الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 77، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي آية البقرة 248 مبيناً أن التابوت كان معجزة تؤيد ملك طالوت، ويستعرض تاريخه منذ موسى حتى عصر شمويل وكيف ضيعه بنو إسرائيل بمعصيتهم ثم طلبوا ملكاً فاختار الله طالوت فاعترضوا لقلة ماله.
أخبر النبي قومه أن علامة ملك طالوت هي مجيء التابوت فيه سكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة، فاعترضوا رغم صفاته وتمكين الله له، فلما جاء التابوت انقادوا ثم جندهم طالوت وميز الصابرين قبل القتال.
أراد طالوت تمييز الصابرين المطيعين فابتلاهم بنهر وأمرهم ألا يشربوا إلا غرفة باليد، فشرب أكثرهم وعصوا فتبرأ منهم، وبقي القلة الذين صبروا وأطاعوا ثم عبر النهر هو والمؤمنون بينما اعترف العاصون بعجزهم عن مواجهة جالوت وجنوده.
شعر الذين عبروا مع طالوت بالاستضعاف، لكن أهل الإيمان الكامل شجعوهم بآية ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةٍ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فثبتوا وصبروا لقتال جالوت وجنوده، ويشير المؤلف إلى أنه سيكمل العبر في درس قادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 248]. قال: لو كان هذا التابوت قد استولت عليه الأعداء، فلم يكتفوا بالصفات المعنوية في طالوت، ولا بتعيين الله له على لسان نبيهم، حتى يؤيد ذلك بهذه المعجزة. لهذا قال: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾. وهذه الحادثة حصلت، أو هذه القصة حصلت بعد موسى -كما تقدم- بزمن، ومن أهل التاريخ والسير من يقول: إن بين موسى وداود ألف سنة، ومنهم من يقول أكثر من هذا. فلهذا فترة كبيرة بين هذه القصة وبين موسى وهارون، إلا أن الله عز وجل نصر من كان من الأنبياء من بني إسرائيل لما كانوا على استقامة، كما قال بعض السلف: وكان معهم التابوت فيه سكينة من ربهم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، يكون مع الأنبياء ويحافظون عليه، وكذلك يكونونهم على استقامة، فينصرهم الله عز وجل. حتى ضيع بعض ملوكهم، ضيعوا، وأيضًا سُرقت عليهم التوراة، شاء بعض الملوك وأخذ عليهم التوراة، يقال أنه بختنصر، ويقال غيره، وقتل اليهود وشردهم، حتى أنهم بعد ذلك لما جاءهم هذا النبي -يقال أنه شمعون، شمعون بالعبرية: معنى سمع الله أو سمع الله- فلما جاء شمعون، وكان قد نبت نباتًا حسنًا وعلى استقامة، فجعله الله عز وجل من أنبياء بني إسرائيل، فطلبوا منه أن يجعل لهم ملكًا، فجعل لهم طالوت ملكًا، لكنهم لم يوافقوا على هذا، واعترضوا على طالوت، وأن يكون له الملك علينا، ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال، فاعترضوا على طالوت. فقال لهم نبيهم: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكًا، وقال لهم بعد ذلك: ﴿ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾. هذا التابوت الذي قد استولى عليه الأعداء، فإن طالوت سيأتي به. لما لم يكتفوا بالصفات المعنوية في طالوت، أنه أعطاه الله عز وجل بسطة في العلم والجسم، في العلم والجسم، ولهذا ذكر الإمام الشنقيطي رحمه الله أن مما ذكره العلماء في الأمير أو الحاكم أن يكون عالمًا، وهي من شروط الكمال، أن يكون عالمًا خبيرًا بالحروب، وأيضًا عنده معنويات عظيمة من ناحية جسمه، ومن ناحية أيضًا إقدامه وشجاعته، وهذه قد توفرت في طالوت، هذا الملك الذي جعله نبيهم، لكنهم لم يكتفوا بهذه، وعارضوا على هذه الصفات، بل ولا بتعيين الله له على لسان نبيهم. فأنا هذا أيضًا لم يكتفوا بالأشياء المعنوية، ولا أيضًا بتعيين الله له على لسان نبيهم، أن لو كان أولاء منقادين، قالوا: هذا مادام أنه من الله فنحن لا نعترض على حكم الله جل وعلا، لكن اعترضوا فوق هذا. إلا أن الله عز وجل قال لهم: ﴿ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ﴾، ثم قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾. أنا هذه آية لكم، وأيضًا أمر عظيم تنتفعون به. قال: فحينئذ سلموا وانقادوا. فلما ترأس فيهم طالوت، وجندهم ورتبهم، أو قال: وجندهم ورتبهم، وفصل بهم إلى قتال عدوهم، وكان قد رأى منهم من ضعف العزائم والهمم ما يحتاج إلى تمييز الصابر من الناكل. أنا لما رأى هذا، أي نبي الله، هذا النبي أو طالوت، رأى أن عزيمتهم ليست تلك العزيمة للفي الحرب، وإنما عندهم الكسل، وعندهم أيضًا التباطؤ والاعتراض، ومن هذه الأمور، لكن ليس المراد كلهم، وإنما حصل هذا الأمر فيهم، وعرف داود أو طالوت أن فيهم أناسًا شجعان، وأناسًا يحبون دين الله ونصره والجهاد في سبيل الله. فلما أراد أن يميزهم جاء لهم بفكرة هذا النهر، وقد يكون أيضًا من أن الله عز وجل أوحى إلى نبيه فأخبر طالوت بذلك، أو قد يكون اجتهادًا من نفسه، والله أعلم. فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ [البقرة: 249]. هنا نسب الأمر إلى الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ﴾، تمرون عليه وقت حاجة إلى الماء، فمن شرب منه فليس مني. أنا أراد أن يختبر طاعتهم، لأنهم لو كانوا جادين، ولو كانوا أهل عزيمة صحيحة وأهل دين، لانقادوا لأميرهم ولملكهم. قال: ﴿ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾، أي: لا يتبعني، لأن ذلك برهان على قلة صبره ووفور جزعه، يعني أنه ليس من الصابرين الذين يثبتون في الحرب، وليس من من يطيع الأمراء. ﴿ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾، قال: أي فإنه مسامح فيها. فلما وصلوا إلى ذلك النهر، وكانوا محتاجين إلى الماء، شربوا كلهم منه إلا قليلا منهم، فإنهم صبروا ولم يشربوا. فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه، قالوا: أي الناكلون، أو الذين عبروا، أن الناكلين عن الماء لم يشربوا، والذين عبروا لم يشربوا، وأما الآخرون فقد تبرأ منهم طالوت. فهؤلاء أيضًا قالوا: ﴿ لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾ [البقرة: 249]. قال: فإن كان القائلون هم الناكلين، فهذا قول يبررون به نكولهم، أي الرافضين، الناكل هو الرافض. وإن كان القائلون هم الذين عبروا مع طالوت، فإنه حصل معهم نوع استضعاف لأنفسهم، ولكن شجعهم على الثبات والإقدام أهل الإيمان الكامل، حيث قالوا: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]، أي: بعونه وتأييده ونصره. فثبتوا وصبروا لقتال عدوهم جالوت وجنوده. فهذا ما ذكره المؤلف رحمه الله. إن شاء الله نكمل ما تبقى في درس آخر، سيذكر المؤلف العبر من هذه القصة. طيب.