تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 3

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 3

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكمة مشروعية القصاص في الإسلام

القصاص يحفظ الحياة بردع القتلة، لأن معرفتهم بالعقوبة تمنعهم من الإقدام على الجريمة. إقامة الحد تُنَزِّر المجتمع وتكفّ الشر، مما يدل على حكمة الشرع الكامل مقارنة بالأنظمة التي ألغته.

فضل العقل في فهم أحكام الله ووجوب تدبر القرآن

أحكام الله كإقامة الحدود لا يدرك حقيقتها إلا أصحاب العقول الكاملة والإيمان، بينما ينكرها أصحاب العقول الناقصة. الله يحب من عباده إعمال الفكر والتدبر في آياته لأن ذلك يزيد الإيمان ويثبت التوكل عليه.

التفكر في القرآن والسنة وصفات أولي الألباب والتقوى

من يتدبر آيات القرآن والسنة يستحق مدح أولي الألباب لعقلهم الراجح، والتقوى ثمرة معرفة عظمة الله وأحكامه. إقامة القصاص حياة للمجتمع ورادع عن سفك الدماء، مع التحذير من منهج الإرهاب والتكفير.

خاتمة الدرس: ثمرة التفكر في الآيات وعلامة التقوى

من عظم عنده الذنب فتركه وتدبر آيات الله ولم يمر عليها غافلاً يستحق أن يكون من المتقين. يختم الدرس بالدعاء بأن يجعل الله المستمعين والمتحدث من أهل التقوى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: ثم بيّن تعالى حكمته العظيمة في مشروعية القصاص، فقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، أي: تحقن بذلك الدماء، وتكف الأشقياء؛ لأن من عرف أنه مقتول إذا قتل لا يكاد يصدر منه القتل. وهذا هو قول جماهير العلماء في تفسير هذه الآية: من عرف أنه مقتول فإنه سيرتدع بذلك، فيحيي تلك النفس التي يريد أن يقتلها. ولهذا قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، أي: من تفكر أنه سيقتص منه فإنه لن يقدم على القتل. قال: وإذا رؤي القاتل مقتولاً، إن ذعر بذلك غيره وانزجر. وأيضاً الآخرون إذا رأوا القصاص بأم أعينهم، رأوا القاتل يُقتل، إن ذعروا بذلك فيخافون، فلا يقدم أحد على ارتكاب هذه الجريمة، جريمة القتل. قال: فلو كانت عقوبة القاتل لغير القتل لم يحصل انكفاف الشر الذي يحصل بالقتل، وبهذا تعلم حكمة الشرع في هذا الأمر، وهو أمر القصاص: أن يقتص من القاتل الذي قتل عمداً، بخلاف الأنظمة الكافرة، الأنظمة الغربية، الذين لا يقتلون ولا يقيمون الحد ولا القصاص في من قتل، فربما قتل أنفساً كثيرة وليس واحداً، ومع ذلك يحكم عليه بالسجن إما المؤبد أو غير ذلك، والإسلام شرع ودين كامل. قال: وهكذا سائر الحدود الشرعية فيها من النكاية والانزجار، أي: كحد السرقة فيها قطع اليد، وهكذا رجم الزاني المحصن، كل هذا فيه انزجار للبشر من ارتكاب هذه الجرائم العظيمة، فإذا علموا أن هناك قصاصاً فإنهم سينزجرون ولن يرتكبوا، ويكفوا الشر في المجتمع، بخلاف اليهود أيضاً الذين حرفوا وبدلوا شرع الله عز وجل في هذه الأمور. قال: وكذلك سائر الحدود الشرعية فيها من النكاية والانزجار ما يدل على حكمة الحكيم الغفار. وتنكير الحياة لإفادة التعظيم والتكثير، أي: لفظة الحياة في الآية ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ لإفادة التعظيم والتكثير، حياة كاملة بإقامة شرع الله، حد الله عز وجل. قال: ولما كان هذا الحكم لا يعرف حقيقته إلا أهل العقول الكاملة والألباب الراجحة، خصهم بالخطاب دون غيرهم، أي: لا يعرف حكم الله وما أنزله سبحانه وتعالى على رسوله في هذا القرآن ومن إقامة الحدود إلا أصحاب العقول السليمة الكاملة الذين يعرفون هذه الأمور، وأما أصحاب العقول الخفيفة والناقصة الذين لا يدركون شيئاً من شرع الله عز وجل فربما ينكرون، وبعضهم يقول: هذا شنيع، يعني إقامة