تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 81

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 81

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 81، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ثواب الدنيا والآخرة في تفسير السعدي

يوضح المقطع أن الله يعطي ثواب الدنيا لمن يريدها من المؤمنين والكافرين، بينما يختص ثواب الآخرة بأهل التقوى والإيمان. وينهى عن التبرم من فقر أو حسد الأغنياء، لأن السعادة الحقيقية في تقوى الله لا في المال.

الأفضلية بالتقوى بين الغني الشاكر والفقير الصابر

يناقش المقطع خلاف العلماء في أفضلية الغني الشاكر مقابل الفقير الصابر، ويرجح أن المعيار هو تقوى الله لا الغنى ولا الفقر. وتدل النصوص على أن شكر الغني أفضل من صبر الفقير لأن المال يغر، وقد أرشد النبي الفقراء للأذكار بعد الصلاة ليدركوا فضيلة الشكر.

تلقي القضاء والقدر بالصبر والرضا والشكر

يبيّن المقطع أن تلقي القضاء والقدر يكون بالصبر واجباً والرضا والشكر مستحبين، وأن الشكر أعلى منزلة لاعتراف العبد بنعم الله الباقية رغم المصيبة. ويسوق أمثلة من سير عروة بن الزبير وغيره ممن شكر الله عند فقد الأعضاء والأولاد.

خاتمة الحديث عن منزلة الشكر في العبادات

يؤكد المقطع أن الشكر لله تعالى يعد من أعظم المنازل في العبادات وفي التعامل مع القضاء والقدر. ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر من الحديث حول هذه المنزلة العظيمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: عند قوله جل وعلا: ﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: ١٤٥]. قال السعدي رحمه الله: قال الله تعالى: ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: ٢٠-٢١]. انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيل. وأن اكتفى المؤلف رحمه الله بتفسير هذه الآية بآية الإسراء، على أن الله عز وجل يعطي من ثواب الدنيا من أرادها، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها. أو قال الله عز وجل: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُرِيدُ ﴾ [الإسراء: ١٨]. فربنا جل وعلا يعطي ثواب الدنيا من يحب ومن لا يحب، وأما الآخرة فلا يعطيها إلا من يحب جل وعلا. فالدنيا أعطاها الله عز وجل للكفار، أعطاها الله عز وجل للكفار، وأعطى أيضًا أهل الإسلام. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: ٣٣-٣٥]. فالآخرة لا يعطيها ربنا جل وعلا إلا لأهل التقوى ولأهل اليقين الذين آمنوا بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم. وأما الدنيا فيعطيها من يحب ومن لا يحب، يعطيها الكفار، يعطيها الفساق. فلهذا لا يتبرم المسلم المؤمن الحق، لا يتبرم أن الدنيا أعطيت لفلان. أنا بعض الناس يقول: كيف أنا؟ أنا قد يكون في نفسي أنا ملتزم وأنا مستقيم على الكتاب والسنة وليس معي مال وفقير، وذاك الذي يفعل ويفعل عنده مال. هذا خطأ، وهذا اعتراض على الله عز وجل. فربنا جل وعلا أعلم بك وأعلم مصلحتك، فقد يكون هذا الفقر أصلح لك من الغنى. كم من إنسان استغنى، أغناه الله فاستغنى عن الحق، وانصرف عن الإيمان والفضيلة والحق، انصرف عن هذه الأشياء بسبب هذا المال الذي أغراه وأغرته الدنيا. فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور، وهو الشيطان الذي يغر بالدنيا الناس. ولهذا فقد يكون الإنسان فقيرًا معدمًا لكنه هادئ البال مطمئن النفس، وأيضًا كذلك يرى أنه في حالة طيبة، وإن لم يكن عنده مال. فليس المال هو السعادة، بل تقوى الله عز وجل هي السعادة، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: ١٣]، أي أكرم الناس هو أتقى الناس وأتقاهم. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل: أي الناس أكرم؟ قال: «أتقاهم». فلهذا يرفعك الله عز وجل في الدنيا والآخرة ولو لم يكن معك مال. وإلا فكثير من أهل الأموال تجد أنهم أضلتهم هذه الأموال وأبعدتهم عن الله، ومنهم من يتقي الله عز وجل في أمواله ويوفقه الله عز وجل. ولهذا اختلف العلماء في مسألة: هل الفضل للغني الشاكر أم الفقير الصابر؟ أيهما أفضل؟ هل الغني الشاكر أم أنه الفقير الصابر؟ وهذه المسألة ذكرها الإمام ابن القيم في كتابه الذي ألفه في الشكر والصبر، وذكر أدلة من قال أن الغني الشاكر أفضل، وذكر أدلة من قال أن الفقير الصابر أفضل. وكأنه رجح أن هذا بحسب تقوى الشخص، فليس الغني الشاكر أفضل ولا الفقير الصابر، لكن بتقوى الله عز وجل، من كان أتقى لله كان أعظم وأفضل. لكن هل الشكر للغني أفضل من الصبر للفقير؟ فالأدلة دلت على هذا، على أن الشكر للغني أفضل من الصبر للفقير، لأن الغني يغره هذا المال، لكن لو شكر الله على هذا المال كان عظيمًا. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» لما جاء فقراء المهاجرين إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا رسول الله، إن إخواننا الأغنياء ذهبوا بالدرجات العلى والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضل أموالهم، ويحجون. فقال: «ألا أعطيكم شيئًا تقولونه تدركون به من سبقكم وتسبقون به من جاء بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟». ثم ذكر لهم عليه الصلاة والسلام التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلاة، ثلاثًا وثلاثين، أي المجموع. ففعلوا ذلك، وفعل الأغنياء، سمعوا بذلك ففعلوا. فجاء الفقراء وقالوا: يا رسول الله، قد سمع إخواننا الأغنياء ما قلت لنا، فعلوا مثل ما فعلنا. فقال: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». فلهذا هذا ظاهر النصوص. لكن لا لا لا يستطاع أن يقال أن هذا الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر بعينه، وإنما هذا بتقوى الله جل وعلا، كلما كان الشخص أتقى لله كان أفضل وأحب إلى الله جل وعلا. قال: ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾. أنا بعد أن يعطوا من الأموال ويعطوا من الدنيا، من الذي يجزاه؟ هو الشاكر. أما الكافر والذي أيضًا تغره هذه الأموال فإنه لا يجزيه الله عز وجل بل يعاقبه. قال: ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾، ولم يذكر جزاؤه ليدل ذلك على كثرته وعظمته، وليعلم أن الجزاء على قدر الشكر قلة وكثرة وحسنًا. أي كلما شكر العبد ربه جل وعلا كان أعظم. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟». فلهذا فالشكر منزلة عظيمة في العبادات، وكذلك أيضًا في قضاء الله وقدره. فالسنة في تلقي القضاء والقدر يكون بثلاثة أشياء، أو الذي جاء في القضاء والقدر وتلقيه يكون بثلاثة أشياء: بالصبر والرضا والشكر. الصبر والرضا والشكر، فالصبر واجب، والرضا والشكر مستحبان، لكن الشكر أعظم منزلة. الشكر أعظم منزلة في القضاء والقدر، لأن الشكر أن يعترف العبد بقلبه وجوارحه أن الله عز وجل ما أذهب عنه شيئًا مما يحبه وألقى عليه هذه المصائب إلا وقد ترك له ما هو خير، وقد ترك له ما هو خير وأعظم. فيشكر الله عز وجل في قلبه ولسانه وجوارحه أن الله عز وجل ترك له نعمًا كثيرة. من أخذ الله عز وجل سمعه فقد ترك له بصره، ترك له أيضًا كذلك لسانه يتكلم به، وكذلك من أخذ الله عز وجل بصره ترك له السمع، وترك له أيضًا أشياء أخرى، فيشكر الله عز وجل بها. ولهذا سُمِّيَ عروة بن الزبير الشاكر، أو الصابر المحتسب، أو الشاكر، أو الصابر المحتسب، لأجل أنه احتسب وشكر الله عز وجل لما ذهبت رجله وتوفي ولده وغيرها، حصلت له في يوم واحد، فشكر الله عز وجل أن جعل له أولادًا غيره، وجعل له أيضًا رجلًا أخرى غير التي ذهبت. وهكذا الذي يشكر الله عز وجل. لهذا عبد الملك بن مروان ذكر لعروة بن الزبير، ذكر من هو أشد منه، حصلت له قضية، فقد أولاده، فقد زوجته، وفقد أيضًا أطرافه في يوم واحد، وهو يشكر الله عز وجل أن جعل له من النعم أنه يتنفس ويتكلم وغيرها من هذه النعم. وأيضًا القصة تلك التي ذكرها بعض العلماء عن الأوزاعي، عن رجل قال له محمد بن عبد الله أنه رأى رجلًا في مكان خالٍ ليس له أطراف، مقطع الأرجل ويديه، وليس معه إلا لسانه، قد عمي، وما معه إلا أنه يتكلم، يشكر الله عز وجل به. فسمعه يشكر الله سبحانه وتعالى بشكر عظيم، فقال: لمَ تشكر الله وقد أنت بهذه الحالة؟ فقال له: قَطَعَ لي الله عز وجل لسانًا فأشكر الله عز وجل به. ثم قال له: لي حاجة عندك، فإن لي ولدًا قد ذهب في هذه الأماكن. قال: فبحثت عنه، وجدت أن الأسد قد أكله، فما استطعت أن أقول له هذا الكلام، ثم قلت له: إنه قد أكله الأسد، فشكر الله عز وجل حتى توفاه الله. وهذه قصة صحيحة إلى الأوزاعي، لكن هذا الرجل الذي روى عنه الأوزاعي لا يعرف منه. وقوله في القصة أنه أبو قلابة صاحب ابن عباس، خطأ، لا يعرف أبو قلابة أنه صاحب ابن عباس، وإنما هو صاحب أنس بن مالك، ولم يروِ أبو قلابة عن ابن عباس، وقد يكون آخر والله أعلم. لأن أبا قلابة يقولون أنه مات في البصرة، وقيل أنه خرج من البصرة ومات في الطريق، والله أعلم. فالمهم أن من أعظم المنازل في العبادات وفي القضاء والقدر هو الشكر لله جل وعلا. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.