الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 36، ألقاها
يجب الإيمان بالحوض كأمر غيبي، وقد جاء ذكره في القرآن والسنة النبوية. الكوثر نهر أعطاه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم والحوض مستمد منه.
هناك خلاف حول موقع الحوض بالنسبة للصراط، ويصف حوض النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ملتقى للصالحين بعد الصراط. يؤمن أهل السنة بوجوده ويشرب منه من كان على السنة مستقيماً.
جاءت أحاديث نبوية متواترة تصف الحوض، وذكر الإمام ابن كثير أحاديث كثيرة في هذا الحوض. يتم ذكر أحاديث الحوض الواردة في كتب الحديث الشهيرة مثل الأمهات الست ومسند الإمام أحمد.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى: والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غيبا لأمته حق. وهذه الفقرة ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، بعدما ذكر المعراج والإسراء أو الإسراء والمعراج، ذكر الحوض، وهو أيضا من الأمور الغيبية التي يجب على المسلم أن يؤمن بها، لأنها أخبر بها في الكتاب والسنة. فالحوض جاء معناه في القرآن، وجاءت السنة به متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأما في القرآن، فهو ذكر الله عز وجل الكوثر ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. وهل هذا الكوثر هو الحوض، أو أن الحوض آخر؟ فالظاهر أنه آخر، وأن الكوثر نهر أعطاه الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والحوض منه. وجاء حديث صحيح للشيخ الألباني يدل على هذا المعنى، على أن الحوض إنما هو مستمد من الكوثر، من ذلك النهر. وهذا الحوض جاءت في السنة له صفات عظيمة ذكرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الأحاديث، وقد تواتر عن نبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر الحوض. ومن ذلك ما جاء في الصحاح من تسبيره للأنصار، وقال: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض». وأيضا الأحاديث التي فيها أنه «ناس من أمة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يطردون من الحوض». وهل هذا الحوض هو قبل الصراط أم بعده؟ هل الحوض قبل الصراط أم بعده؟ لأنه في خلاف بين أهل العلم، هل قبله أو بعده؟ فبعضهم يقول: إنه قبله، ثم بعد ذلك من شرب منه لا يظمأ بعدها أبدا. فمن شرب من حوض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه يمر الصراط ولا شك. وأما من قال: بعده، فقالوا: بعدما يخرج الناس من الصراط، وقد أنهكهم التعب، لأن بعضهم قد لا يدخل النار ولا يسقط في النار، لكنه يخدش. ثم جاء بأحاديث السعد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فمنهم مسلم ناج، ومنهم مسلم مخدوش، ومنهم أيضا المكدوس في نار جهنم والعياذ بالله». فمن الناس من يسلم في الصراط فيمر ولا يخدش، ومن الناس من يخدش لكنه ينجو بإذن الله جل وعلا، ينجو من السقوط، ومن الناس من يسقط. فلهذا قال بعض العلماء: إن الناس إذا مروا الصراط تعبوا، احتاجوا إلى ماء، فيأتون إلى الحوض فيشربون. وجاء أيضا كذلك عند الترمذي: «أن لكل نبي حوضا». وأصححه الشيخ الألباني رحمه الله. أما هذا الحوض الذي للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد جاءت فيه الأوصاف: «أنه طوله شهر وعرضه شهر، وزواياه متساوية»، لأنه إذا كان الطول والعرض متساوية سيكون الزوايا متساوية. جاء في بعض الروايات: «أنه من صنعاء إلى إيليا»، أي إلى فلسطين، «من صنعاء إلى إيليا عرض هذا الحوض، وطوله كذلك، فهو كبير». وفي العرض والطول متساوية، وله كيزان كعدد نجوم السماء. وماءه «أبيض من اللبن وأبرد من الثلج»، أبيض من اللبن وماؤه كالبيض. «فمن شرب منه لا يظمأ بعدها أبدا»، بهذا صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذه بعض الصفات التي جاءت في هذا الحوض. فأهل السنة يؤمنون بهذا الحوض كما أخبر بذلك نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن ذلك أيضا: «أنه لا يشرب منه إلا من كان على السنة مستقيماً». من كان على السنة وعلى الاستقامة هو الذي يشرب من هذا الحوض. وأما الذي يغير ويبدل فإنه يطرد من هذا الحوض، كما أخبر بذلك نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أحاديث كثيرة. وأيضا هذا الحوض يلتقي فيه الناس، وأهل الصلاة يبقون في الحوض. وهذا يدل على أنه بعد الصراط، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول للأنصار: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض»، «اصبروا إنكم تلقوني أتروا أو إنكم تلقوني أتروا، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». فدل على أن هذا الحوض - وهو حوض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يلتقي فيه الصالحون، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أيضا كما جاء في صحيح يهود عصاه لأهل اليمن، يقدمهم عليه الصلاة والسلام. فهذا بعض ما جاء في هذا الحوض. وقد ذكر الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله أحاديث كثيرة في الحوض، حتى أنها أفردت في جزء ذكرها في كتابه «النهاية»، الذي هو مأخوذ أيضا من «البداية والنهاية». فذكر أحاديث الحوض التي جاءت في الأمهات الست، وزاد بعضها أيضا من مسند الإمام أحمد وغيره، فصار بعض المعاصرين يخرجه جزءا كبيرا في حديث الحوض.