تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 5

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 5

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير ابن سعدي لآيات الوصية والمواريث

يشرح ابن سعدي الخلاف حول نسخ آية الوصية بآية المواريث، مرجحاً الجمع بينهما بجعل الوصية للمحجوبين من الميراث. ويبين أن إثم تبديل الوصية بعد سماعها يقع على المبدلين لا على الموصي.

أحكام الوصية: حد الثلث، إثم المبدل، والوصية الجائرة

يحدد المقطع حد الوصية بالثلث استناداً لحديث سعد بن أبي وقاص، ويؤكد إجماع الجمهور على جوازها مع تحريم الحيف والجنف. كما يوضح أن الخطأ غير المتعمد في الوصية يرد بلا إثم، بينما الخطأ المتعمد أو الجور يجعلها آثمة وترد، مع حث على الصلح بين الموصى لهم.

إصلاح الوصية الجائرة وختام الدرس

يحث الدرس على إصلاح الوصية الجائرة من قبل الموصى إليهم أو الورثة لرفع الإثم عن الموصي. ويختتم بالثناء على الآيات الكريمة والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال العلامة ابن سعدي رحمه الله تعالى في تفسير قول الله عز وجل: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم﴾. إذا ذكر في الآية الأولى الجمعة بينها وبين آية المواريث التي في سورة النساء، وهي قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾، وذكر هنا قولين لأهل العلم، وأن الجمهور يرون أن هذه الآية التي في البقرة منسوخة بآية المواريث، وأيضا بحديث ابن عباس: «لا وصية لوارث». وبعض أهل العلم يرى عدم النسخ، وأنه يجب الوصية للوالدين، وبعضهم كذلك يرى أنها عامة مخصوصة بآية المواريث، وأن الآية محكمة لا نسخ فيها، وبقي حكم الوالدين أو الأقربين غير الوارثين الذين يكونون محجوبين بشخص أو وصف، يعني من موانع الحجب إما بالوصف وإما بشخص، سواء كان حجب نقصان أو حجب حرمان، مع أن الوالدين لا يحجبان حجب حرمان. فيرى المؤلف رحمه الله تعالى الجمع مع تلك الآية إذا أمكن، وأنه يوصى لهما، أي من كان محرما من الميراث فإنه يوصى له، كالوالدين المحجوبين بشخص أو بوصف، وكذلك الأقرب المحرومون من الميراث يوصى لهما. وهذا الجمع الذي سلكه المؤلف رحمه الله هو قول ابن جرير رحمه الله. ثم قال هنا: ولما كان الموصي قد يمتنع من الوصية لما يتوهمه أن من بعده قد يبدل ما وصى به، قال تعالى: ﴿فمن بدله﴾، أي الإيصاء للمذكورين أو غيرهم، يعني إذا خشي الموصي أن من سيوصى لهم ربما يبدله، قال: ﴿فمن بدله﴾، أي الإيصاء للمذكورين أو غيرهم ﴿بعدما سمعه﴾، أي بعدما عقله وعرف طرقه وتنفيذه، ﴿فإنما إثمه على الذين يبدلونه﴾. طبعا المؤلف هنا دائما يذكر القول الراجح في المسألة، ولا يسترسل في ذكر الأقوال، لأن هناك أقوالا كثيرة في هذه المسائل من مسائل أو أبواب العلم، فهو تفسير مختصر ليس تفسيرا مطولا يذكر في كل مسألة تحت كل آية، وإنما يذكر ما رجح له رحمه الله تعالى. قال: ﴿فإنما إثمه على الذين يبدلونه﴾، وإلا فالموصي وقع أجره على الله، يعني إذا وصى شخص لأناس معينين ثم قام الورثة بعدم تنفيذ تلك الوصية، عدم تنفيذ تلك الوصية، فالإثم لا يقع على الموصي وإنما يقع على من بدل الوصية، وإنما الإثم على المبدل المغير. ﴿إن الله سميع عليم﴾، يسمع سائر الأصوات، ومنه سمعه لمقالة الموصي ووصيته، فينبغي له أن يراقب من يسمعه ويراه، وأنه لا يجور في وصيته. هنا قال: ﴿إن الله سميع عليم﴾، يعني فليحذر من تبديل الوصية لأن الله يسمع ويعلم، الله يسمع ويعلم، فربما بعضهم يبدل هذه الوصية، ﴿عليم﴾ بنيته، وعليم بعمل الموصى إليه، فإذا اجتهد الموصى وعلم الله من نيته ذلك أثابه ولو أخطأ. وفيه التحذير، قال: وفيه التحذير للموصى إليه من التبديل، يعني من الورثة الذين يرثون، يحذروا من التبديل، لأنه وصاهم، وصاهم بأن يجعلوا لفلان كذا، ولابد أن يكون ذلك في الثلث كما في حديث سعد رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «الثلث، والثلث كثير»، لما أراد أن يوصي بماله كله منعه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، فقال: الثلثين؟ فقال: لا، إلى أن وصل إلى الثلث، فقال: «الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». وبعض أهل العلم لا يرى الوصية، ولكن الصحيح قول جمهور أهل العلم أنه يجوز للشخص أن يوصي بثلث ماله، بثلث ماله، كما في حديث سعد رضي الله عنه. قال: ﴿فإن الله عليم به﴾، مطلع على ما فعله، فليحذر من الله. هذا حكم الوصية العادلة، وأما الوصية التي فيها حيف وجنف وإثم، فينبغي لمن حضر الموصي وقت الوصية بها أن ينصحه بما هو الأحسن والأعدل، يعني بأن يوصي بحرمان بعض الوارثين أو كلهم، المهم أن يوصي بحرمانهم، وصية فيها حيف وجور وظلم، فينبغي لمن حضر الوصية أن ينصحه، قال: أن ينصحه بما هو الأحسن والأعدل، وأن ينهاه عن الجور والجنف، وهو الميل بها عن خطأ من غير تعمد، والإثم وهو التعمد لذلك. إذا كان غير متعمد، متعمد هذا الموصي، فإنه لا جناح عليه إذا كان غير متعمد، لكن ترد وصيته ولا تنفذ الوصية، وإن كان متعمدا فهو آثم، وكذلك ترد الوصية إذا كان فيها جور وظلم وحيف. قال: فإن لم يفعل ذلك، فينبغي له أن يصلح بين الموصى إليهم، ويتوصل إلى العدل بينهم على وجه التراضي والمصالحة، ووعظهم بتبرئة ذمة ميتهم، فهذا قد فعل معروفا عظيما، وليس عليه إثم كما على مبدل الوصية الجائزة، ولهذا قال: ﴿إن الله غفور رحيم﴾، أن يغفر جميع الزلات ويصفح عن التبعات لمن تاب إليه، ومنه مغفرته لمن غض من نفسه وترك بعض حقه لأخيه، لأن من سامح سامحه الله، وهكذا ينبغي أن يجنح ويلجأ إلى العفو وإلى كذلك التسامح في مثل هذه الأمور، وهي أمور الوصية، وخاصة لمن لم يكن من الورثة بأن أوصى لهم الواصي، أي قبل أن يموت أوصى بالثلث من ماله لبعض أقربائه وأرحامه، ينبغي عليهم أن يفعلوا ذلك، ينفذ الوصية ويتسامح، ومنهم من يجعل بعض حقه لغيره، فهذا خير. قال: ﴿غفور﴾ لميتهم الجائر في وصيته إذا احتسبوا بمسامحة بعضهم بعضا لأجل براءة ذمته، لأجل براءة ذمة الميت، إن جار في وصيته يتسامحون فيما بينهم حتى لا يقع الإثم على الموصي. قال: ﴿رحيم﴾ بعباده حيث شرع لهم كل أمر به يتراحمون ويتعاطفون. فدلت هذه الآيات على الحث على الوصية، الحث فيها على ماذا؟ الوصية ليست بواجبة على قول جمهور أهل العلم، لأن هذه الآية هي آية الوصية، آية الوصية، فذكرت الوصية في هذا بقوله: ﴿كتب عليكم﴾، فهذه آية الوصية، وهنا ليست بواجبة عند جماهير العلماء. وللموصي أن يتراجع عما أوصى به حال حياته، ما دام حيا له أن يتراجع، فإن أوصى لفلان بكذا ثم تراجع جاز له ذلك. قال: وعلى بيان من هي له، وعلى وعيد المبدل للوصية العادلة، فكانت وصية عادلة، فإنه لا يجوز تبديل هذه الوصية، لأن الله عز وجل قال: ﴿فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه﴾، أي يبدلون الوصية بأن لا يعطوا من أوصي لهم. قال: والترغيب في الإصلاح في الوصية الجائرة، وإذا كانت الوصية جائرة يصلحونها، يصلحها الموصى إليهم، يصلحها الورثة لألا يقع الإثم على الموصي. طيب، وهذا نكون تهين من هذه الآيات الكريمات، إلى هنا والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.