الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر السعدي آية القصاص مبيناً أنها فرض إلهي لتحقيق العدل والمساواة بين القاتل والمقتول، وحفظاً للأنفس وردعاً للعدوان. ويؤكد وجوب تعاون المؤمنين على تمكين أولياء الدم من القصاص، وعدم إيواء القاتل أو اللجوء للثأر القبلي الظالم، مع وجوب تسليم الأمر لولاة الأمور لإقامة شرع الله بالحكمة والعدل.
يحذر المقطع من انتشار الفوضى والثأرات القبلية عند عدم التزام شرع الله، مستشهداً بحروب الجاهلية، ويبين أن القصاص حق وعدل يقيمه ولي الأمر. كما يوضح تفصيل آية "الحر بالحر" وشمولها للذكر والأنثى، ويستثني الوالد من حد القصاص بقتل ولده مع جواز تعزيره إذا اقتضت المصلحة ذلك.
يبيّن المقطع أن القصاص يسري على الولد إذا قتل أباه لعظم العقوق، بينما لا يقتل الوالد بولده للأصل في الرحمة إلا بعارض عقل أو أذية شديدة. كما لا يقتل مسلم بكافر للحديث النبوي، لكن يجوز التعزير، ويسري القصاص بين العبيد بغض النظر عن القيمة، ولا يقتل حر بعبد، واختلف في قتل الرجل بالمرأة.
يناقش المقطع خلاف الفقهاء في قتل الرجل بالمرأة، حيث استدل بعضهم بآية ﴿الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ لنفي ذلك، لكن السنة النبوية بينت جواز قتل الذكر بالأنثى.
بسم الله الرحمن الرحيم قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسير قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. قال رحمه الله: يمتن تعالى على عباده المؤمنين بأنه فرض عليهم القصاص في القتلى، أي المساواة فيه، وأن يقتل القاتل على الصفة التي قتل عليها المقتول، إقامة للعدل والقسط بين العباد. وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل، حتى القاتل بنفسه، إعانة ولي المقتول إذا طلب القصاص، ويمكنه من القاتل، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد، ويمنع الولي من الاقتصاص، كما عليه عادة الجاهلية ومن أشبههم من إيواء المحدثين. هذا الكلام الذي قاله رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، أي أن يقتل القاتل بما قتل به المقتول، وهذا من باب العدل ومن باب القسط بين العباد، وحفظا للأنفس، حفظا للأنفس البريئة. فإذا أقيم العدل بين الناس بالقصاص قل ذلك القتل، وإذا ترك الأمر فوضى، عياذا بالله، فإنه يحصل الشر العظيم. فهذا الخطاب موجه لعموم المؤمنين، وأن القاتل ينبغي أن يقدم للعدالة للقصاص منه، ويقدم لأولياء الأمور حيث يقيم عليه الحد، ولا ينبغي أن يمنع من ذلك بأن يعوي القاتل ويخفيه عن إقامة الحق فيه والعدل فيه. وليس لكل أحد يقيم هذا الحق والعدل، وإنما هذا متروك لمن لهم ذلك الأمر، بأن يسلم لذوي الاختصاص حتى يقيم شرع الله عز وجل فيه، لأن هناك أمور قد تخفى على الناس. فإذا قتل المقتول ووجد القاتل القاتل بجنايته، فإنه يسلم لأهل الاختصاص حتى يقيم الحق والعدل فيه، ويقيم شرع الله عز وجل، سواء بعد ذلك قتل بما قتل به المقتول وهذا أولى، أو لم يقتل بما قتل به المقتول، بأن قتل بأي شيء يقتل به، بما يراه ولي الأمر في قتله. وهذا كله من باب الردع والزجر لهؤلاء الذين يقتلون الأنفس البريئة. فلا يجوز إخفاء القاتل ولا التستر عليه، بل ينبغي تقديمه للعدالة حتى يقتص منه، ولا يترك الأمر فوضى كما في بعض البلاد، الأمر عندهم فوضى، فيقتلون من ليس بقاتل، بأن يكون ابن عمه أو من عشيرته أو أخيه، أو كذلك يقتلون أباه ونحو ذلك. فهذا خطأ كبير يقع فيه أو تقع فيه غالبا القبائل، بأنهم إذا لم يجدوا القاتل، فإن وجدوا من عشيرته وأقربائه قتلوه ظلما وعدوانا. والله عز وجل إنما أمر أن يقتل القاتل، وليس أحد لأحد بعد ذلك عليه سبيل. أما ما يفعل، أما ما يفعل من أن يقتل الأبرياء، أن يقتل أخوه أو أبوه أو من عشيرته، فهذا ظلم، فلا يجوز أن يقابل الظلم بالظلم، أو يقابل كذلك الحق والعدل بالظلم، وإنما يقابل