تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 77

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 77

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 77، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير السعدي للجهاد والصبر ودخول الجنة

يشرح العلامة السعدي أن دخول الجنة مشروط بالجهاد والصبر على المشاق، مبتدئاً بجهاد النفس، ويرد على من يزعمون أن طلب الجنة ينافي الإخلاص مستدلاً بأقوال السلف وابن تيمية على ضرورة الجمع بين المحبة والخوف والرجاء.

عبادة الله بالحب والخوف والرجاء وحف الجنة بالمكاره

يؤكد المقطع أن أهل السنة يعبدون الله باجتماع الحب والخوف والرجاء، وأن الجنة حُفت بالمكاره فلا يُنال النعيم إلا بترك الراحة، مستشهداً بحديث جبريل وقول أهل الجنة، ومبيناً أن المكاره في سبيل الله تتحول عند أهل البصائر إلى منح كما في قصة يوسف.

تحول المحن إلى منح وترويض النفس على الطاعة

يضرب المؤلف مثال يوسف عليه السلام كيف تحول من الضعف إلى الملك مبيناً أن الابتلاء قد يصير منحة إلهية كما قال ابن القيم، ويؤكد أن النعيم الحقيقي لا يُدرك إلا بترك نعيم الدنيا، وأن الطاعة تحتاج إلى ترويض النفس وتدريبها تدريجياً.

