كتاب التفسير من صحيح البخاري 164

كتاب التفسير من صحيح البخاري 164

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 164، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

هوية قوم عاد في سورة الأحقاف ورواية أحمد بن صالح

يناقش المحور الخلاف في تحديد هوية قوم عاد المذكورين في سورة الأحقاف بين عاد الأولى قوم هود وعاد الثانية، مستعرضاً رواية أحمد بن صالح المصري عن الحارث بن حسان البكري ورأي ابن كثير في تمييزهم. كما يوضح المفسرين وجود عادين استناداً لآية ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ مع تحديد موطنهم في حضرموت.

مواقف علماء الحديث من أحمد بن صالح ونشر المذاهب في مصر

يسرد المحور قصة طرد الإمام النسائي من حلقة أحمد بن صالح المصري لعدم نضج لحيته، مقابل توقير الإمام أحمد بن حنبل له عند قدومه بغداد. ويبرز دور عبد الله بن وهب في نشر المذهب المالكي بمصر مما أدى لانقراض مذهب الليث بن سعد.

خشوع السلف وهدي النبي ﷺ في الضحك والخوف من العذاب

يستعرض المحور قمة خشوع السلف في الصلاة، ثم هدي النبي ﷺ في التبسم دون القهقهة وتغير وجهه خوفاً على أمته عند رؤية الغيم أو الريح قائلاً: "ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب". ويفرق بين مطر الرحمة (الغيث) ومطر العذاب مستشهداً بريح عاد العقيم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب قوله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال ابن عباس: عارض، أي السحاب. كان السحاب الذي رأوه في السماء، رأوا غيمًا، فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم قالوا: هذا عارض ممطرنا. وهذه الآية أنا يحكي الله عز وجل ما حصل لقوم هود. وقيل: إنما هؤلاء الذين أغرقهم الله عز وجل بالمطر وعذبهم به هم عاد ثانية، وليست الأولى. لأن قد جاء عند أحمد أن لأ... أن بعضًا أو لا... أي من عاد رأوا عارضًا أو رأوا قحطًا، فلما رأوا هذا القحط بعثوا قيل بن عنز إلى معاوية بن بكر بمكة يستسقي لهم. وهذا يدل على أن هذه عاد بعد بناء الكعبة، وكذلك قد سكنها بكر، وبكر إنما جاء بعد خزاعة. فمكة عنده قيل بن عنز، مكة عنده شهرًا في ضيافته، تغنيه الجرادتان، أي جاريتان تغنيان له وهو يشرب الخمر. معنى أوصوه أهله أن استسقه، أن قومه أوصوه إلى مكة لأجل أن يستسقي، فنسى السقية وذهب يعبث بالجوار، وكذلك يشرب الخمر، وكذلك أيضًا ينظر إلى هذه الراقصات. فبعد... بعد شهر خرج لهم وجاء إليهم، فلما رأوه قالوا: ماذا فعلت؟ فرأى سحابات، جاءت سحابات، فقالوا... فقالوا: هذا عارض ممطرنا. فخير بأن يختار إحدى هذه السحابات، فاختار السوداء منها، فنودي: خذها رمادًا مربدًا، لا تبقي من عاد أحد. وبهذا استدل بعض العلماء على أن هذا عاد ليس عاد الأولى، كما ذكر الله عز وجل في سورة النجم، فذكر أن هناك عاد الأولى وهي عاد طسم... هود. لكن الإشكال أن الله عز وجل لما ذكر هذه العاد في سورة الأحقاف، ذكر أولًا في بدايتها: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾، ثم ذكر هذه الآية في سياق الآيات: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فهل الله عز وجل ذكر عاد الأولى وعاد الأخرى، أم أن المراد هذه عاد؟ لأن الإشكال في هذا الحديث الذي رواه أحمد، وكذلك أخرجه الطبراني وابن ماجه والنسائي، وهو حديث صحيح، حديث الحارث بن حسان البكري، وقد ذكره شيخنا مقبل في الصحيح المسند، وفيه أن هذه عاد بمعنى أنها بعد بناء مكة، وبناء مكة إنما حصل في زمن إبراهيم. إلا أن يقال بالقول الآخر: أن مكة كانت مبنية، بناها آدم، وبقيت هذه الكعبة ولم يجرفها السيل الذي جاء لقوم نوح، وإنما بقيت حتى جاء قوم عاد، وكانت هذه الكعبة معظمة. ممكن أن يقال هذا، والله أعلم. وأما الحافظ ابن كثير رحمه الله، اختار أن قوله جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾، أن عاد هذا ليس هو... أن عاد ليس قوم هود، ليس قوم هود الذي ذكرهم الله عز وجل في الآيات الأخرى، وإنما أرسل لهم آخر، أرسل لهم آخر بعثه الله عز وجل رسولًا لهم. فهذا الذي رجح الحافظ ابن كثير. وأيضًا أن الأحقاف ليست في زمن عاد أو سكن عاد في هذه الأماكن، لكن الذي قصده الله عز وجل في القرآن