بالحق. فإذا وجد القاتل يقتص منه، وينتظر بذلك ولو سنين، ولو سنين، فإن الله سبحانه وتعالى حكم عدل، وسيظهر ذلك القاتل يوما ما، أو يهلكه الله سبحانه وتعالى. لكن الآن الذين ما يلتزمون بشرع الله سبحانه وتعالى، ترى القتل عندهم سهل للنفس المسلمة، فيقتلون الأبرياء، وبعد ذلك ينتشر الشر في البلاد، ويصبح الناس خائفين من التجول في البلاد بسبب الثأر الموجود بينهم، فهذا يقتل وهذا يقتل هذا، فبدلا من أن يقتل واحد، يقتل من القبيلة أكثر من واحد، يصلون إلى العشرات أو إلى المئات على حسب ذلك الثأر، ويظلون على ذلك سنين وأعواما، يثأر بعضهم من بعض، يثأر بعضهم من بعض. هذا كان موجودا في الجاهلية كما هو معلوم في حرب داحس والغبراء، وكذلك حرب البسوس، هذا قبل الإسلام، أهلكت قبائل بكر وتغلب، وهم أبناء عمومة، يعني نسبهم واحد، أبناء عمومة، ويتزاوج بعضهم من بعض، لكن بسبب الجهل، بدلا من أن يقتل ذلك القاتل، فقتل غير القاتل، وهذا يقتل من هذه القبيلة، وهذا يقتل من هذه القبيلة، وحتى صار بعد ذلك بينهم حروب امتدت إلى أربعين سنة. انظر كيف الجهل، فلو أنهم اقتصروا على قتل ذلك القاتل لانتهى الأمر، وما تُيِّم الأطفال، وما رُمِّلت النساء. فالحال يرثى له أن يعود المسلمون إلى ما كان الناس عليه في الجاهلية من الثأرات والنعرات. فالله سبحانه وتعالى شرع القصاص لأنه هو الحق وهو العدل، فيقيم الناس القصاص. فإذا قتل المقتول وجب على من عرف قاتله أن يسلمه إلى أهل الاختصاص ليقيموا شرع الله فيه، وإذا وجده أولياء الدم كذلك أن يسلموه إلى، إلى من، إلى أهل الاختصاص، إلى أهل الاختصاص وهم أولياء الأمور، ليقيموا شرع الله عز وجل فيه. فلهم أن يطالبوا بهذا إذا أرادوا القصاص، وإذا كان القتل عمدا، إذا كان القتل عمدا لا شبهة فيه. وأما إذا كان خطأ، إذا كان خطأ، قتل بما لا يقتل به عادة، فهذا لا يقتل، وإنما كما أمر الله سبحانه وتعالى في الآيات في سورة النساء، بأن تأخذ منه دية، تأخذ منه دية في القتل الخطأ. في القتل العمد هنا تأخذ ماذا؟ يأخذ كما في الآية، تأخذ تلك النفس التي قتلت تلك النفس. قال: ثم بين تفصيل ذلك فقال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾. قال: يدخل بمنطوقها الذكر بالذكر والأنثى بالأنثى، والأنثى بالذكر والذكر بالأنثى، فيكون منطوقها مقدما على مفهوم قوله: ﴿الْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، مع دلالة السنة على أن الذكر يقتل بالأنثى. يعني قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾، هذا عم من قوله بعد ذلك: ﴿الْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ لأن الأنثى أيضا حرة، فإذا قتلت رجلا قتلت به، وإذا قتل الرجل أنثى قتل بها، قتل بها لأنه قتل حرة. فإذا قتل أي حر من ذكر أو أنثى حرا آخر من ذكر أو أنثى فإنه يقتل به، وقد بينت هذا السنة كما قال رحمه الله. قال: وخرج عموم هذا الأبوان وإن علوا فلا يقتلان بالولد، لورود السنة بذلك، لورود السنة بذلك أن لا يقتل الوالد بالولد. يعني إذا قتل والد ولده هل يقتل به؟ السنة بينت أنه لا يقتل الوالد بمن؟ بالولد، لأنه الأصل، لأنه الأصل في وجود هذا الولد. لكن بعض أهل العلم قال يقتل به من باب التعزير، أما حدا فلا، أما حدا فلا، أي فليس على الوالد حد إذا قتل ابنه، إذا قتل ابنه فليس هناك عليه حد. لكن هل يجوز أن يقتل تعزيرا؟ نعم يجوز أن يقتل تعزيرا بما يراه ولي الأمر، كأن قتل ولده مثلا غيلة، مثلا ولده غيلة، لأن يكف شره، بأن كان هذا الوالد شريرا، يرى ولي الأمر أنه يقتل من أجل كف شره عن باقي الأبناء أو باقي الأسرة، فله ذلك، فيقتل من باب التعزير لا من باب الحد. فإذا كان من باب الحد فلا يقتل به. والعكس إذا قتل الولد أباه، أن يقتل به، أن يقتل به، إذا قتل الولد الوالد فإنه يقتل، فإنه يقتل، بل هذه جناية أعظم، هذه جناية أعظم، أن يقتل الولد أباه، لأن الشرع جاء بأن الولد يكون ماذا؟ يخفض لوالديه جناح الذل من الرحمة، فكيف بأن يصل بأن يقتل أباه؟ هذا من أشد العقوق، يدخل أيضا فيه العقوق، وقد ارتكب عدة جرائم، ومنها العقوق، فالقتل هذا جريمة كبيرة. قال: وخرج من عموم هذا الأبوان وإن علوا فلا يقتلان بالولد لورود السنة بذلك، مع أن قوله في قوله القصاص ما يدل على أنه ليس من العذر أن يقتل الوالد بولده، ولأن ما في قلب الوالد من الشفقة والرحمة ما يمنعه من القتل لولده إلا بسبب اختلال في عقله أو أذية شديدة جدا من الولد. يعني ما الداعي أن يقتل الوالد ولده؟ الأصل أن الوالد يريد أن يكون هذا الولد حيا، هذا هو الأصل، فما الداعي لأن يقتل الوالد ولده إلا أن يكون هذا الوالد مختلا عقليا، يعني مجنونا، بأن يكون مجنونا فيقتل ولده، وإلا الأصل أن الرحمة والشفقة موجودة في قلب الوالد، فهو السبب في وجوده ويحب أن يعيش ولده، بل لو خير بين أن يقتل ويموت ويبقى الولد لاختار أن يقتل ويموت ويبقى ولده، وهذا مما جعله الله عز وجل في قلوب الآباء من الرحمة، من الرحمة. قال: أو أذية شديدة جدا من الولد له، أو أن الولد مؤذي يؤذي أباه، فجعل الوالد عقوبة له بأن قتله. قال: وخرج من العموم أيضا الكافر، بالسنة، مع أن الآية في خطاب المؤمنين خاصة، وأيضا فليس من العدل أن يقتل ولي الله بعدوه، وهذا جاءت السنة مبينة هذا العموم، مع أنه ليس داخلا في عموم قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، لأن الخطاب للمؤمنين، فلا يدخل فيه الكافر، لكن بينت السنة أيضا أنه لا يقتل مسلم بكافر، كما في حديث علي رضي الله عنه: «أن لا يقتل مسلم بكافر». فلو قتل المسلم الكافر لا يقتل به، لا يقتل به. وهل يقتل تعزيرا؟ الجواب: نعم، إذا علم شر هذا المسلم. التعزير يختلف هنا، الآية في إقامة الحد، هنا الآية في إقامة الحد، أما من باب التعزير فهناك آية تسمى آية التعزير، وهي التي في سورة المائدة، في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾، هذه عامة، يدخل فيها المسلم، ويدخل فيها الكافر، ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، هذه، هذه الحرابة، فيها التعزير، يجوز لولي الأمر أن يقتل تعزيرا، ولكن حدا لا يقتل مسلم بكافر، ولا يسلم ولي الله لعدو الله. قال: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، ذكرا كانوا أو أنثى، تساوت قيمتهما أو اختلفت. يعني العبد بالعبد، تقدم الحر بالحر، والآن قال: ﴿الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، أيضا العبد بالعبد، وإن اختلفت القيمة، بأن كان أحدهما مرتفع القيمة والآخر أقل قيمة منه، فلا دخل للقيمة في هذا، وإنما هنا نفس بنفس، العبد بالعبد. قال: ودل بمفهومها على أن الحر لا يقتل بالعبد، يعني مفهوم الآية، لأنه قال: ﴿الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، ولم يقل: الحر بالعبد أو العبد بالحر، فمفهوم الآية أنه لا يقتل ماذا؟ حر بعبد. قال: أن الحر لا يقتل بالعبد لكونه غير مساوٍ، لكونه غير مساوٍ له، وهذا هو الصحيح أنه لا يقتل الحر بالعبد. قال: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، أخذ بمفهومها، أو أخذ بمفهومها بعض أهل العلم، فلم يجز قتل الرجل بالمرأة، وتقدم وجه ذلك، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام الحد، أقام الحد في ماذا؟ في من قتل امرأة، فأقام عليه الصلاة والسلام الحد عليه. فبعض أهل العلم يقول: لا يقتل الرجل بالمرأة، أخذ بمفهوم هذه الآية، لأنه هنا استثنى فقال: ﴿الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، فخرجت من عموم قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾، من ماذا؟ من المفهوم، وليس من المنطوق. ولكن بينت السنة أن أيضا الذكر يقتل بالأنثى. طيب، نكتفي بهذا إلى هنا، والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.