القصاص والحد، قطع اليد والرجل ونحو ذلك مما يرتكب من هذا الذي ارتكب الجريمة، يقولون: هذه أي الحدود والقصاص أمور شنيعة، ويدندن بها بعض هؤلاء ما يسمون، يسمون بالعلمانيين الليبراليين ونحو هؤلاء، فينكرون لأن عقولهم ناقصة، أما أهل العقول السليمة وأهل الإيمان الذين آمنوا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم فيعرفون أن هذه أحكام عظيمة، الله سبحانه وتعالى حكيم فيما أنزله سبحانه. قال: وهذا يدل على أن الله تعالى يحب من عباده أن يعملوا أفكارهم وعقولهم في تدبر ما في أحكامه من الحكم والمصالح الدالة على كماله وكمال حكمته وحمده وعدله ورحمته الواسعة، والآيات كثيرة في القرآن، فلا يتفكرون يتدبرون، فالله عز وجل يحب من عباده التفكر والتدبر، لا مرور الكرام، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾، كأنه تلي عليه شيء من القرآن، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، إذن يحب ربنا عز وجل من عباده أن يتفكروا وأن يتدبروا كلامه، وينظروا في هذه الحكم العظيمة التي شرعها الله سبحانه وتعالى، فأنت ينبغي أن تعمل فكرك، تعمل ذاكرتك، تتذكر وتتفكر، لأن هذا القرآن أنزل للتدبر وللتفكر، فيزيدك بذلك إيماناً، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، تزيدك الإيمان عندما تتفكر في هذه الأمور. قال: وأن من كان بهذه المثابة فقد استحق المدح بأنه من ذوي الألباب، أنت تريد أن تكون من ذوي الألباب، أن يشار إليك ويقال: هذا إنسان ذو عقل راجح وعقله كبير، ونحو ذلك مما يثنى على رجاحة العقل، نعم كل واحد منا يحب ذلك، لكن ينبغي علينا أننا نعمل أفكارنا لا نجمدها، يعني لا نمر بآيات دون أن نتفكر فيها ونتدبر فيها، فمن كان بهذه المثابة، أي: عندما يقرأ القرآن وكذلك السنة ويتفكر ويتدبر، يستحق المدح، يستحق المدح لأنه صار من ذوي الألباب، من ذوي العقول الكاملة السليمة الراجحة. قال: الذين وجه إليهم الخطاب وناداهم رب الأرباب، وكفى بذلك فضلاً وشرفاً لقوم يعقلون. قال: وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وذلك أن من عرف ربه وعرف ما في دينه وشرعه من الأسرار العظيمة والحكم البديعة والآيات الرفيعة، أوجب له ذلك أن ينقاد لأمر الله ويعظم معاصيه فيتركها، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ختم الآية بالتقوى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾، أي: يا أهل العقول، تدبروا وتفكروا في القصاص، ففيه حياة لكم، لأن القصاص هو ردع وزجر للناس أجمعين، ليس للقاتل فحسب، فهذا فيه حياة عندما يقام الشرع ويقام حد الله عز وجل، فإذا أقيم ذلك حييت الناس، أحيا بعضهم بعضاً، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، تحيي هذه النفس. وانظروا إلى أولئك الذين اتخذوا منهج الإرهاب، منهج التكفير، عياذاً بالله، فيفجرون ويقتلون ويغتالون، ويعملون تلك الأفعال الشنيعة في الأبرياء، في المسلمين، في بلاد الإسلام، يقتلون الأنفس البريئة عشرات لا ذنب لهم، يأتي يفجر نفسه بسيارة، أو كذلك يعمل أحزمة ناسفة وينفجر في أناس أبرياء، والعياذ بالله. قال: ويعظم معاصيه فيتركها، أي: أهل التقوى يرون الذنوب والمعاصي عظيمة، لا يستهينون بها، هذه عظيمة عند الله سبحانه وتعالى كما دلت عليه الآيات وكذلك الأحاديث. قال: فيستحق بذلك أن يكون من المتقين، أي: من عظم عنده الذنب فتركه، وهكذا الآيات العظيمة لم يمر عليها صماً وعمياناً، وإنما تفكر وتدبر، يستحق أن يكون من أهل التقوى، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا كذلك وإياكم السامعين، إلى هنا والحمد لله رب العالمين. مبارك، اللهم ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر