تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 16

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 16

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

النهي عن موالاة الكفار وتفصيل أحكام التولي

يشرح العلامة السعدي آية النهي عن اتخاذ المؤمنين للكافرين أولياء، مبيناً أن التولي نوعان: تولٍ في الدين وهو كفر مخرج من الملة، وتولٍ لأمر الدنيا وهو محرم كبير لكنه ليس كفراً، مع تأكيد وجوب مخالفة الكفار والبراءة منهم ظاهرياً وباطنياً.

الفرق بين التولي المحرم والتقية الجائزة وحكم موالاة القلب

يبيّن المقطع أن موالاة الكفار ومحبتهم بقلب ينصر دينهم كفر مخرج من الملة مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، ويُفرّق تفصيلاً بين التولي المحرم (محبة القلب ونصرة الدين) والتقية الجائزة (المسالمة الظاهرة والمهادنة باللسان) عند الخوف أو الضعف، مع وجوب بقاء العداوة والبغضاء في القلب للكافرين حتى يؤمنوا اقتداءً بإبراهيم عليه السلام.

الإكراه على الكفر والمهادنة مع الكفار للمصلحة الشرعية

يوضح المقطع أن محبة الإيمان في القلب لا يُكره عليها أحد، ويجوز إظهار الكفر تقيةً تحت الإكراه مع اطمئنان القلب بالإيمان، كما يستدل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في مصالحة الكفار (كصلح الحديبية) على جواز مهادنة الحكام للمسلمين للكفار إذا تحققت مصلحة شرعية كالتفرغ للدعوة، محذراً من موالاة الكفار وتقديم خشيتهم على خشية الله.

ولاية المؤمنين لبعضهم البعض وتحذير من موالاة الكفار

تؤكد الآية أن المؤمنين والمؤمنات أولياء بعضهم بعضاً، مما يلزم المسلم بموالاة إخوانه في الإيمان ونصرهم والبراءة من أعدائهم، كما تحذر بشدة من اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين بديلاً عن ولاية الله ورسوله والمؤمنين، والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾. فهذه الآية، قال العلامة السعدي: هذا نهي من الله وتحذير للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فإن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، والله وليهم. ومن يفعل ذلك التولي فليس من الله في شيء، أي فهو بريء من الله والله بريء منه، ومن يتولهم منكم كقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾. فهذه الآية هي من الآيات التي جاء فيها النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين. وهذا الذي قد قررناه في كلام شيخ الإسلام، يريد أن يبين رحمه الله مثل هذا: أن أهل الإيمان بعضهم أولياء بعض، لا يتولون الكفار. ومعنى لا يتولونهم: أي لا يحبونهم، ولا ينصرونهم، ولا يكونون معهم في شيء من هذه الأمور. بل الواجب عليهم أنهم يخالفونهم فيما اختصوا فيه. وهنا ذكر ربنا جل وعلا قوله: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾، أو قال المؤلف: فقوله ﴿ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾، فليس من الله في شيء، أي تبرؤ من هؤلاء. ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾. فالتولي لا يجوز، والتولي على قسمين: منهما ما هو كفر بالله، وهو أن يتولهم في دينهم، فهذا كفر بالله جل وعلا. ومن التولي ما ليس بكفر، وهو إن كان لأمر الدنيا. معنى يتولهم لأمر الدنيا: فإن كان لأمر دنيا فهو ليس من الكفر، لكن لا يجوز توليهم في العموم، سواء كان لأمر الدين. والمراد لأمر الدين: أي أن يحب دينهم، أو يحبهم لأجل دينهم، أو يثني على دينهم، وغيرها من هذه الأشياء، فهذا لا شك في كفره. وأما إن كان يحبهم لدنيا، أنه أعطاه الكافر شيئًا فألقى محبته في قلبه، مع أن هذا لا يجوز، لكنه في أمر الدنيا لا دخل له في الدين، فهي ليست نصرة لأجل الدين، لكنه لا يجوز محبة الكفار. لا بد للمؤمن أن يبغض أهل الكفر. لكن إن كانت محبة دنيوية ليس لها دخل في الدين، فهذا من الإثم الذي لا يجوز. وأيضًا كذلك قد يدخل في هذا معاونتهم في بعض أمورهم، إن لم يكن ذلك لنصرة دينهم. فإن كانت لنصرة دين الكفار، فإن هذا من التولي أيضًا في القسم الأول، أنه كفر بالله، أن من تولهم لأجل أن ينصر دينهم وأن يعلو دينهم، فهذا أيضًا كفر، لأنه يريد علو الكفار. قال: لهذا فالتولي هنا في قول جل وعلا: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ يحمل على الأمرين معًا، وبعضهم حمله على الأول، التولي في دينهم، لأن الآية سيقت لذلك: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، أي أنصارًا وأحبابًا. ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾، أي أن الله عز وجل قد تبرى منه. ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾، قال: أي إلا أن تخافوا على أنفسكم في إبداء العداوة للكافرين، فلكم في هذه الحال الرخصة في المسالمة والمهادنة، لا في التولي الذي هو محبة القلب التي تتبعه النصرة، فإن ذلك لا يجوز. محبة القلب لا يجوز أن تكون للكافر، بل الواجب هو العداوة والبغضاء. ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾. أنا إذا دخلتم في الإيمان أحببناكم، وأما أنتم كفار فلا نحبكم أبدًا، ﴿ وَلَوْ كَانُوا مُحْسِنِينَ ﴾. ولو كانوا من المحسنين، لأن بعض الناس يتأثر بإحسان بعضهم، حتى بعضهم كما ذكرنا قبل، كان يقول: الكفار رحمهم الله، فلان مات من الكفار، رحمه الله. هذا لا يجوز. ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى ﴾. طيب، فلهذا قوله جل وعلا: ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾، إلا أن تخافوا على أنفسكم في إبداء العداوة للكافرين. أنا إذا كان مثلًا السطوة للكفار، وأيضًا هم الذين يسيطرون على الأمر، وأهل الإسلام في هوان وفي ذلة، وهنا لا بأس أنهم يتقوا منهم، لا يظهرون العداوة، لا يظهرون عداوة الكفار حتى لا يؤذوهم، فهذا فيه الرخصة في المسالمة والمهادنة، لكن لا في التولي وهو محبة القلب. فمحبة القلب لا يستطيع أحد أن يكره أحدًا عليها، ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾. أكره على الكفر، أما أنه يحب الكفر فهذا بعيد جدًا، هذا ليس مؤمنًا. لكن قد يكره على الكفر، وقد يتظاهر أيضًا بالكفر أحيانًا لإتقاء نفسه، عن المحافظة على نفسه مثلًا من باب الإكراه، أو من باب عدم إظهار العداوة، إظهار العداوة لأجل أن لا يقتلوه. والله عز وجل يقول: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾. فإن كان هذا الأمر يؤدي إلى ما هو أعظم منه، أو يؤدي إلى نفس الإنسان يقتلونه مثلًا وكذا، فلا بأس يتقي شيئًا من ذلك، أنه لا يظهر العداوة له، يظهر المسالمة والمهادنة، مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في مكة. بل فعله النبي عليه الصلاة والسلام وهو في المدينة مع اليهود، صالح اليهود أول ما جاء. بل فعله بعد ذلك مع قريش، فإنه عقد معهم صلحًا وهو صلح الحديبية، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام عنده قوة، عنده قوة ترهب حولها الكفار، لكن هادنهم لأجل المصلحة، وسالمهم لأجل المصلحة. فلهذا قال كثير من العلم: أن حكام المسلمين أو خليفة المسلمين له أن يصالح الكفار لأجل المصلحة المرجوة من ذلك. مثلًا إذا كان الأمر بينهم سجال، لكن لم يجعلوهم يتمكنوا من مثل الدعوة إلى الله، ولم يجعلوهم مثلًا يتمكنوا من أن يدخلوا فيهم ويتغلغلوا فيهم، فيحصل دائمًا القتال ولا فائدة من القتال، فلا بأس أن يهاجن ويصالحهم حتى يدعونهم إلى الله. لهذا الصلح الحديبية كان فتحًا لأهل الإسلام، جاء بعده الفتح، وجاء الناس ودخلوا في دين الله أفواجًا، لأن المسلمين تفرغوا للدعوة إلى الله، وتفرغ النبي صلى الله عليه وسلم لمن كان حول المدينة. فقال الله عز وجل: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾، أي فخافوه واخشوه، وقدموا خشيته على خشية الناس، فإنه هو الذي يتولى شؤون العباد، وقد أخذ بنواصيهم، وإليه يرجعون، فيجازي من قدم خوفه ورجاءه على غيره بالثواب الجزيل، ويعاقب الكافرين ومن تولاهم بالعذاب الوبين. فهذا تحذير الله عز وجل من تولي الكفار واتخاذهم أولياء من دون الله ومن دون المؤمنين. فالواجب أن المؤمن يتخذ أهل الإيمان أولياء، يكونوا معهم، ويتولاهم وينصرهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾، يعني يتولى بعضهم بعضًا، ولا يتولون غيرهم من الكفار. فهذا ما يذكر في هذه الآية، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.