تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 125

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 125

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 125، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

نعيم المتقين في الدنيا والآخرة

توضح الآيات أن الكافرين يتمتعون بمتاع قليل ثم مصيرهم جهنم، بينما المتقون ينالون جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. ويبين العلامة السعدي وابن تيمية أن نعيم المؤمنين في الدنيا هو طمأنينة القلب وانشراحه بطاعة الله، وهي جنة معجلة قبل جنة الآخرة.

صفات المؤمنين ونعيمهم في الآخرة

يستعرض المقطع صفات المؤمنين الذين لا تلهيهم التجارة عن ذكر الله وإقامة الصلاة، ويبين أن بؤس الدنيا يزول بلحظة نعيم في الآخرة. يكرمهم الله كضيوف في الجنة بتحفة أول دخولهم وهي زيادة كبد الحوت، بعكس المجرمين الذين يساقون إلى النار سوقاً.

فضل الذهاب إلى المسجد ومنزلة الأبرار في الجنة

يذكر المقطع حديثاً نبوياً عن إعداد الله نزلاً في الجنة لمن يغدو أو يروح إلى المسجد، ثم يفسر قوله تعالى: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾ مبيناً أن الأبرار هم أهل الإيمان والطاعة. يفصل منازل أهل الجنة بين أصحاب اليمين والمقربين، وما يتمتع به كل صنف من نعيم وشراب مختوم بمسك ومزاج من تسنيم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ ﴾ [آل عمران: 198]. وهذه الآية جاءت بعد قول الله جل وعلا: ﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [آل عمران: 197]، ولا يغرَّنك تقلب الذين كفروا في البلاد، متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد. ثم ذكر ربنا جل وعلا أهل الإيمان فقال: ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ ﴾، فاستدرك ب (لكن) ليبين فضل أهل الإيمان، وأنهم أهل الفوز والنجاة. فقال العلامة السعدي رحمه الله عند هذه الآية: «وأما المتقون لربهم المؤمنون به، فمع ما يحصل لهم من عز الدنيا ونعيمها، لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها، مع ما يحصل لهم من الطمأنينة والراحة لقلوبهم في هذه الدنيا». فإن أهل الإيمان، كما قد ذكرنا بالأمس، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من كانت الآخرة همه جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة». فأهل الإيمان الذين همهم الدار الآخرة وما يتعلق بها، تجد أن قلوبهم فيها فسحة عظيمة، وفيها راحة وطمأنينة، وهي الجنة المعجلة في الدنيا قبل جنة الآخرة. فهذه الجنة التي قال الله عز وجل فيها: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]، فهذه الحياة الطيبة تكون في هذه الدنيا. فأهل الإيمان يكونون في هذه الدنيا على حياة طيبة، وإن لم تكن عندهم الأموال، لكن قلوبهم مطمئنة وقلوبهم مرتاحة، يعلمون أن كل شيء من عند الله، فيصبرون ويرضون بقضاء الله وقدره، ولا يتضجرون مما يصيبهم من الأذى أو من المصائب أو من الابتلاءات، فإنهم يعلمون أنها من الله، فلا تؤثر فيهم. فلذلك هذه الحياة الطيبة التي يتحصلها المؤمن في هذه الدنيا قبل الآخرة. ولهذا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان يقول: «إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة». وهذه الدنيا هي طمأنينة القلب وانشراحه لأمر الله ونهيه، بخلاف من أعرض عن الله، فإنه يصيبه الضنك في هذه الحياة، وبحسب إعراضه يكون هذا الضنك. فالله عز وجل ذكر أن هؤلاء المعرضين، ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ﴾ [طه: 124]، حياة ضيقة لضيق قلوبهم، والمراد به ضيق القلوب. وأيضًا وإن تنعموا في الظاهر بالأموال وبغيرها، لكن قلوبهم ضيقة، وضنك في قلوبهم. ولهذا تجد أن الكفار دائمًا عندهم انتحارات، ينتحرون. فعنى من قرأ النسب التي عند الكفار من المنتحرين يجد أنها نسب كبيرة، ممن ينتحر في اليوم. فهؤلاء ضاقت بهم الحياة، بل بعضهم عندهم أموال كثيرة وعمارات وأشياء، فتجد أنه يقتل نفسه أو يرمي نفسه من عمارته أو ينتحر بأي شيء، لأنه ضاقت عليه هذه الدنيا