شرح لمعة الاعتقاد 40

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 40، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الإيمان بالقدر وأدلته

يتناول شرح الإيمان بالقدر خيره وشره، ويستدل على ذلك بأحاديث نبوية. يبين أهمية الإيمان بالقدر وأدلته من السنة النبوية.

فرق أهل البدع في القدر وتفاصيل معتقداتهم

يناقش فرق أهل البدع في القدر، حيث قسمهم إلى نافين للقدر ومثبتين، ويتناول بالتفصيل معتقدات المعتزلة والقدرية المجوسية. يبين تفاصيل معتقداتهم ونفيهم لمرتبة الخلق والمشيئة الإلهية.

الرد على المعتزلة وبطلان قولهم

يناقش رأي المعتزلة القائل بأن العبد يخلق فعله، ويرد عليه بالأدلة الشرعية من القرآن الكريم. يبين بطلان هذا القول وتعارضه مع معتقد أهل السنة والجماعة.

بيان بطلان مذهب القدرية وخاتمة

يبين بطلان مذهب القدرية النفاة ويشير إلى وجود مذهب آخر وهو الجبرية. يختم بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أخذنا في الدرس الذي مضى التفريق بين الإرادتين، وتوضيح هذه، أي الإرادة القدرية والكونية، والإرادة الشرعية، وتعلقاتهما. قالوا: روى ابن عمر رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «من الإيمان؟» قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره». فقال جبريل: «صدقت». فرد مسلم بإخراجه. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره». وهذا الحديث لا يصح؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي، وهو ضعيف. وكان شعبة يسير القول فيه، واختلطت عليه أحاديث أنس مع حديث كلام الحسن، فلهذا ترك العلماء حديثه. قالوا: من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام الذي علمه الحسن بن علي: «يدعو به في قنوت الوتر: وقني شر ما قضيت». وحديث الحسن رواه أبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص السعدي عن الحسن بن علي، وذكر فيه القنوت. ورواه شعبة عن أبي الأحوص، ولم يذكر لفظة القنوت، وإنما قال: «علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء أدعو به». فقد يكون أبو إسحاق سمع هذه اللفظة، وقد يكون لم يسمعها. ووافقه أيضًا على هذه اللفظة ابنه يونس بن إسحاق. ابن أبي إسحاق أيضًا روى هذا الحديث وذكر هذه اللفظة، أي قنوت الوتر. وجاء أيضًا عند ابن العربي في معجمه، وابن عساكر وغيرهما، عن الحسن: أن هذا الدعاء كان معروفًا فيهم، وأنه دعاء الوتر. فإن صح هذا الدعاء، فهو الذي صح في دعاء الوتر، بل في قنوت الوتر. فلم يصح شيء أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقنت في الوتر إلا هذا الحديث. ولهذا اختار الإمام أحمد أن القنوت في الوتر يكون أحيانًا وليس دائمًا؛ لأنه لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقنت في الوتر إلا ما جاء في هذا الحديث، وكما قلنا: إنه مختلف فيه. طيب، وأخص منه: «وقني شر ما قضيت». هذه الأدلة تدل على الإيمان بالقدر، وأن المؤمن يؤمن بالقدر، يؤمن بالقدر خيره وشره، أي: أنه من الله عز وجل. وأهل السنة جميعًا يؤمنون بذلك، لكن خالف بعض أهل البدع، والذين خالفوا على قسمين: نافون للقدر، والقسم الثاني مثبتون، لكنهم غلوا في الإثبات. فنافون القدر هم المعتزلة، وهم على قسمين: نافون للقدر غلاة، وهم الذين نفوا الأربع الصفات كلها، أو الأربع المراتب كلها: العلم والكتابة والخلق والمشيئة. فهؤلاء كفرهم السلف. والقسم الثاني من النفاة هم الذين يسمون بالقدرية المجوسية. القدرية المجوسية. وقد جاء عند ابن ماجه وغيره، من حديث نعيم بن عبد الله الخزاعي، أسنده إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوا جنائزهم». لكن هذا الحديث، وإن كان جاء من طرق، لكن أكثرها ضعيفة. ونعيم بن عبد الله الخزاعي، وإن كان إمامًا من أئمة العلم، لكنه عنده أوهام، عنده أوهام كثيرة، فلهذا ضعفه بعض الأئمة. فلا يصح هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن اشتهر عند العلماء أن هذه الفرقة تسمى القدرية المجوسية. لماذا؟ لأنهم شابهوا المجوس. المجوس يقولون: إن الله عز وجل خالق الخير، ولم يخلق الشر، وإنما الشيطان خالق الشر. يقولون: إن الله خالق الخير، ولم يخلق الشر. يقولون: إن الشيطان يخلق الشر. وهؤلاء القدرية يقولون: إن العبد... أو أن المجوس يقولون: إن الله خالق النور، والشيطان خالق الظلمة، ويدخل في ذلك الخير والشر. ويقولون: إن الظلمة ليس فيها خير، وإنما الخير في النور وفي الضوء. لهذا قال المتنبي: «وكم لظلام الليل من يدٍ تحدث...». أن المانوية تكذب. المانوية قوم من المجوس يقولون: إن الظلمة ليس فيها خير. وهذا باطل باطل شرعًا، وكذلك واقعًا. بل تكون هناك نعم في ظلام الليل، وخير في ظلام الليل. كم من دعوة دعا بها العبد كانت في تلك الظلمات أو في ذلك الظلام؟ وكم من عبد استجيب له؟ كم من عبد هدي إلى صراط المستقيم في ذلك الوقت العظيم؟ فلهذا قولهم باطل. فالقدرية النفاة يقولون: إن الله عز وجل لا يخلق الفعل، وإنما العبد يخلق فعل نفسه، ولا يشاؤه الله، وإنما العبد يشاؤه. فهم ينفون مرتبة الخلق والمشيئة. لكن بعضهم -كما ذكر ذلك القاضي وغيره- أن بعضهم يقولون: إن الله يخلق الخير، ولا يخلق الشر، يخلق الخير ولا يخلق الشر، مثل قول المجوس. وهؤلاء أهل باطل. وأيضًا ليس لهم شيء في الأدلة؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فجعل الله عز وجل للعبد مشيئة، لكن جعلها تابعة لمشيئة الله جل وعلا، فهو المتصرف فيها، فهو الذي خلقها، خلق فعل العبد وخلق مشيئته، لكن جعل العبد يفعل الفعل. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. الله خلقكم وما تعملون. فقول المعتزلة: إن العبد يخلق، يخلق فعل نفسه، فمعنى ذلك أنهم يجعلون خالقًا مع الله، أنه يخلق الفعل. فهم يقولون: إن الله عز وجل لا دخل له في فعل العبد، وإنما العبد يخلق فعل نفسه. وهذا كلام باطل. وأيضًا يرد عليه قول الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وهي قوله جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. وأيضًا بمقابل هؤلاء الجبرية، فالقدرية النفاة هذا مذهبهم، وهم المعتزلة كما قلنا. وأول من قال بهذا القول، أو ذكر أنه قال بهذا القول هو معبد بن خالد الجهني. معبد بن خالد الجهني، كما جاء في صحيح مسلم، في أول حديث في صحيح مسلم في كتاب الإيمان. فقال يحيى بن يعمر: «لما ظهر القدر عندنا، وظهر معبد بن خالد الجهني، فذهبنا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري، قلنا: لعلنا نجد أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم». فوجدنا عبد الله بن عمر بن الخطاب. قال: «فقلنا: قد ظهر عندنا بالبصرة قوم يتكفرون العلم -أن يطلبون العلم- لكنهم يقولون: إن الأمر أنف». ومعنى أن الأمر أنف، أي: أن الأمر مستأنف. وأن الله عز وجل لا يعلم الأمر إلا بعد وقوعه، أي: أنهم ينفون العلم، ينفون الكتاب، وأيضًا ينفون الخلق والمشيئة. وهذا -كما قلنا- قول غلاة القدرية، غلاة النفاة. ومن ثم إنه انقرض هذا القول، وبقي القدرية المعتزلة يقولون: بأنهم يؤمنون بالعلم والكتابة، وينفون الخلق والمشيئة. طيب، هذا مذهب هؤلاء القدرية، وهو باطل، أي قدرية النفاة. إن شاء الله تعالى، مقابلهم قول الجبرية، إن شاء الله نذكره في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.