الدرس في تفسير سورة الصف من تفسير السعدي 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي آية ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ مبيناً تكليف هذه الأمة بالعلم والعمل معاً بخلاف اليهود والنصارى. ويؤكد أن الآمر بالخير يجب أن يكون أول المبادرين إليه محذراً من النفاق بين القول والفعل.
يشترط المقطع أن يكون الآمر بالخير والناهي عن الشر قاصداً تطبيق ما يقول أولاً مستشهداً بقصة الخطيب وحديث أسامة بن زيد. ويخلص إلى أن المؤمن الصادق يكون صادقاً مع الله والناس ونفسه محذراً من النفاق وإخلاف الوعد.
يحذر النبي ﷺ من الكذب حتى مع الأطفال مؤكداً أن الوعد وعدم الوفاء به من الكذب. وتؤكد الآيات وسيرة شعيب عليه السلام ضرورة أن يكون الداعية صادقاً مصلحاً لذاته قبل غيره ملتزماً بالأخلاق الإسلامية في جميع معاملاته.
يختتم المتحدث شرحه للآية الكريمة مؤكداً اكتفاءه بما ذُكر من معاني ودلالات. ويختم بالتفويض إلى علم الله تعالى سائلاً القبول والتوفيق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: عند قوله سبحانه جل وعلا: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، بعدما قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، ذكر هنا الجزاء، قال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. قال رحمه الله: فهل تليق بالمؤمنين هذه الحالة الزميمة؟ أم من أكبر المقت عند الله أن يقول العبد ما لا يفعل؟ أن يبين ربنا سبحانه وتعالى أن هذا الأمر يغضبه ويبغضه جل وعلا. أي أن يقول المرء ما لا يفعل. يقول: وقد ذكرنا عدة أشياء تدخل في هذه الآية من الأقوال التي يقولها الإنسان ثم لا يطبق هذا الأمر، لأن هذه الأمة هي أمة العلم والعمل، أمة العلم والعمل. وأما اليهود فهم أمة العلم بدون عمل، فهم يقولون ما لا يفعلون. وأيضًا النصارى أهل الضلال ضلوا لأنهم عملوا بغير علم، عملوا بغير علم، فصاروا من أهل الضلال. وأما هذه الأمة فهي أهل الصراط المستقيم الذين أنعم الله عز وجل عليهم، والصراط المستقيم هو العلم والعمل معًا. لهذا يقول المصلي في الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، أي: جنبني طريقة المغضوب عليهم وهم اليهود، وأيضًا طريقة الضالين وهم النصارى. فطريقة أهل الصراط المستقيم علم وعمل، فلذلك يبين الله عز وجل أنه يغضب جل وعلا على من يقول ما لا يفعل، على من يقول ما لا يفعل: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. قال: ولهذا ينبغي للآمر بالخير أن يكون أول الناس مبادرة إليه، كما قال بعض الشعراء: «لا تنهى عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم» أن تأمر الناس بالخير وأنت لا تفعل، فهذا عيب في حقك أنك لا تفعل هذا الذي تأمر الناس به، كما قال الله عز وجل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وهذا وزجه الله عز وجل لأهل الكتاب لليهود، يأمرون الناس بالبر وهم لا يفعلون. كذلك النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. فهؤلاء يأمرون بالخير لكن لا يفعلون. فلذلك بينا بالأمس أنه ليس كل آمر بالخير معناه أنه داخل في هذه الآية إذا لم يستطع أن يطبق هذا، وإنما من كان نيته عدم... أولا نيته عدم الفعل. وكذلك أيضًا يستمر على هذا، أن الذي هو يدخل في هذا الآمر بالخير والذي لا يفعله هو أن تكون نيته أيضًا أولا عدم الفعل، يأمر الناس بالخير وهو في نفسه أنه لا يفعل هذا. مثل ما يحصل... معناه مثل ما يذكر بعض المشايخ: كان شيخنا مقبل يذكر هذه القصة، أن رجلًا من أهل القرى كان يخطب، يخطب للناس، فكان يحث على الصدقة، كان يحث على الصدقة. فلما سمع ابنه هذا الحث على الصدقة أو كذا، فأخذ مالًا أو شاة وذهب وتصدق بها. فلما جاء هذا الخطيب وهو أبوه، رأى أن شيئًا من الأغنام قد أخذ، فسأل ابنه، قال: نعم أخذتها وتصدقت بها. قال: لما قال: سمعتك تحث على الصدقة. فقال: أنا ما قلت يا أيها الذين نحن، وإنما قلت يا أيها الذين آمنوا، ووجهت الخطاب للناس وليس لنا. هكذا قال، معنى أنه كأنه ليس هو داخل في هذا الخطاب. فلذلك المتكلم أولًا ينصح نفسه، المتكلم يجتهد أولًا في نصح نفسه بهذا الكلام الذي يقول، في نيته أنه يطبق هذا الكلام. قال المؤلف رحمه الله: والناهي عن الشر أن يكون أبعد الناس عنه، أن يستعين بنهي الناس عن الشر أنه يبتعد عنه أيضًا، هو يجتهد في الابتعاد عنه. «لا تنهى عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم». فمثل ما ذكرنا في حديث أسامة بن زيد، في ذاك الرجل الذي من أهل النار، فأهل النار يسألون: أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: أمرتكم بالمعروف ولا آتي، ونهيتكم عن المنكر وآتي. أنا ما كان صادقًا. فلذلك في هذه الآية يستفاد منها أن المؤمن يكون صادقًا مع الله، وصادقًا مع الناس، وصادقًا مع نفسه: صادقًا مع الله، وصادقًا مع الناس، وصادقًا مع نفسه. ولهذا نبه العلماء، بعض المفسرين، على أشياء كثيرة تدخل في هذه الآية، هي ليست من الصدق، بل قد يكون من الكذب أو إخلاف الوعد. حتى أن بعض العلم ذكر أيضًا حديثًا من باب التنبيه لأجل أن الناس يتساهلون في هذا، وهو حديث عبد الله بن عامر، أنه قال: أن النبي عليه الصلاة والسلام زارنا في بيتنا، قال: فسمع أمي تقول: يا عبد الله تعال. فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: ما تعطينه؟ لما قلت له: تعال. أو قالت له: تعال أعطيك. فقال: وما تعطينه؟ قالت: أعطيه تمرة. فقال: «لو لم تعطيه شيئًا لكتبت عليك كذبة». حتى وعد الأطفال: لا تعد الأطفال: تعال سأعطيك، وأنت لا تعطيه شيئًا، وهو يدخل في هذه الآية كذلك: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. قال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. هذه حالة دميمة، حالة لا ينبغي للمؤمن أن يكون من أهلها. ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وقال شعيب عليه السلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾. هكذا يكون الداعية، يكون صادقًا في نفسه، يكون صادقًا مع الله، لا يأمر الناس وينهاهم وهو يخالف ما يأمر ويأتي ما ينهى. فقال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾. أي: هو الموفق، فيجتهد... فيجتهد الداعية إلى الله، طالب العلم، في إصلاح الناس، وأولًا يصلح نفسه، يصلح نفسه أيضًا بالدعوة. فإذا دعا يكون هو استشعر أنه هو أول المخاطبين بهذا الذي يقوله، فيصلح نفسه ويصلح الآخرين، ويجتهد في ذلك. ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾. فالمؤمن يكون صادقًا، لا يأتي بشيء ويخالفه، ولا يكون قدوة للناس. فالداعية إلى الله يكون قدوة، يكون قدوة في عمله وفي أخلاقه وفي معاملاته. ما يكون مثلًا يأمر الناس بالرفق والرحمة وهو من أقصى الناس في معاملته، كذلك حتى مع أهله ينبغي أيضًا أن يرفق مع أهله، أن يعاملهم بالرحمة: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». هكذا هو القدوة عليه الصلاة والسلام، قدوة في كل شيء، صلوات الله وسلام عليه. فأيضًا في معاملة الناس في شرائه وبيعه، يعني لا يتخلى عن هذه الأخلاق، الأخلاق الإسلامية العظيمة التي حدث عليها شرع. فإذا خرج إلى السوق أيضًا يعامل الناس بالأخلاق الطيبة، لا يعامل الناس... لا يعامل الناس بالقسوة وكأن البائع عدوًا له، فهذا خطأ، وإنما يحاول أن يرفق بالناس. وفي معاملاته سواء كان في بيته أو في سوقه أو كذلك لا شك في مسجده وبين طلابه وبين زملائه وغير ذلك، يكون يعامل... يعامل الناس بالمعاملات التي يرضاها الله جل وعلا. فهكذا الذي أراده الله سبحانه وتعالى، وخاصة طالب العلم والداعي إلى الله جل وعلا. فهذا إن شاء الله ما يؤخذ في هذه الآية. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.