الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 95، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يذكر المؤلف اعتراضات على أفضلية العرب مستندة إلى أدلة من القرآن والسنة، ويرد عليها. الاعتراضات تشمل اتباع ملة إبراهيم وصيام يوم عاشوراء.
يشرح الشيخ شروط اعتبار شرع من قبلنا شرعًا لنا، وهي إثبات الحكم بنقل موثوق، وعدم الاكتفاء بالرجوع إلى كتبهم المحرفة.
كانت قريش تصوم يوم عاشوراء، واستمر النبي في صيامه حتى فرض رمضان، فأصبح صيامه اختياريا. روت عائشة أن النبي صامه وأمر بصيامه قبل فرض رمضان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال فصل: فإن قيل ما ذكرتموه من الدلة معارض بما يدل على خلافه، أنا الأدلة على أن من كان من غير العرب وتقلد أو قلد العرب فهو على خير، ومن كان من العرب وقلد غيرهم فهو على خلاف ذلك، إلا إن كان هذا الاتباع والتقليد في الصفات الحميدة، فهذا لا فرق بين عربي وغيره. فقال: فإن قيل ما ذكرتموه لدلة معارض بما يدل على خلافه، ذلك أن شرع من قبلنا شرع لنا، أنا نحن متبعون له ما لم يرد شرعنا بخلافه. وقوله جل وعلا: ﴿فبهداه اقتده﴾، وقوله: اتبع ملة إبراهيم، وقوله: يحكم بها النبيون الذين أسلموا، وغير ذلك من الدلائل المذكورة في غير هذا الموضع. مع أنكم مسلمون لهذه القاعدة، وهي قول عامة السلف وجمهور الفقهاء. وأنا الآن يذكر بعض الاعتراضات من ذلك، أن هذه الأمة معمورة بأن تقتدي بمن كان قبلها، لكن الجواب معروف، أن الاقتداء إنما هو بالأنبياء والرسل، ليس بالأمم. قالوا: معارض ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا لله، فنحن نصومه تعظيما له. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فنحن أحق وأولى بموسى منكم»، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه، متفق عليه. قالوا: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا يوما قبله أو يوما بعده». وجاء في رواية أخرى: «لا تتخذوه عيدا، وصوموا يوما قبله أو يوما بعده». قالوا: هذا اللفظ للبخاري، ولفظ مسلم: «تعظمه اليهود وتتخذه عيدا». وفي لفظ له: «كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء ويتخذونه عيدا، ويلبسون نساءهم حليهم وشاراتهم»، والشارات هي الشعارات التي يلبسونها الأطفال، والحلي هو الذهب أو الفضة. قالوا: عن الربيع بنت معوذ قالت: «أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قرى الأنصار: من كان أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان مفطرا فليتم بقية يومه». قالوا: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم قال: «كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فسدل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصيته، ثم فرق بعد ذلك»، اتفق عليه. ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بداية أمره لما جاء إلى المدينة يحب موافقة أهل الكتاب ويخالف المشركين، لكن لما صار أهل الإسلام كثيرا، صار أعدى لعداهم اليهود، فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخالفهم في أشياء كثيرة. بل إنه تقرر في شريعة الله جل وعلا أن مخالفتهم فيما اختصوا به واجبة، أن يخالفوا فيما اختصوا به من الأمور التي سواء كان في دينهم أو في عاداتهم، حتى ولو كانت عادات لهم اختصوا بها، فإنهم لا يتابعون عليها ولا يقلدون. قيل: أما المعارضة بكون شرع من قبلنا شرعا لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، فذاك مبني على مقدمتين كلتاهما منتفية في مسألة التشبه بهم. وشيخنا غالبا ما يقعد معنا في الردود، حتى لا يدخل أو حتى لا يكون له مدخل آخر في هذا الباب. فقال: هناك قاعدتان، أول قاعدة: الأولى أن يثبت أن ذلك شرعا لهم، هذا أول شيء، مقدمة أولى: أن يثبت ذلك الشرع، أن يكون ذلك شرعا لهم، يثبت هذا بنقل موثوق به، إما بنقل النبي صلى الله عليه وسلم أو يخبرنا الله عز وجل في كتابه، أو ينقل ذلك بالتواتر. قال: مثل أن يخبرنا الله في كتابه أو على لسان رسوله أو ينقل بالتواتر ونحو ذلك. فأما مجرد الرجوع إلى قولهم أو إلى ما في كتبهم فلا يجوز بالاتفاق، أنا لا يجوز أن يقال هذا شرع من قبلنا. وكيف يقول شرع من قبلنا أنا يقول مثلا رأى شيئا في التوراة أو نقل أحدهم عن التوراة أنهم يقولون كذا وكذا في التوراة، فيظن الضال أن هذا شرع لهم، لا، هذا لا يجوز، ولو قرأه في التوراة، لأن التوراة محرفة، التوراة الآن التي بين أيديهم هي محرفة. فلهذا ما أدرانا أن هذا قد حرف وأنهم هم الذين ابتكروه؟ فلهذا قال شيخنا: فأما مجرد الرجوع إلى قولهم أو إلى ما في كتبهم فلا يجوز بالاتفاق. والنبي صلى الله عليه وسلم وإن كان قد استخبرهم فأخبره ووقف على ما في التوراة، فإنما ذلك لأنه لا يروج عليه باطلا، أنا لما استخبرهم في الحد في الرجم فاستخبرهم لأن مؤيد بالوحي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد بالوحي، لو كذبوا عليه لفضحهم الله. قال: المقدمة الأولى أن يثبت ذلك أنه شرع لهم، المقدمة الثانية أن لا يكون في شرعنا بيان خاص لذلك. أن هذه المقدمتان ليست في هذه القضية فقط، لا في كل القضايا. أولا لا بد أن يثبت الإنسان الذي يقول أن هذا شرع من قبلنا، لا بد أن يثبت أن هذا شرع من قبلنا، والأمر الثاني المقدم الثاني أن لا يكون في شرعنا بيان خاص لذلك. فأما إذا كان فيه بيان خاص، إما بالموافقة أو بالمخالفة، استغني عن ذلك. أنه إذا جاء موافقة الشرع مثلا جاء عن نبي صلى الله عليه وسلم موافقة شيء مما كان عند أهل الكتاب، فنقول بالموافقة، إن كان هناك مخالفة نقول بالمخالفة. فإذا وجد في شرعنا فيعتبر ما جاء في شرعنا، ولا يعتبر ما جاء في شرعهم وإن ثبت. قال: استغني عن ذلك لما ينهى عنه من موافقته، ولم يثبت أنه شرع لمن كان قبلنا، وإن ثبت فقد كان هدي نبينا صلى الله عليه وسلم بخلافه، وبهم أمرنا نحن أن نتبع ونقتدي. أنا مثلا بعضهم يستدل بقول يوسف: «اجعلني على خزائن الأرض»، أنه يجوز طلب الولاية، مع أن هذا مخالف لما جاء في شرعنا، أنه لا يجوز طلب الولاية، وأن من حرص عليها أو طلبها أن الأمراء والحكام لا يعطونه إياها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لا نعطيها من طلبها، ولا من حرص عليها». فهذا حكم هنا، وأما كلام يوسف فهو باعتبار آخر، حتى لو قلنا أن هذا في شرعهم وأنه يجوز طلب الولاية، وإن كان ليس فيه ظاهره هكذا، لكن حتى لو قلنا هذا فهو في شرع من قبلنا، وجاء في شرعنا ما يخالفه. وهكذا قالوا: بهم أمرنا نحن أن نتبع ونقتدي، وقد أمرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن يكون هدينا مخالفا لهدي اليهود والنصارى. قال: وأما حديث عاشوراء، فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصومه قبل استخباره لليهود، وكانت قريش تصومه. ففي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: «كانت قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه». وهذا كله حديث عائشة. وفي رواية: «وكان يوما تستخر أو تستر فيه الكعبة». والكلام على يوم عاشوراء، وشيخ الإسلام فصل في هذه المسألة والرد على من قال أن هذا معارضا، فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.