بما عنده من الأموال، لكن قلبه ليس مع الله عز وجل، بل معرضًا. فلذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وأما المتقون لربهم المؤمنون به، فمع ما يحصل لهم من عز الدنيا ونعيمها، لهم جنات تجري من تحتها الأنهار». أيضًا قد يحصل لهم من نعيم الدنيا الظاهر، أي من الأموال، وأيضًا ما يكون من زينة الدنيا، لكن هذه الأموال ما تغرهم، وعندهم تجارات، وهذه التجارات أيضًا لا تلهيهم، بل يحافظون على صلواتهم، يحافظون على دينهم، وأهم شيء عندهم الدين. ولهذا قال الله عز وجل في وصف مثل هؤلاء: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾ [النور: 36-37]. يخافون ذلك اليوم، لكن هذه الأموال التي عندهم لا تلهيهم. كما ذكرنا بالأمس أن جماعة من الصحابة، وكذلك من السلف، كانت عندهم أموال، لكن استخدموها في طاعة الله جل وعلا، وفي الإعانة على الطاعة، فكانت لهم مكسبًا، وكانت لهم أيضًا أجر عند الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «فلو قدر أنهم في دار الدنيا قد حصل لهم كل بؤس، عن هؤلاء أهل الإيمان، حتى لو قدر أنه حصل لهم كل بؤس في هذه الحياة، فإنهم أيضًا لا يؤثر عليهم، لا يؤثر عليهم هذا البؤس، لأنهم يعلمون أن هناك حياة عند الله عز وجل ونعيمًا». ولهذا جاء في الحديث: «أن الرجل يوضع في ماء يقال له ماء الحياة، أي في الآخرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يؤتى بأبأس أهل الدنيا، أبأس أهل الدنيا أفقرهم، يؤتى بأبأس أهل الدنيا فيلقى في هذا الماء، يصبغ بصبغة من الجنة، فيقال له: يا فلان، هل رأيت بأسًا قط؟ هل مر بك بأس قط؟ فيقول: لا يا رب». ينسى ذلك البأس الذي كان في الدنيا بصبغة واحدة في الجنة، بصبغة واحدة في الجنة، نسي ما كان عليه في الدنيا من الفقر والعوز وغيره. فلذلك تجد أن العبد قد يجد البؤس في هذه الحياة والشدة والعناء والمشقة، لكن هذا بالنسبة إلى النعيم المقيم، والعيش السليم، والسرور والحبور والبهجة، نزرًا يسيرًا، ما يجده أو ما يجد مغبة هذا عندما يرى النعيم، وأيضًا كذلك البهجة والسرور والعيش في تلك الدار الآخرة. قالوا: لهذا قال الله عز وجل: ﴿ نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ﴾، أن يكافئهم الله عز وجل بأن يجعل لهم النزل، والنزل هو ما يعد للضيف، كأنهم ضيوف الرحمن، أهل الجنة، الله عز وجل يعد لهم الضيافة. ولهذا حتى في الحشر، لما يدخلون الجنة، أيضًا أهل الجنة لهم إكرام من عند الله جل وعلا، فقال الله: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا ﴾ [مريم: 85]، ﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ [مريم: 86]. انظر الفرق: هذا وفد، والوفد هو كبار القوم الذين يحترمون ويكرمون، فقال: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا ﴾، مكرمين معززين، لهم المكان، فيدخلون الجنة. لكن أهل النار، قال الله عز وجل: ﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾، المجرمون يساقون، والسوق يراد به أنهم يدفعون، ورد: معنى دفعًا، يدفعون دفعًا، تدفعهم الملائكة، معنى مثل الذي يدخل مثلًا أغنامًا، يضرب هذه ويرجع هذه، وهكذا حتى يدخلون النار، لأنهم ما يريدون دخول النار، فلذلك يسحبون إليها، فلذلك يسحبون إلى هذه النار. وأما أهل الجنة فيكرمون، فيكونون ضيافًا عند الله عز وجل، فيكرمهم الله عز وجل بهذا الإكرام. ولهذا أول ما يدخلون الجنة، لهم تحفة، لهم ضيافتهم، وهو كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام: «أنه يذبح لهم الكبش الذي يأكل من أطراف الجنة، يأكل من أطراف الجنة، يذبح لهم في أول ما يدخلون الجنة». أيضًا أعطاهم الله عز وجل تحفة، وهي زيادة كبد الحوت، زيادة كبد الحوت أيضًا تحفة وهدية من الله عز وجل وضيافة لأهل الجنة. فلذلك معنى زيادة كبد الحوت: معنى الوصلة التي تأتي في الكبد، أو فوق الكبد، معنى قرب، أو معنى بعض يقولون: مثل هذا الحلقوم، الزيادة التي فيه، أو الزيادة التي في الكبد، الوصلة التي تأتي فوق الكبد. فهذه في زيادة كبد النون، أي كبد الحوت، فيعطون لأهل الجنة تحفة لهم، وهذا من إكرام الله عز وجل، وأيضًا نزله جل وعلا لأهل الجنة. ولهذا جاء في الحديث في الصحيحين: «أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: من راح إلى المسجد أو غدا، أعد الله عز وجل له نزلا كلما غدا أو راح». من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله عز وجل له نزلا كلما غدا أو راح في الجنة، نزلا كلما غدا أو راح. والنزل هو الضيافة العظيمة التي تكون في جنة الله جل وعلا. وقال تعالى: ﴿ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ ﴾. قالوا: هم الذين برت قلوبهم، فبرت أقوالهم وأفعالهم، بر: معنى البر والطاعة، فأثابهم البر الرحيم من بره أجرًا عظيمًا وعطاءً جسيمًا وفوزًا دائمًا. فنعطاهم الله عز وجل هذا النعيم العظيم، فأثابهم البر الرحيم جل وعلا: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَدْعُوهُ مِن قَبْلُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾ [الطور: 28]، البر الذي يجزي أهل طاعته، وأيضًا كذلك يكافئهم ويعطيهم من خيره جل وعلا، ويعطيهم مما أعده لهم، فهو البر الرحيم جل وعلا، فيعطيهم الأجر العظيم والعطاء الجسيم، وأيضًا يكونون في الفوز الدائم. وهنا قوله: ﴿ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ ﴾، الأبرار هي منزلة من منازل أهل الجنة، لكن قد يراد كما قال بعض الشراح وبعض المفسرين: قد يراد هنا المراد بهم أهل الإيمان جميعا، وإلا في سورة المطففين يدل على أن الأبرار من أهل اليمين، على أن الأبرار من أهل اليمين، لأن الله عز وجل ما ذكر: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴾ [المطففين: 22-28]. أي: هذا الرحيق وهو الشراب، ختامه مسك، معنى التطعم: لذة مثل لذة المسك، مثل ريح المسك عندما يراح، ختامه مسك، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ومزاجه من تسنيم، أيضًا فيه مخلوط هذا الشراب العظيم، وهذا الشراب الذي لا يوجد مثله في الدنيا. قال: ﴿ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴾، فهذا التسنيم عين عند المقربين، لكن أهل اليمين، أصحاب اليمين والأبرار، إنما يمزج فقط لهم في شرابهم، يمزج لهم في شرابهم. كما قال الله عز وجل في أيضًا: ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ ﴾ [الزخرف: 71]، أو قال الله عز وجل في سورة الإنسان: ﴿ وَمِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴾ [الإنسان: 5-6]، أو قال الله عز وجل عندما ذكر أن عينًا فيها تسمى سلسبيل: ﴿ عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا ﴾ [الإنسان: 18]، هذه العين هي من زنجبيل، وتكون فيها أيضًا يمزج بها التسنيم. فدل على أن الأبرار من أهل اليمين، ومن أصحاب اليمين، أي منزلتهم معلوم أن الله عز وجل لما ذكر الناس ذكرهم ثلاثة أصناف: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ ﴾ [الحاقة: 19]، وأما إن كان من المقربين، أو قال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ﴾ [الواقعة: 88-94]. فهناك أهل الجنة على قسمين: أهل الجنة على قسمين، أهل أصحاب اليمين، وكذلك أيضًا المقربون. فلذلك هنا قال: ﴿ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ ﴾، قد يراد به كما قلنا: الأبرار هنا عام، يدخل فيه أصحاب اليمين، وكذلك يدخل فيه المقربون، وقد يراد به: الأبرار هم غير المقربين، كما ذكرهم الله عز وجل كما قلنا في سورة المطففين، فجعل معهم الشراب مزاجه من تسنيم، وهذا التسنيم عين عند المقربين في جناتهم، في منازلهم، عينًا يشرب بها المقربون، يشربون بها صرفة، عنها خالص، لكن أصحاب اليمين يخلط لهم من ذلك التسنيم. فهذا من النعيم أهل الجنة، ومما عده الله عز وجل لهم. فقال الله عز وجل: ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾، فما قلنا: تجري من تحتها الأنهار، إما في نفس الجنة أو بجانبها. ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ ﴾. وفي الآية التي سبقت قال: ﴿ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴾ [آل عمران: 195]. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.