يستغفر لهؤلاء، والله لعله يغفر لك بهذا الاستغفار. هكذا يحثونه على ماذا؟ على الكذب، على الكذب. قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني، يعني: يعيرونني بهذا، حتى أردت أن أرجع، فأكذب نفسي، حتى هممت أني أرجع، وأقول: لا يا رسول الله، ما هو الأمر كما قلت لك، ويكذب نفسه. قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ يعني: هل أحد مثلي تخلف، وأتى بالصدق، وما معه عذر؟ قالوا: نعم، رجلان، رجلان تخلفا من غير عذر مثلك. قالوا: نعم، رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، يعني: قوما، حتى يقضي الله فيكما. قال كعب: فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي. فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهدا بدرا، لي فيهما أسوة. فمضيت، حين ذكروهما لي، اقتدى بهذين الرجلين، وواسى نفسه بهما. قال: هذان رجلان صالحان، وأنا واحد من هذين الرجلين، فأصبر، وأبقى على ما قلت للنبي عليه الصلاة والسلام، من الصدق، من الصدق. قال كعب رضي الله تعالى عنه: قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن... ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، يعني: أمر النبي صلى الله عليه الصحابة أن يهجروا هؤلاء الثلاثة، أن يهجروا هؤلاء الثلاثة: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، أن يهجروهم جميعا، لا يكلموهم، ولا يجالسوهم، ولا ينبسط إليهم، ولا شيء. قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، أيها الثلاثة، من بين من تخلف عنه. لأن أولئك، حكم على ظاهرهم: كذبوا، وحكم على ظاهرهم: هؤلاء صدقوا، وأذنبوا ذنبا ظاهرا، فمن باب الزجر، وتأنيب لهم، والتأديب، أمر النبي عليه الصلاة والسلام بهجرهم. قال: فاجتنبنا، فاجتنبنا الناس، يعني: خلاص، اعتزلوهم، اعتزل الناس هؤلاء الثلاثة. فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف. ومعنى: تغيروا لنا، الذي كنا نعرفهم، ما يكلموننا، ولا يبتسموا لنا، ولا ربما يسلموا علينا، كما سيأتي. وقال: يعني: تغير الناس علينا، تغير الناس علينا، وتنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف. كما وصف الله في القرآن: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت﴾، الأرض واسعة رحبة، لكن ضاقت عليهم، بمعنى: تنكرت لهم، فهي ليست الأرض التي يعرفونها، بانبساط الناس إليهم، وجلوس الناس معهم، ونحو ذلك. قال: فلبثنا على ذلك، عندكم ماذا؟ فلبثنا على ذلك، وعندك أحسنت، يعني: خمسين، كلها عدد الهجر. قال: فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. قال: فأما صاحباي، فاستكانا، وقعدا في بيوتهما، يبكيان. استكانا وقعدا، يعني: سكنا في بيوتهما، وقعدا في بيوتهما، ولم يخرجا: مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية. قال: وأما أنا، فكنت أشب القوم، وأجلدهم. كنت شابا، مو مثل هلال ومرارة، فكنت أخرج، فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد. كنت شابا، ما أجلس في بيتي، أخرج إلى المسجد، أصلي مع المسلمين، وأذهب إلى السوق، في الشارع، يريد أحد يكلمه، يريد أحد يجلس معه، ولا أحد، كلهم استجابوا لأمر النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم عليه، وهو في مجلسه، بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي، أم لا؟ يعني: ما أسمعه شيئا، أسلم على رسول الله، ما أسمعه، الله أعلم، هل يرد عليه دون أن يشعر، أو لا يرد عليه؟ ولذلك قال: فلا أدري، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي، أم لا؟ قال: ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر. يصلي قريبا من النبي عليه الصلاة والسلام، فيسارق النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: إذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ما ينظر إليه، نظر رسول الله، هذه هي المسارقة، يسارقه النظر، ينظر إليه، في حال النبي صلى الله عليه وسلم لا ينظر إلى كعب، إنما ينظر إلى شيء آخر. قال: ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي، أقبل إلي، إذا لم ينظر إلى النبي، إنما استمر في صلاته، نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا التفت نحوه، إذا سارق النظر نحو النبي عليه الصلاة والسلام، أعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا، حتى إذا طال علي ذلك، من جفوة الناس، يعني: هجر الناس، وعدم انبساطهم، وجلوس معهم، ونحو ذلك، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، ابن عمي، وأحب الناس إلي، أحب الناس إلي، وابن عمي. تسور جدار بيته، أو حائطه، نعم، جدار بيته، وسلم عليه. قال: فوالله ما رد علي السلام. انظر، يعني: أحب الناس إليه، ما قبله، وما رد عليه السلام، وما كلمه. هذا شديد على النفس. تصور أنت، زميل، صديق حميم، لإخوانك، فجأة يهجرك، ولا يكلمك، هذا شديد على النفس، لك معه مجالس، لك معه ذكريات، وكذلك مواقف مشرفة، فجأة يقطعك، هذا شديد على النفس. فلذلك يقول كعب: فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، استجابة لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام. قال: فقلت، أي: كعب: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ حتى يعني: تتعامل معي كذلك؟ قال: فسكت. قال: فعدت له، فنشدته، يعني: قاله مثل ما قال أولا، أنشدك بالله، لأنه يحب الله ورسوله. قال: فسكت. فعدت له، فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. الله ورسوله أعلم. هذا الجواب فقط، الذي تكلم به أبو قتادة. قال: ففاضت عيناي، يعني: من الدمع، لما يجد من الضيق والهم والغم. قال: وتوليت، يعني: أدبرت، حتى تسورت الجدار. قال: قال: بينما أنا أمشي بسوق المدينة، في حال هجر المسلمين لي، إذا بنبطي من أنباط أهل الشام، يعني: برجل ممن يتاجر من أهل الشام، من الأنباط، ممن قدموا بالطعام، يبيعونه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، يعني: يشيرون له: هذا كعب، بدون أن يتكلموا عنه، إشارة فقط. قال: حتى إذا جاءني، دفع إلي كتابا من ملك غسان، وهو كافر، ملك من ملوك ذاك الزمان، من الكفار، يأتي هذا الكتاب من هذا الملك، إلى كعب بن مالك. قال: فإذا فيه، يعني: فتح كعب هذه الرسالة، كتاب، بمعنى: الرسالة. قال: فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، يعني: هجرك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيع. يعني: يقول له: طالما أنه جفاك وهجرك، فلماذا تجعل نفسك مهانا؟ تجعل نفسك في ضياع؟ فالحق بنا، نواسك، تعال إلينا، نعطيك ما تريد، و... يعني: نمدك بما تحب، بما تحب. قال: فقلت، لما قرأتها، لما قرأ هذه الرسالة، قال: فقلت، لما قرأتها، وهذا أيضا من البلاء، انظر كيف تتابع الفتن على المؤمن، يهجره أصحابه، ثم يأتيه هذا الكتاب، الذي ربما لو أوتي إلى أحد، قد ضعف إيمانه، وسخط على دينه، لاستجاب لهذه الرسالة، ولحق بالكفار، ولكن كعبا من الصحابة الصادقين المؤمنين، الذين يحبون الله ورسوله ودينه. قال: فقلت، لما قرأتها، وهذا أيضا من البلاء، يممت بها التنور، قصدت بها التنور، يعني: ما يوقد فيه النار، فسجرتها، حرقتها، فسجرتها بها. حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، لأن إجمال ليالي الهجر، خمسين ليلة، فلما مضت أربعون، وبقيت عشر من الخمسين، إذا برسول، رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأتيني، أتاه رسول من رسول الله، أرسل رسول الله إلى كعب بن مالك، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها، أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها، ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فتكوني عندهم، حتى يقضي الله في هذا الأمر. انظر إلى الاستجابة، استجابة لأمر الرسول، وهذا أيضا من التأديب، أن يفرق بينه وبين زوجته، ويبقى وحيدا في بيته، أو أن يحرم شهوة فرجه، فلا يقرب زوجته، هذا أيضا من التأديب. فما كان من كعب إلا الاستجابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاستفسر: أيش معناها: اعتزلها؟ لو طلقها، يعني: لو قال: نعم، طلقها، لطلقها. انظروا كيف استجابة، ما عارض، وما ناقش، أيش يريد الرسول؟ فهلا وحيا، بأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: لا، إنما اعتزلها، لا تقربها فقط، لا تجامعها، لا تجامعها. قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ومعنى: ضائع، فالشيخ، ليس له خادم، يعني: لو جلس وحده، دون امرأة، لضاع أمره، من تهيئة طعام، أو شراب، أو رعاية، أو نحو ذلك، فهو يحتاج لمن يخدمه، ومن يقوم بشؤونه، فهل تكره أن أخدمه؟ فقال: لا، ولكن لا يقربك. يعني: لا، بس تجلسين عنده، تخدمينه، ولكن لا يجامعك. معنى: لا يقربك، يعني: لا يجامعك. قالت: إنه والله، ما به حركة إلى شيء، يعني: ما يفكر في هذا الشيء، هو مشغول بما حل به، ولذلك قالت رضي الله عنها: والله ما زال يبكي، منذ كان من أمره ما كان، إلى يومه هذا. فقال: نعم. ومعنى هذا: يعني: أنه لا يفكر في هذا الشيء، لحزنه وبكائه. نعم. قال كعب: فقال بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أمية، أن تخدمه. لأن كعبا قال: اذهبي عند أهلك، وبقي وحده. فقال بعض أقارب كعب: لماذا ما تذهب إلى النبي، وتستأذن، مثل ما استأذنت امرأة هلال، لهلال، أن تبقى معه؟ فماذا قال كعب؟ قال: فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريي ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب، يعني: لست مثل، يعني: هلال، فأنا شاب، وربما أقع في المحظور. قال: فلبث بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة، من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، يعني: أربعون، وعنده أهله، وعشر، تمام الخمسين، وحده دون أهله. قال: فلما صليت صلاة الفجر، صبح خمسين ليلة، معنى: أن الهجر كان خمسين ليلة، فصبح خمسين ليلة، يعني: صباحها، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، يعني: فوق السطح. فبينما أنا جالس، على الحال الذي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، يعني: في ضيق وهم. قال: سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، يعني: أعلى جبل سلع، وجبل سلع هو جبل من جبال المدينة. قال: صاح بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر. قال: فخررت ساجدا، وقد عرفت أنه قد جاء الفرج، لأنه لا يكلمه أحد، فكون هذا الصوت يأتيه، وفيه لفظ البشارة، هذه قرينة ظاهرة، أن الفرج قد جاء من الله، وأذن رسول الله بتوبة الله علينا، يعني: أن الرسول أخبر الصحابة، يظن كعب أن الرسول أخبر الصحابة، أن الله قد تاب على كعب وصاحبه. هذا الذي كان في بال كعب، ما كان يظن أن الله سينزل قرآنا في كتابه، يتلى، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، في شأن توبته وتوبة صاحبه، ما كان يظن هذا، كان يظن أن الله أوحى إلى رسوله، أو أخبر رسوله، أنه قد تاب عنهم، أو نحو ذلك. ولذلك قال: وقد عرفت أنه قد جاء فرج، وأذن رسول الله سلام، أو أذن، عندكم، أذن، آذن، عندك، آذن، أو أذن، يعني: أعلم، ماذا، عندك، آذن. قال: وأذنا، وأذنا، رسول الله، رسول الله، رسول الله، رسول الله، صلى الله، بتوبة الله علينا، حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، يعني: أخبر النبي عليه الصلاة والسلام الناس، بتوبة الله عز وجل، على هؤلاء الثلاثة، ففرح الناس، فرح الصحابة، فذهب يبشرون، وذهب قبل صاحبي، قبل صاحبي، مبشرون، يعني: يبشرونهم. وركض إلي رجل فرسا، يعني: ركض