الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفتتح الإمام البخاري كتاب فضائل القرآن بباب نزول الوحي وأول ما نزل، وينقل عن ابن عباس تفسير «المهيمن» بأنه الأمين على الكتب السابقة. ويؤكد أن القرآن مهيمن على ما قبله، ناسخاً له وجامعاً لأحكامه.
أقام النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة بمكة وعشر سنين بالمدينة بعد البعثة، وبدأ نزول القرآن في غار حراء ثم انتقل إلى الإنذار الجهرية بأمر الله. ويشير المقطع إلى الفرق بين بداية الوحي وبداية الدعوة العلنية.
لم يثبت عن النبي ﷺ مسح الوجه بعد السلام أو بعد الدعاء، والمأموم يقول «سمع الله لمن حمده» مع الإمام ثم يحمد الله. كما تُذكر قصة سعيد بن جبير الذي عُذب وقتل لامتناعه عن طاعة الحجاج مع الإشارة إلى مكانته العلمية.
النص يؤكد أن الحجة الوحيدة هي الكتاب والسنة، ولا يُحتج بأقوال العلماء لأنهم قد يخطئون ولهم عذر عند الله. لذا يجب الرجوع إلى الوحيين في كل مسألة شرعية.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل. هذا كتاب من الكتب التي صنفها الإمام البخاري في صحيحه، هو كتاب فضائل القرآن، بعدما انتهى من التفسير بدأ في كتاب فضائل القرآن. وهذا الباب، ولا شك أن فضائل القرآن كثيرة، قد جمع البخاري رحمه الله أحاديث كثيرة في الفضائل لكن فرّقها، وبدأ البخاري باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل. وهذا يختلف عن تبويبه في بداية الكتاب، كتاب الوحي، باب بدء الوحي وهو في ابتدائه، وأما هذا فهو في نزول الوحي، كيف نزل الوحي وأول ما نزل. قال ابن عباس: ﴿ الْمُهَيْمِنُ ﴾، المهيمن الأمين، القرآن أمين على كل كتاب قبله، فإنه قول الله عز وجل ومهيمن عليه، ومهيمن عليه أي مهيمن على الكتب السابقة، والمراد بالمهيمن: قال الأمين، قال الأمين على كل كتاب قبله، وأيضًا ناسخ له، ناسخ لكل كتاب قبله، فهذا الكتاب فيه ما في الكتب كله، أي القرآن فيه ما في التوراة والإنجيل وغيره، ونسخ ربنا جل وعلا ما في التوراة والإنجيل، وجعل أحكامه في هذا الكتاب العظيم وهو القرآن. قال: حدثنا عبيد الله بن موسى وهو الأشجع، قال: عن شيبان وهو بن فروخ أبو عبد الرحمن النحوي، قال: عن يحيى وهو أبو نصر يحيى بن أبي كثير، قال: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: أخبرتني عائشة وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: لبث النبي عليه الصلاة والسلام بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشر سنين. وهذه العشر سنين في نزول الوحي، وأما في ابتدائه فهو قد لبث النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر سنة في مكة وعشرًا في المدينة، وهذا متفق عليه بين أهل السير. وقد يريد هنا أبو سلمة أن المراد أنه عشر سنين، أي في نزول الوحي، لأن الوحي بدأ عندما أنزل الله عز وجل قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾، ولأن أيضًا قال الله عز وجل: ﴿ قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾، فبدأ بالنذارة وهي الدعوة الجهرية، وإلا فأول ما نزل القرآن في غار حراء، ثم أنه لبث أو بعد ذلك فترة، لبث فترة لم ينزل عليه الوحي، ثم بعد ذلك تتابع الوحي، وأمر الله عز وجل نبيه أن ينذر قومه، فهذا ما يستفاد من هذا الحديث، وكما قلنا أن المراد نزول الوحي، وإلا فالنبي عليه الصلاة والسلام لبث بمكة بعد النبوة ثلاثة عشر سنة، وفي المدينة عشر سنوات، ثلاث وعشرين سنة. طيب، هذا ما يُذكر، والله أعلم. قال: ما حكم مسح الوجه بعد الصلاة؟ أنا سمعت أن الإمام النووي يذكر الحديث نحو هذا في كتبه. هذا صحيح، مسح الوجه في الصلاة بعد الصلاة لم يثبت، لم يثبت شيء، وإن كان أراد مثلًا بعد الدعاء أيضًا لم يثبت، لكن ثبت عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «من الجفاء أن يمسح الرجل جبهته بعد السلام»، هذا الذي جاء عن عبد الله بن مسعود، أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يثبت شيء، وإن كان المقصود معنى مسح الوجه بعد الدعاء فهذا أيضًا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: هل ينطق المأموم «سمع الله لمن حمده» أو يكمل الإمام؟ الصحيح أنه ينطق، صحيح أنه يأتي بـ «سمع الله لمن حمده»، الإمام والمأموم، لأن المأموم مقتدٍ بالإمام، كما أنه يكبر مثله، كذلك أيضًا يقول: «سمع الله لمن حمده» مثله، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد»، أي أنه يجعل التحميد بعد التسميع، يعني لا يحمد عز وجل إلا إذا سمع الإمام. قال: سعيد بن جبير خرج على الحجاج، كما يحتج به خوارج العصر، لم يخرج صراحة، لكن أراد الحجاج منه بعض الأشياء فلم يفعلها، فعذبه وقتله بسبب ذلك، وإن كان مثلًا اعتبره بعضهم خروجًا فهو من باب أن بعض السلف كان يكفر الحجاج، وأيضًا إن حصل أيضًا شيء من الخروج فهو اجتهاد، وكما قال الإمام محمد رحمه الله: «يرحم الله سعيدًا ومن مثل سعيد»، قال: «ما مات سعيد بن جبير إلا والناس محتاجون إلى علمه، إلا والناس محتاجون إلى علمه»، فلذلك حتى لو حصل منه شيء من الخروج فهو ليس بحجة يحتج بها، إنما يحتج بالكتاب والسنة، والعلماء قد يخطئ الرجل منهم، الله أعلم، وقد يكون له عذر، الله تعالى أعلم.