الدرس في شرح سلم الوصول إلى علم الأصول 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوم القيامة يوم عظيم فيه يحاسب الله عباده وتقتص المظالم، وتنتشر الأهوال ويعرق الناس حسب أعمالهم.
يوم القيامة يحاسب الناس فردًا فردًا، ويعرض عليهم عملهم ويشهدون على أنفسهم، ويختلف الحساب بين اليسير والنقش حسب أعمالهم.
تشهد الألسن والأيدي والأرجل على الناس بما عملوا، وتتكلم الجوارح بفضل الله الذي أنطق كل شيء، وتبرر الجلود شهادتها بأن الله هو الذي أنطقها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، قال المؤلف رحمه الله تعالى: واحضروا للعرض والحساب، وانقطعت علائق الأنساب، وارتكمت سحايب الأهوال، وانعجم البليغ في المقال، وعانت الوجوه للقيوم، واقتص من ذي الظلم للمظلوم، وساوت الملوك للأجناد، وجيء بالكتاب والأشهاد، وشهدت الأعضاء والجوارح، وبدت السوآت والفضائح، وابتليت هناك السرائر، وانكشف المخفي في الضمائر. هذا الآن كله في الحساب والعرض على الله عز وجل يوم القيامة، فإذا كان الناس في الموقف -وقد ذكرنا هذا قبل- جاء وقت الحساب، هم يكونون على أرض بيضاء ليس فيها علم لأحد، فيكلمهم الله عز وجل ويحاسبهم واحدا واحدا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه». فهذا العرض يكلم الله عز وجل كل واحد من الناس، كل واحد من الناس يكلمه الله عز وجل ويعرض عليه العمل. وهناك أهل الإسلام قسمان: قسم يحاسب حسابا شديدا، وقسم لا يحاسب وإنما يعرض عليه، وهذا في قوله جل وعلا: ﴿وأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا﴾، ﴿وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويلقى سعيرا﴾. وفي الآية الأخرى قال: ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوتي كتابي ولم أدري ما حسابي يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني مالية هلك عني سلطانية﴾. فالظاهر أن هذا القسم الذي يحاسب ممكن أن يكون من أهل الإسلام وممكن أن لا يكون منهم، فكل من نوقش الحساب عذب، ما جاء في الصحيحين حديث عائشة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عذب». ونوقش الحساب معنى: أنك فعلت كذا وفعلت كذا، معنى يناقش في الحساب وأنت تركت هذا، فيقوم ويجادل ربه، فمنهم من يعترف ومنهم من لا يعترف، فالمنافق والكافر لا يعترف. وأما العرض فيعرض ربنا جل وعلا ذنوب العبد عليه، فيقول: هذه ذنوبك، فعلت كذا وفعلت كذا، فيقول: نعم يا رب قد فعلت، فيقول الله عز وجل: قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم. قد سترتها عليك في الدنيا وأني أغفرها لك اليوم، هذا هو الحساب اليسير، وهو العرض، فالعرض هو الحساب اليسير، ومن نقش الحساب عذب، ومن نقش الحساب عذبه الله. قال: واحضروا للعرض والحساب، وانقطعت علائق الأنساب، معنا ليس هناك أنساب، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، معنا في الحساب لا يعرف أحدا أحدا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما في ثلاثة مواضع فلا يعرف أحدا أحدا»، وذكر منها عند الحساب، على كل واحد مشغول، وعند تطاير الصحف أيضا، معنا بعد الحساب تطاير الصحف، وقيل أنها قبل الحساب، قبل الحساب تتطاير الصحف، فأخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله عنها تطاير الصحف، فمنهم من يلقى كتابه بيمينه، وهذا أهل الإيمان، ومنهم من يلقى كتابه بشماله، وهذا أهل الكفر. قال: وارتكمت سحايب الأهوال، وانعجم البليغ في المقال، ارتكبت سحايب الأهوال، الأهوال معناه أهوال عظيمة يرونها، من ذلك أن الشمس تقرب منهم حتى يتصببوا عرقا، ويأخذهم العرق بحسب أعمالهم، فمنهم من يأخذ العرق إلى كعبيه، ومنهم إلى ساقيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم إلى صدره، ومنهم من يلجمه العرق، الجامع على يغطيه العرق. وما جاء أنه لو جرت فيه السفن لجرت، فهذا لم يثبت، لكن ثبت أن العرق يلجم بعض الناس، يلجمهم، الجامع على يغطيهم، فهذا من الأهوال العظيمة التي يرونها في ذلك اليوم، وأيضا يوم مقداره خمسين ألف سنة في عرصات ذلك الموقف، فلهذا يذهبون إلى آدم، يذهبون إلى نوح، يذهبون إلى إبراهيم، وموسى وعيسى لأجل أن يشفعوا لهم في ذلك الموقف العصيب. قال: وانعجم البليغ في المقال، انعجم البليغ في المقال معنى أنه لا يتكلم أحد هناك، لا تسمعوا إلا همسا، الناس يذهبون إلى مكان الحساب صامتون، وأعينهم شاخصة، لا يدرون ماذا يفعلوا بهم، فلهذا فهم صامتون، لا تسمعوا إلا همسا، قيل همسا الكلام اليسير، وقيل أنه لا يسمعوا إلا مشي أرجلهم عندما يمشون بالأرجل يسمع هذا فقط. قال: وعنت الوجوه للقيوم، واقتص من ذي الظلم للمظلوم، أي في ذلك اليوم يقتص للظالم من من ظلمه، حتى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء»، أنا في ذلك اليوم تقتص المظالم، فالظالم لا بد أن يؤدي حق من ظلمه، فيقتص للمظلوم من من ظلمه. لما جاء في حديث ابن عباس قال: وساوت الملوك للأجناد، وجيء بالكتاب والأشهاد، أنا كلهم سواء، ليس هناك رئيس ومرؤوس، كلهم سواء، كلهم يأتون إلى الله عز وجل، إن كل من في السماوات ومن في الأرض إلا آت الرحمن عبدا، لقد أحصاهم وعدهم عد، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا، ليس هناك مثلا ملك وهذا عبد، أو هذا جندي أو هذا كذا لا، كلهم سواء. قال: وشهدت الأعضاء والجوارح، وبدت السوءات والفضائح، أنا جاء في الحساب أنه أن بعض من يحاسب ينكر ينكر ما يذكره الله عز وجل له، فيقول: ما فعلت، فيقول الله عز وجل له: يا عبدي أترضى أن أكون شاهدا والملائكة الكرام، أنا شاهد عليك والملائكة الكرام شهودا عليك، فيقول: لا يا رب، ما أرضى إلا بشاهد من نفسه، فحينئذ يختم على فيه على فمه، وتتكلم جوارحه، يختم على فيه وتتكلم جوارحه، فيقول: سحقا لكن سحقا، إن كنت عن كن لأناضل، أنا كنت أجادل عن كن. وقال الله عز وجل: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون﴾، ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون﴾، وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا، قالوا: ﴿أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾.