الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع أن الأصل في القتل العمد هو القصاص، والدية بديل عنه مشروعة. ويبين أن العفو يستوجب اتباعاً بالمعروف من الأولياء وأداءً بإحسان من القاتل دون إجحاف.
يؤكد المقطع وجوب أداء الديون والديات بالمعروف والإحسان دون مماطلة أو إجحاف. ويحض الدائن على الصبر على المعسر محتسباً الأجر، مبيناً فضل العفو عن القاتل مجاناً.
يوضح المقطع أن مرتكب الكبيرة كقتل النفس لا يكفر بل يبقى مؤمناً تحت مشيئة الله مستدلاً بآية القصاص. ويبين أن عفو أحد الأولياء يعصم دم القاتل، ومن اعتدى بعد العفو توعده الله بالعذاب الأليم.
توضح الآية أن من يعتدي بعد عفو أولياء المقتول عن القاتل يستحق عذاباً أليماً في الآخرة. وتعتبر هذه الآية محكمة في باب القصاص دالة على حفظ الدماء وحقوق الأولياء.
بسم الله الرحمن الرحيم قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسير قول الله عز وجل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، أو قال في تفسيره سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية. قالوا: في هذه الآية دليل على أن الأصل وجوب القود في القتل، وأن الدية بدل عنه. فلهذا قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. الأصل فيمن قتل شخصاً عمداً أنه يقاد به، أي يقتل به، كما تقدم في الآية: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. وأما المستثنيات فقد جاءت في أدلة أخرى، مثل أن لا يقتل مسلم بكافر، وأن لا يقتل الوالد بولده، وأن لا يقتل كذلك الحر بالعبد. هذا جاء في السنة. فالأصل في القصاص أن الشخص إذا قتل شخصاً آخر أنه يقاد به، وأن الدية بدل عن القصاص. فلهم أن يفتدوا به إذا لم يرد أهل الدم، أولياء المقتول، يريدوا القصاص من القاتل، فلهم أن يأخذوا الدية. قال: فلهذا قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. أي: عفى ولي المقتول عن القاتل إلى الدية، أو عفى بعض الأولياء، فإنه يسقط القصاص وتجب الدية، وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي. لهذا قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، فإنه يكون فيه الدية، سواء كان عفى بعضهم أو عفى كلهم. فلو عفى بعضهم عن القاتل سقط القصاص، يعني ممن لهم الحق في القصاص وهم أولياء المقتول. قال: فإذا عفى عنه وجب على الولي، أي ولي المقتول، أن يتبع القاتل بالمعروف، من غير أن يشق عليه، ولا يحمله ما لا يطيق، بل يحسن الاقتضاء والطلب، ولا يحرجه. أي: لهم أن يتصالحوا ويتفقوا على مقدار معين من الدية، لأنهم عفوا عن القصاص، والقصاص حقهم، فلهم أن يطلبوا مقابل العفو عن القصاص أكثر من الدية. لكن الأولى أن يأخذ الدية، لأن الآية قالت: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، أي لا يشق على القاتل بحيث لا يستطيع. وما يفعله الآن بعض القبائل هنا في هذه البلاد أو في غيرها، هذا مخالف للشريعة. يحملون القاتل ما لا يطيق، بأن يطلبوا أضعاف أضعاف الدية حتى يشق على ذلك القاتل من أجل أن يعفو. فينبغي الأخذ بهذه الآية الكريمة، لأن الله عز وجل يقول: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، يعني ما تعرف عليه الناس، فيأخذ الدية كاملة، هدية المقتول، وهي مئة من الإبل. أما أن يطلب زيادة على ذلك أضعاف أضعاف الدية، فهذا تحميل للقاتل ما لا يطيق، فيبقى ذلك القاتل في السجن سنين ربما لكي يجمع تلك الدية. قال: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. أي: على القاتل أداء إليه بإحسان، أن يؤدي تلك الدية أو ما زاد عنها من المال، لأنهم عفوا عن القتل، فأسقطوا القصاص من أجل أخذ الدية، ﴿مِنْ غَيْرِ مُضَارٍّ وَلَا إِثْمٍ﴾. أي: لا يسيء القاتل إلى أولياء المقتول، ولا يماطلهم في الدية، ولا ينقص من حقهم، لأنهم عفوا عن قتله وأخذه. لهذا ينبغي عليه أن يسارع في أداء الدية. قال: ﴿فَهَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. وهذا ليس في قتل الخطأ، أما قتل الخطأ فقد حددت الدية في ذلك. إنما هذا العفو عن الطلب والأخذ بالقصاص، فلهم أن يتصالحوا ويتفقوا إما على الدية كاملة، أو كذلك على ما زاد عليها بالمعروف، ﴿إِلَّا الْإِحْسَانَ بِالْقَضَاءِ﴾. وهذا مأمور به في كل ما ثبت في ذمم الناس للإنسان. مأمور من أنه، أو من له الحق، بالاتباع بالمعروف، ومن عليه الحق بالأداء بالإحسان. يعني هذا، وهو قوله سبحانه: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، هذا عام، ليس فقط في هذا الباب، وهو أن يؤدي ما عليه كاملاً موفراً، لأن الله عز وجل يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. بل هذا عام في كل المعاملات بين الناس، فإنه إذا كان على شخص مال لشخص آخر، فعليه أن يؤدي هذا الحق بالمعروف، ويؤديه كذلك بالإحسان، دون مماطلة، ودون إساءة بالكلام على صاحب الحق. لأن بعضهم قد يسيء بالكلام لك على شخص ضيع، فيقوم هذا بالإساءة إليك. فبدل من أن يقابل الإحسان بالإحسان، يقابله بالإساءة، وهذا غير مطلوب. وإنما المطلوب أن تؤدي ما عليك من الحق لأصحاب الحق بالمعروف، وتؤديه بإحسان دون إساءة. وعلى الآخر أن يصبر، لأن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. يعني يصبر على الناس إذا كان له دين عليهم، يصبر، وهذا جزاؤه عظيم عند الله عز وجل. الذي يدائن الناس ويصبر عليهم، هذا يرجى له الرحمة والمغفرة من الله، كما جاء في الحديث: كان رجل يدائن الناس ويصبر عليهم، ويقول لفتاه، يعني إذا رأيت الرجل ليس معه شيء فاصبر عليه، لا تأخذ منه شيء، لعل الله يتجاوز عنه. يقول لفتاه، يعني لعامله الذي يشتغل عنده: من أدى إليك فاقبل، ومن لم يؤد إليك ويقول ما عندي شيء تجاوز عنه، يعني اصبر عليه حتى يؤدي الذي عليه، لا تكون في ذلك ماذا، مطالباً بقوة، وإنما اصبر. فهذا الرجل يتجاوز عن المعسر وينظر المعسر، يتجاوز عن الموسر وينظر المعسر. فلما لقي الله عز وجل قال: تجاوز عنه، فتجاوز الله عنه، لأنه كان يتجاوز عن الناس. فالمعاملات مثل هذه إذا قومت بين الناس حصل الخير الكثير، حصل الخير الكثير. فمن عليه حق للناس ينبغي أن يسارع في أدائه، حتى لا يموت ويلقى الله عز وجل وعليه حقوق للناس، لأن حقوق الناس مبنية على المشاحة والمطالبة بها يوم القيامة، كما جاء في صاحب الدين الذي عليه الدين، فينظر حتى يؤدي ما عليه. فلهذا الأمر ليس بالأمر الهين. فلا تطلب فقط أن الناس يتجاوز عنك وأنت عليك حقوق للناس، بل أنت ينبغي أن تسارع في أدائها. ومن أخذ أموال الناس يريد أدائها، أدى الله عنه، أي أعانه على أدائها، لأن نيته أن يؤديها متى ما تيسرت له فيؤديها لهم، فيعينه الله على الأداء بالنية الصادقة الحسنة التي يعلمها الله عز وجل في قلبه. وأما ذلك الذي يأخذ أموال الناس يريد تلفها، فالله عز وجل لا يعينه، وربما يموت وعليه حقوق للناس، فيأتي يوم القيامة وقد أخذ مال هذا وهكذا، كما في حديث أبي هريرة: فيأخذون من حسناته وتحط في حسناتهم، ثم تطرح من سيئاتهم عليه. هذا بسبب ماذا؟ بسبب أنه أخذ حقوق الناس وظلم الناس، ولم يرد أداء تلك الحقوق قبل أن يلقى الله سبحانه وتعالى، وعلم الله عز وجل ما في قلبه. فحقوق الناس ينبغي أن تؤدى. فمن أخذ أموال الناس يريد أداء، هدى الله عز وجل وأعانه على ذلك الأداء. قال: وفي قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ ترقيق وحث على العفو إلى الدية. وأحسن من ذلك العفو مجاناً. يعني: أحسن من أن تأخذ الدية أن تعفو مجاناً عن ذلك القاتل. لو قتل حتى تلك النفس، فإنه أحسن منه. ماذا؟ أحسن من أخذ الدية والعفو عن القصاص أن تعفو عنه لوجه الله سبحانه وتعالى، فيكون لك الأجر العظيم. أي: يا صاحب الدم، ويا ولي المقتول، إذا عفوت عن القاتل، لعل الله عز وجل أن يوفقه للتوبة النصوح، ويحسن حاله، ويعمل من الصالحات ما يقربه إلى الله عز وجل، ويستغفر الله، ويستغفر للمقتول، فتكون لك الأجر العظيم عند الله سبحانه وتعالى. قوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾، دليل على أن القاتل لا يكفر. لا كما أصحاب التكفير الذين يكفرون بمجرد ارتكاب الكبيرة. أهل التكفير الذين يكفرون بمجرد ارتكاب الكبيرة، يقولون: هذا قاتل ارتكب كبيرة فهو كافر. هؤلاء هم الخوارج. قال: لا يكفر، لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإيمان. فمن عفي له من أخيه، من أخيه المؤمن، لأن الآية في سياق ماذا؟ في سياق المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. فالخطاب للمؤمنين. فسمى الله عز وجل القاتل ماذا؟ مؤمناً، لقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فهذا رد، أي في الآية رد على أصحاب التكفير الذين يكفرون بارتكاب الكبيرة، خلافاً لمنهج أهل السنة والجماعة. قال: فلم يخرج بالقتل منها، ومن باب أولى النوائر المعاصي التي هي دون الكفر، لا يكفر بها. مع أن القتل معصية كبيرة، كبيرة من كبائر الذنوب. القتل ليس هيناً. هذا القتل جاءت فيه أحاديث كثيرة، والوعيد فيه شديد: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾. وهذه الآية لها تفسير عند أهل العلم من حيث الخلود في النار، لأنه لا يخلد إلا الكافر المشرك. أما هذا عاصٍ، فالمراد به المكث الطويل، المكث الطويل. وقد يعفو الله عز وجل عنه، قد يعفو الله عز وجل عنه إذا كان من أهل التوحيد. فأهل التوحيد كذلك، كما في منهج أهل السنة والجماعة، هم تحت المشيئة، لأن الله عز وجل قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فالقاتل تحت المشيئة، آكل الربا تحت المشيئة، الزاني تحت المشيئة، وهكذا أرباب الكبائر كلهم تحت المشيئة. فإذا سائر المعاصي التي هي دون الكفر ودون الشرك لا تخرج المسلم من دائرة الإسلام، ويبقى مسلماً، يبقى مسلماً، فلا يكفر بارتكابه للكبيرة، خلافاً لهؤلاء الذين يكفرون المسلمين، يكفرون أمماً وشعوباً. لأن الربا مثلاً انتشر، أو الزنا انتشر، أو المعازف انتشرت، ونحو ذلك، أو الخمور انتشرت. هذه كلها كبائر، لكن لا تخرج من دين الإسلام، لا تخرج من دين الإسلام. فما داموا على التوحيد فإنهم يبقون على الإسلام. قال: لا يكفر بها فاعلها، وإنما ينقص بذلك إيمانه. وإذا عفى أولياء المقتول، أو عفى بعضهم، احتقن دم القاتل وصار معصوماً منه ومن غيرهم. يعني: إذا عفى الأولياء، ولو واحد منهم، أي من أولياء، قال: أنا لا أريد القصاص، وله الحق، وهم ما يسمون بالعصبة والعقل والعاقلة. قال: أنا ما أريد، ما أريد القصاص، عفوت عن القصاص. فهنا احتقن دمه وعصم دمه. ولهذا قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾، أي: بعد العفو، جاء واحد قال: لا، أنا أريد. لأن بعضهم يكون في قلبه حمية، يكون في قلبه حمية من أولياء المقتول، يقول: ولو عفوا أولئك، يتربص بالقاتل، يتربص بالقاتل. فهذا الذي يتربص بالقاتل بعد العفو، ولو من واحد من أولياء الدم، هذا متوعد من الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يدل على أن المسألة خطيرة. المسألة ليست هينة، أن يتربص بالقاتل بعد ماذا؟ بعد العفو. فالله عز وجل توعده بالعذاب الأليم، قد يكون العذاب في الدنيا قبل الآخرة، بأن يعذبه الله سبحانه وتعالى وينكل به. قال: أي: بعد العفو، فله عذاب أليم، أي في الآخرة. وأما قتله وعدمه فيأخذ مما تقدم، لأنه قتل مكافئاً له، فيجب قتله بذلك. قال: وأما من فسر العذاب الأليم بالقتل، وأن الآية تدل على أنه يتعين قتله، ولا ولا يجوز العفو عنه، وبذلك قال بعض العلماء. والصحيح الأول، لأن جنايته لا تزيد على جناية غيره. إذن بعض العلماء فسر العذاب الأليم في حق القاتل، وليس في حق ماذا؟ في حق الأولياء الذين عفوا. بل الآية، الصحيح يقول رحمه الله تعالى، أنها تدل على أن من اعتدى بعد ذلك، أي بعد أن عفوا أولياء المقتول على القاتل، فله عذاب أليم في الآخرة. فإذن هذه الآية آية محكمة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين. إلى هنا والحمد لله رب العالمين.