ختم الدرس والإشارة للآية القادمة

يختتم المتحدث الدرس الحالي بالإشارة إلى أن الآية التالية ستُشرح في الدرس اللاحق، ويسأل الله التوفيق في الترجمة مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142]، ﴿ وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ [آل عمران: 143]. يقول رحمه الله: هذا استفهام إنكاري، ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ أي: لا تظنوا ولا يخطر ببالكم أن تدخلوا الجنة من دون مشقة واحتمال المكاره في سبيل الله وابتغاء مرضاته. وهذا جاء، أو هذه الآية بعدما ذكر الله عز وجل التمحيص لأهل الإيمان والابتلاء، فذكر أن دخول الجنة أيضًا كذلك ليس بالأمر الهين، بل هناك ابتلاءات وهناك أيضًا مشاق ومكاره لا بد أن يصبر عليها العبد، وتحتاج إلى جهاد. ليس المراد هنا جهاد الأعداء فقط، بل جهاد النفس. ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ ﴾، فجاهدوا أي: جهاد أنفسهم أولًا. قال رحمه الله: فإن الجنة أعلى المطالب وأفضل ما به يتنافس المتنافسون، وكلما عظم المطلوب عظمت وسيلته. وهذا يدل على أن الإنسان، أو على أن المسلم، من أعظم ما يطلب من الله عز وجل أن يطلب الجنة. وهذا يدل أيضًا على الرد، أو يرد على أهل التصوف من القدماء ومن المتأخرين، على أنهم يقولون: إن معنى أن العبد لا ينبغي أن يطلب الجنة من الله، لأنه لو عبد الله لأجل الجنة فهو يعبد الله لأجل نفسه ولأجل صلاح نفسه. وهذا كلام باطل. صحيح أن الإنسان لا يعبد الله لأجل الجنة فقط، لكن من المطالب ومن أمور العبادة التي لا بد أن يكون قلب المؤمن يحتويها، هو الرجاء والطلب من الله عز وجل، طلب من الله عز وجل ثوابه وجنته. وأيضًا يدخل في هذه العبادة المحبة والخوف. وأما المحبة فقط، فهذا ليس من دين الله عز وجل، وليس أيضًا كذلك، ولم تدل عليه الشريعة. ولهذا كان كما قال شيخ الإسلام: كان السلف يقولون: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف فهو حروري، أي من الخوارج، ومن عبد الله بالرجاء فهو مرجئ. وأهل السنة وأهل الخير يعبدون الله عز وجل بالحب والرجاء والخوف، لا بد أن تجتمع في العبادة هذه الثلاث الأشياء. قالوا: كلما عظم المطلوب عظمت وسيلته والعمل الموصل إليه، فلا يوصل إلى الراحة إلا بترك الراحة. لهذا في حديث جبريل، حديث أبي هريرة الذي في الترمذي، حديث محمد بن عمر، حديث محمد بن عمر بن سلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو محمد بن عمر بن عذق مع النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إن الله لما خلق الجنة قال لجبريل: «اذهب فانظر إليها». فنظر إليها جبريل، فرأى ما فيها من النعيم العظيم، فقال: يا رب، والله وعزتك، لا يسمع بها عبد إلا طمعًا يدخلها. ثم ألقيت في طريقها المكاره، فقال الله عز وجل: «يا جبريل اذهب فانظر إليها». فرأى في طريقها هذه المخاطر والمكاره وغيرها، فقال: يا رب، خشيت أن لا يدخلها أحد، لكثرة ما فيها من المصاعب. لهذا جاء في الصحيحين: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات». قال: فلا يوصل إلى الراحة إلا بترك الراحة، ولا يدرك النعيم إلا بترك النعيم. ولهذا كان أهل الجنة يقولون: تركنا الناس ونحن أحوج ما كنا إليهم. أن تركنا ما عندهم من الباطل وما أيضًا عندهم من المحرمات، ونحن أحوج إليهم. في هذه الحياة الإنسان بطبعه مدني، كما يقولون، يحب الأنس، يحب كذا مع الناس، لكن لأن الشرع نهاه عن هؤلاء الكفار وعن كذلك المفسدين وعن مجالستهم، فلهذا امتثل أمر الله. فلهذا يقولون كما جاء في الصحيحين، حديث أنس: يقولون في الجنة: «يا رب إنا تركنا الناس ونحن أحوج ما كنا إليهم». قالوا: ولكن مكاره الدنيا التي تصيب العبد في سبيل الله، عند توطين النفس لها وتمرينها عليها، ومعرفة ما تؤول إليه، تنقلب عند أرباب البصائر منحًا. إن بدأ المحنة منحًا، أن تكون مكاره وابتلاء، لكن تتحول بعد ذلك إلى منح ونعمة. ننظر إلى قصة يوسف عليه السلام: بدأ بمكاره، ألقوه إخوته في الجب، وبيع عبدًا، وتربى في بيت العزيز، وراودته امرأة العزيز، زوجة العزيز. كل هذه الابتلاءات إلا أنه صبر، فأعطاه الله عز وجل مصر بكاملها، صار ملكًا. قبل ذلك صار عزيزًا على مصر، ثم صار ملكًا عليها. فلو أنه كما قال الإمام ابن القيم: لو أن يوسف أراد هذا الملك بالقوة لما أخذه، وصارت عنده عقبات كثيرة. يعني لو أراد أن يمتلك مصر ما يستطيع، لشدة فرعون ومن كان معه من الملك وكذلك الحاشية والعساكر وكذا. ويوسف وحده وما معه إلا إخوته وقد خانوه، وما معه أيضًا إلا أبوه، وكان أعمى قد عمي، أو أنه كان قد شاب وصار عجوزًا عليه السلام. فالمهم أنه لم يكن يمتلك شيء من القوة، لكن ابتلي وتمحص، فصار ملكًا، صار عزيزًا. فصارت هذه الفتنة وهذه المحنة صارت منحة من عند الله جل وعلا. لهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله: كم من محنة أو ابتلاء تصير منحة للعبد، وتعقب بعدها. لهذا قال المؤلف رحمه الله، والإمام السعدي رحمه الله، قد تربى على كلام شيخ الإسلام ابن القيم، ولهذا تراه دائمًا ينقل كلامًا عظيمًا واستنباطًا عظيمًا كاستنباط الإمام ابن القيم رحمه الله، وكأنهما تخرجا من مدرسة واحدة، ابن القيم والشيخ السعدي رحمهما الله عليهما. قال: ولا يدرك النعيم إلا بترك النعيم. ولكن مكاره الدنيا التي تصيب العبد في سبيل الله، عند توطين النفس، عند توطين النفس لها، يوطن نفسه ويثبت نفسه، لا يزول ولا يفتتن مع هذه البلايا. قال: وتمرينها عليها، ومعرفة، يعني: يمرن نفسه على الطاعة وعلى ترك المعصية، فيثبت نفسه على ذلك، ويمرنها. لأن الطاعة تحتاج إلى تمرين، تحتاج إلى تمرين للنفس. كما قال، كما قال ثابت: «تروضت نفسي على قيام الليل عشرين سنة حتى راضت». أن هذه العبادات تحتاج إلى تمرين، ما تأتي فجأة. ما يكون الشخص اليوم لا يصلي الليل، ويقوم اليوم الثاني بإحدى عشرة ركعة، ويصلي نصف الليل، فهذا من المحال. وإن فعل فسيطرد، إن فعل ذلك فسيأتي عليها أيام فقط ويترك ما فعل. فلهذا النفس تحتاج إلى تمرين، يمرنها على الطاعة، يمرنها على طلب العلم أيضًا. طلب العلم يحتاج إلى تمرين، لا يأتي فجأة، يحتاج إلى أن يمرن القلب أيضًا عليه، يتمرن النفس عليه حتى يعتاد الإنسان هذه المجالس، وكذلك أيضًا يترك ما سواها مما يشغله عنها، سوى كان جوالات أو غيره. قال: ومعرفة ما تؤول إليه تنقلب عند أرباب البصائر منحًا، يسرون بها ولا يبالون بها، أي: لا يبالون بالابتلاء، وأيضًا كذلك المكاره، يسرون بالمنح ولا يبالون بالمكاره. قالوا: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ثم وبخهم تعالى على عدم صبرهم بأمر كانوا يتمنونه ويودون حصوله. إن في الآية التي بعدها، وإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، وفي الدرس اللاحق نسأل الله خير الترجمة. نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر.