الدرس في حلية طالب العلم 34، ألقاها
يؤكد الشيخ بكر وأئمة العلم على أهمية التلقي عن الأشياخ في تحصيل العلم الصحيح. يُستشهد بتراجم العلماء وكلام الأئمة مثل البخاري وأبي حيان الأندلسي.
يُشدد الإمام الذهبي وغيره على أهمية أخذ العلم مباشرة من أفواه العلماء وليس من الكتب فقط لتجنب الأخطاء. ينبغي لطالب العلم أن يعرض ما تعلمه على العلماء.
يُناقش المقطع مخاطر الاعتماد على الكتب فقط دون الرجوع إلى العلماء، مما قد يؤدي إلى ظن المتعلم أنه عالم وهو ليس كذلك. يُشير إلى أهمية شرح العلماء للغوامض في الكتب.
يُنبه إلى خطورة أخذ العلوم بدون إشراف شيخ أو مرشد، ويحذر من الضلال الذي قد يحدث نتيجة لذلك. يُشدد على أهمية الطريقة الصحيحة في طلب العلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الماضي عند كلام ابن بطلان في الرد على علي بن رضوان المصري، الذي زعم أن الإنسان يستطيع أن يتلقى العلم وأن يحصل العلم من غير طريقة الأشياخ، بل بواسطة الكتب فحسب. فرد عليه العلماء كما سمعتم، وكان آخر ما قرأناه قول الصفدي: «ولهذا قال العلماء: لا تأخذ العلم من صحف، ولا من مصحف»، يعني لا تقرأ القرآن على من قرأ من المصحف، أي دون التلقي من الأشياخ، لم يأخذ القرآن من أفواه العلماء، وإنما أخذ القرآن وحفظ القرآن من المصحف. قال: «ولا الحديث وغيره على من أخذ ذلك من الصحف»، أي لم يأخذه من شيخ، وإنما أخذه من الصحف، من الكتب. قال الشيخ بكر رحمه الله: «والدليل المادي القائم على بطلان نظرة ابن رضوان أنك ترى آلاف التراجم والسير، على اختلاف الأزمان ومر الأعصار وتنوع المعارف، مشحونة بتسمية الشيوخ والتلاميذ، ومستقل من ذلك ومستكثر». قال: «وانظر شذرة من المكثيرين عن الشيوخ حتى بلغ بعضهم الألوف، كما في العزاب من الأسفار لراقمه»، أي لشيخ بكر، فله كتاب بهذا العنوان «العزاب» أي من العلماء، ذكر جملة من العزاب من العلماء ممن لم يتزوج. فالحاصل أنه كما ذكر أن الناظر في تراجم العلماء ما يرى عالمًا إلا وقد تتلمذ على الأشياخ، وكما قال: فمن مقل ومن مستكثر، منهم من بلغ مشائخه الألوف، ومنهم المئات، ومنهم العشرات، ومنهم دون ذلك. الحاصل أنه لا بد من تتلمذ، لا بد من تتلمذ. وقد ذكر الإمام البخاري رحمه الله تعالى أنه قال: «سألت ألف شيخ عن الإيمان، فكلهم يقول: قول وعمل»، سأل عن مسألة واحدة، يقول: «ألف شيخ، فكيف بالمسائل الأخرى؟ وكيف بالأحاديث الذي جمعها رحمه الله تعالى في مسألة واحدة؟» يقول: «سألت عنها ألف شيخ، فكلهم يقولون: الإيمان يزيد وينقص». فهذا إن دل على شيء، دل على ما تقرر وذكر من أنه لا بد من الأخذ عن الأشياخ، وأن من أخذ من الكتب مباشرة فإنه لا بد من أن يعتريه النقص والتقصير، هذا إن سلم من الخطأ والزلل. قال رحمه الله تعالى: «وكان أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي، صاحب النحو المشهور، يقول: إذا ذكر عنده ابن مالك صاحب الألفية، صاحب الكافية الشافية رحمه الله تعالى، من أئمة النحو، مع هذا يقول: إذا ذكر عندهم ابن مالك، يقول: أين شيوخه؟ أين شيوخه؟» وكأنه يقول: ابن مالك تفرد ببعض المسائل لأنه ما تتلمذ عن الأشياخ. وإن كان ابن مالك أخذ عن الأشياخ، أخذ عن العلماء، ولكنه في إشارة إلى أنه لم يأخذ عن الأشياخ الذين هم قدوة وأسوة في هذا الباب. قال: «وقال الوليد بن مسلم، كان الأوزاعي يقول: كان هذا العلم كريمًا يتلقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله». يقول إمام الأوزاعي رحمه الله تعالى، والإمام الأوزاعي يلقب بإمام أهل الشام، وكان فقيه أهل الشام رحمه الله تعالى. فهو يقول: «كان هذا العلم كريمًا»، لماذا كريمًا؟ يقول: «يتلقاه الرجال بينهم»، أي أن العلم يؤخذ من أفواه الرجال، من العلماء، يؤخذ من العلماء مباشرة ومشافهة. قال: «فلما دخل في الكتب»، أي فلما ظهرت الكتب، قال: «دخل فيه غير أهله»، صار من هؤلاء المنتسبين للعلم من يأخذ العلم عن الكتب من غير طريق الأشياخ، لذا قال: «دخل فيه غير أهله». قال: «وروى مثلها ابن المبارك عن الأوزاعي»، أي أن ابن المبارك كذلك روى هذا القول أو مثل هذا القول عن الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى. وهذا يدلنا على أن هذا الأمر كان مقررًا مستقرًا عند الأئمة رحمهم الله. قال: «ولا ريب أن الأخذ من الصحف وبالإجازة يقع فيه خلل»، بمعنى أن الإنسان إذا كان يأخذ الحديث، لا سيما كما سمعتم في الأزمان الأولى، كانت تكتب الكلمات من غير نقط، من غير نقط، كلمة ما فيها النقط، فإذا لم تأخذ عن الأشياخ ربما قرأها الإنسان على غير وجهها. قال: «ولا سيما في ذلك العصر، حيث لم يكن بعد نقط ولا شكل»، قال: «فتتصحف الكلمة بما يحيل المعنى»، ولا يقع مثل ذلك في الأخذ من أفواه الرجال، أنت إذا أخذت من أفواه الرجال كنت في مأمن وفي سلامة من هذه الآفة، من آفة التصحيف والتحريف. قال: «وكذلك التحديث من الحفظ يقع فيه الوهم»، كذلك الإنسان إذا اعتمد على الحفظ فقط دون أن يدون، يقول: «يقع فيه الوهم»، بخلاف الرواية من كتاب محرر، من كتاب محرر. فكأن الإمام الذهبي رحمه الله تعالى يقول: ينبغي لطالب العلم أن يأخذ العلم من أفواه العلماء ويدونه، فإذا دون ذلك العلم من أفواه العلماء وعرضه على العلماء وأقره العلماء على ما فيه، كان في ماذا؟ كان في مأمن من آفتين: الآفة الأولى من الاعتماد على الصحف فقط، فيقع في التصحيف والخلط والخبط، والآفة الثانية من الاعتماد على الحفظ فقط، فيقع في الوهم وفي النسيان. فإذا جمع الإنسان بين هذا وهذا، بين التدوين ولكن من أفواه العلماء، والضبط على العلماء، جمع بين هاتين المصلحتين العظيمتين الجليلتين. قال: «ولابن خلدون مبحث نفيس في هذا كما في المقدمة في مقدمة ابن خلدون الكتاب الملقب بمقدمة ابن خلدون»، قال: «ولبعضهم: من لم يشافه عالما بأصوله، فيقينه في المشكلات ظنون». يقول هذا القائل: من لم يشافه عالما بأصوله، عنده كتاب، عنده كتاب، ولكنهم لم يشافههم عالما بهذه الأصول، وإنما أخذ الكتاب وجعل يحدث من ذلك الكتاب دون عرض، يقول: «من لم يشافه عالما بأصوله، فيقينه في المشكلات ظنون»، عند المحققين، وعند المشكلات، لا يستطيع أن يجزم بأمر، ما يقول له إنسان: الصواب كذا، يقول: الله أعلم، قد يكون كذا، وقد يكون كذا، لماذا؟ لأنه ما ضبطه على عالم، ولا أخذه من أفواه الرجال، وإنما اعتمد على ماذا؟ اعتمد على الكتاب، فصار علمه ماذا؟ مظنونًا، ولا سيما عند التحقيق وعند المحاكمة. قال رحمه الله تعالى: «وكان أبو حيان كثيرًا ما ينشد»، وقوله: «كثيرًا ما ينشد» يدل على ماذا؟ على أنه يكرر هذه الأبيات. قال: «يظن الغمر أن الكتب تهدي أخا فهم لإدراك العلوم، وما يدري الجهول بأن فيها غوامض حيرت عقل الفهيم. إذا رمت العلوم بغير شيخ ضللت عن الصراط المستقيم، وتلتبس الأمور عليك حتى تصير أضل من ثوم الحكيم». تعرفون ثوم الحكيم يا جماعة أم لا؟ من يعرف عنه شيئًا؟ هيا، نصيب لك نصيب، حركت رأسك. من يعرف يا جماعة ثوم الحكيم؟ هيا يا جماعة. المهم له قصة. ثوم الحكيم كان على حمار، فكان متعالمًا، يقول بما لا يعلم، فأنشد بعضهم على لسان الحمار: أن الحمار نظر يومًا إلى ثوم الحكيم فقال: لو أنصف الدهر لكنت أنا الراكب. الحمار يقول: يعني أتى شاعر فأتى بأبيات معناها يقول: لو أنصف الدهر لكنت ماذا؟ أنا الراكب، لماذا؟ قال: لأن جهلي بسيط، وجهلك مركب. واضح يا جماعة، عملًا يقول الحمار: أنا حمار، جهلي بسيط، ولكن أنت جهلك ماذا؟ جهلك مركب، فأنا أحق أن أكون راكبًا منك. واضح يا جماعة، عملًا. فالحاصل أن الشيخ أبا حيان رحمه الله تعالى يقول: «يظن الغمر»، أي الحدث، الحدث في طلب العلم، أن الكتب تهدي، أن الاعتماد وتتلمذ على الكتب تهدي وتنفع، ويصير بها الإنسان عالما. قال: «تهدي أخا فهم»، إذا كان عنده فهم لإدراك العلوم، يظن هذا أن عنده ذكاء، يستطيع أن يقرأ الكتب فيصير ماذا؟ فيصير عالما. قال: «وما يدري الجهول بأن فيها غوامض»، أشياء غامضة، بأن فيها غوامضة حيرت عقل الفهيم، عقل الإنسان ذي الفهم، أي عقل الإنسان ذي الفهم وذي الرجاحة في العقل، تحيره بعض الأمور المشكلات التي يحتاج إلى من يفتحها له، ومن يبينها له. قال: «إذا رمت العلوم بغير شيخ»، إذا رمت العلوم بغير شيخ، أي تظن أن تأخذ العلوم وتحوز العلم بغير شيخ، قال: «ضللت عن الصراط المستقيم»، لماذا؟ لأنك أخذت العلم عن غير أو من غير طريقة. قال: «وتلتبس الأمور عليك حتى تصير أضل من ثوم الحكيم». إلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.