التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 33

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 33

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 33، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

نزول آية المحاسبة وشدتها على الصحابة

نزلت آية محاسبية الله تعالى لعباده على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله لما شعروا به من مطالبتهم بما لا يطيقون. بيّن الله تعالى هذه الآية ليعلم استجابة العباد وطاعتهم له.

استجابة الصحابة لأمر الله ورسوله وتيسير الأحكام

استجاب الصحابة لأمر الله ورسوله بترديد آية "سمعنا وأطعنا"، فنزلت آية تؤكد إيمانهم الكامل بالله ورسله، ثم نزلت آية أخرى تطلب من الله التيسير وعدم التحميل بما لا طاقة لهم به.

فضل الأمة الإسلامية ورفع المشقة عنها ورخص الشريعة

تُبين الآيات والسنة النبوية أن الله عز وجل قد رفع عن الأمة الإسلامية المشقة والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، كما أن الله يحب أن يؤخذ برخص الشريعة كما يحب أن تؤتى عزائمها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال الشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: بعد أن ذكر بعض الآيات التي فيها تحريم التشبه بأعداء الله عز وجل، قال: وقال سبحانه وتعالى ﴿لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ إلى آخر السورة. قال: وقد روى مسلم في صحيحه معنى هذه الآية؛ أنها أيضا من العدة على مخالفة المشركين، وأن المسلم ينبغي أن يخالفهم في عاداتهم وعباداتهم وكل ما اختصوا به. قال: وقد روى مسلم في صحيحه عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ﴿لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ الآية، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد نزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. إن الصحابة جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: إننا كلفنا ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، هذه نطيقها، لكن هذه الآية ما نطيقها: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾. أما الإبداء سهل، لكن ما أخفي أو ما أخفى الإنسان في صدره فكيف يحاسبه الله عز وجل؟ لكن هذه الآية أنزلها الله عز وجل بحكمة منه سبحانه وتعالى، يرى هل عباده يستجيبون له ويطيعونه أم لا؟ ربنا جل وعلا يعلم ما في صدور الخلق، وما أيضا يقولونه، وما سيعملونه. فقال رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم هنا: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟» أنا كما ذكر الله عز وجل أنهم قالوا: ﴿سمعنا وعصينا واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير». قال: فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم -أنا كرروها صارت عليهم سهلة- لما سمعوها من النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: «سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» وكرروها. قال: أنزل الله عز وجل في إثرها ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله﴾. ليس مثل الكتاب الذين يفرقون بين الرسل، فاليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم، ونصارى آمنوا بعيسى وموسى لكنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ففرقوا بين الرسل. قالوا: «سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير». قال: فلما فعلوا ذلك نسخها الله، أي نسخ هذه الآية، فأنزل الله -معنى نسخ حكمها- وأما لفظها فبقي. قال: فأنزل الله عز وجل ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾. قال: «نعم». قال ربنا -أي النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «نعم ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾. قال: «نعم»، أي الله عز وجل يقول: «نعم»، وجاء في رواية أخرى: «قد فعلت»، أي أنه وضع الآثار التي كانت على من كان قبلنا من الأمم. قال: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾. قال: «نعم». وهذه الآية من أعظم الآيات فضلا لهذه الأمة؛ أن الله عز وجل وضع عنهم الآصار والأغلال التي كانت على من كان قبلهم، ولم يحملهم ما لا طاقة لهم به، بل عفا عنهم، وقال: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾. فإذا لم تطقه النفس فإن الله عز وجل قد عفا عنه، وأيضا كذلك ما نسيه الإنسان يعفو الله عز وجل عنه، وما أخطأ في كلامه أو في فعله بدون قصد فإن الله عز وجل أيضا يعفو عنه سبحانه وتعالى. قال: فحذرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يتلقوا أمر الله بما تلقاه أهل الكتابين، وأمرهم بالسمع والطاعة، فشكر الله لهم ذلك حتى رفع الله عنهم الأصار والأغلال التي كانت على من كان قبلنا، فجعل من صفات هذه الأمة الرحمة، وأيضا عدم المشقة عليها. انظروا كانت اليهود عندهم خمسون صلاة، وعندنا خمس صلوات. قال: وقال في صفته صلى الله عليه وعليه وسلم: «ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم». فأخبر الله سبحانه أن رسوله عليه الصلاة والسلام يضع الآصار والأغلال التي كانت على أهل الكتاب. ولما دعا المؤمنون بذلك أخبر الرسول أنه قد استجاب دعاءهم -أي الله عز وجل- وهذا وإن كان رفعا للإيجاب والتحريم، فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته. قد صح ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام -يريد حديث عبد الله بن عمر- أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه». قال: قد صح ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ يعني أنه إن رخص ربنا جل وعلا في شيء فيحب أن تؤخذ رخصه، ومن بقي على ما هو عليه قبل فهو لا زال على المشروع الذي شرعه الله عز وجل له، وإنما فقط رفعا للإيجاب أو التحريم، وإلا مشروعية هذا الشيء قد تبقى مشروعيته، لكن يرخص في غيره، يرخص في شيء منه، مثلا في صلاة المسافر، في الصوم للمسافر، فإن الصوم للمسافر له أن يفطر، لكن له أيضا كذلك أن يصوم، فهذا ما يذكره الله تعالى عنه شكرا للمسافر.