هو ليس هودًا. فهذا يلزم من كلامهم، أي من كلام الحافظ ابن كثير وغيره ممن نحا هذا النحو. ومنهم كما قلنا من بقي على الأصل، فقالوا: أن عاد في سورة الأحقاف هم قوم هود، وأن الذي أرسله الله عز وجل لهم هو هود. صحيح أن الله عز وجل ذكر أن عذابهم كان بالريح، لكن لا تعارض بين الريح والمطر، فالمطر غالبًا تحمله الريح، والسحب غالبًا تحملها الريح، فقد يكون نفسه. لكن هذا الحديث يدل على أنه ذهب إلى مكة قبل أن يأتي وقت إبراهيم، وأن الكعبة كانت مبنية. لكن الإشكال فيها أيضًا أنه ذكر معاوية بن بكر، ومعاوية بن بكر إنما دخل مكة بعد زمن إبراهيم، والله أعلم. فلهذا فالإشكال قائم. لكن العبرة من القصة موجودة، حتى إذا لم نعلم هل هو المراد به عاد الأولى أو عاد الأخرى، فالمراد هو العبرة من هذه القصة، وأنهم أرادوا الله عز وجل أن يمطرهم، وهم يجاهرون الله عز وجل بالمعاصي، بل بالكفر والشرك، والعياذ بالله. فلهذا الله عز وجل عاقبهم بهذه العقوبة العظيمة، أعطاهم هذا المطر الشديد والريح الشديدة التي عذبتهم. فقال الله عز وجل: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وجاء في الحديث أنه قال: خذها رمادًا مرمدًا، لا تبقي من عاد أحدًا. والله عز وجل قال: ﴿فَأَصْبَحَ لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾، أن هذه الريح قضت على كل شيء، فأصبح لا يرى إلا مساكنهم. طيب، قال: حدثنا أحمد، قال حدثنا من سيعرف... أحمد هنا ابن من؟ ابن طهر؟ ابن نبي سرح؟ لا، هذا يصحح مسلم... أحمد، أحمد بن صالح، أحمد بن صالح المصري، ابن الطبري، الذي لُقب ابن الطبري، حافظ من حفاظ أهل مصر. وقد ذكرنا ترجمته قريبًا، وما قاله فيه الإمام النسائي رحمه الله، وكذلك ما نقل عن يحيى بن معين. تعلمون أنه ذكر العراق في العُلفية، أنه قال: ولا يقبل قول الجارح كالنسائي في أحمد بن صالح. رد أحمد بن صالح، هذا ابن الطبري، معناه أن النسائي رحمه الله تكلم فيه، والنسائي لم يتكلم فيه، معناه أنه جاء الكلام عنده، وإنما نقل ذلك عن يحيى بن معين، وأنه سئل عن أحمد بن صالح، قال: رأيته في مسجد بني أمية كذابًا متفلسفًا. وبعض العلم يقول: أن الذي سئل عنه يحيى بن معين، كما قال ذلك الخليل وغيره، أن الذي سئل عنه يحيى بن معين هو أحمد بن صالح الشامي، وهو دمشقي، وليس مصريًا، لأنه ذكر جامع بني أمية، وجامع بني أمية في دمشق. فالظاهر أنه أراده، وليس أحمد بن صالح المصري ابن الطبر. فالإمام النسائي رحمه الله ظن أنه أحمد بن صالح ابن الطبر، ومعلوم أنه قد حصل بينه وبين أحمد بن صالح شيء، لأن أحمد بن صالح طرد النسائي من حلقته، وليس طرده لأجل شيء، وإنما أن أحمد بن صالح ما كان يدخل الأحداث في مجلسه، ما كان يدخل الأحداث في مجلسه، والنسائي كان في ذلك الوقت في بداية شبابه، لم تنبت له لحية، فلهذا أخرجه. والإمام أبو داود سليمان بن الأشعث جاء بولده، لكنه لم يجعله يراه، جاء بولده عبد الله يسمع الحديث من ابن الطبر، ثم في آخر المجلس رآه، فقال: ابن من هذا؟ فقال له أبو داود: هذا ابني. فقال: ولم أدخلته؟ فقال: يسمع منه هذا المجلس الذي قد ذكرته من الأحاديث. فقال لعبد الله: سمع للشيخ، أو أسمع الشيخ. فجاء... جاء بالأحاديث كلها التي حدث بها أحمد بن صالح. فقال: مثل هذا يدخل. فأحمد بن صالح ما كان يريد أن يمنع أحدًا، لكن يريد أنه يجعل هذا المجلس مجلس هيبة، فإذا دخل فيه الأحداث عملوا ضوضاء وشغبًا وغيره، مثل بعض طلابنا الآن وقت الدروس يتضاربون في الخارج أو في قرب المسجد، هذا ما يمغي، كذلك يعملون الشغب والكلام في وقت الصلاة. فالمهم أن أحمد بن صالح رحمه الله كان يمنع أولًا الأحداث من دخول حلقته، فحصل ما حصل، وجلس الإمام النسائي لحرصه، جلس على الباب، لكنه لم يحدث عن أحمد بن صالح، أخذ عنه لكنه لم يحدث عنه لما حصل، لكنه حرص على أن يسمع الحديث. وأما كبار أهل العلم كأحمد بن حنبل، وأيضًا يحيى بن معين، جاء عنه أنه أثقَه، وهذا يدل على أنه لم يكن يريده. ذكر الإمام الذهبي رحمه الله أن أحمد بن صالح ذكر عنه شيء من التيه في شبابه، لكن قال: هذا في شبابه، قد يكون الشخص في شبابه عنده شيء من الحدة والطيش، لكن لما يكبر ويشيخ تذهب هذه الأشياء. فقال الإمام الذهبي: لعل هذا كان في شبابه. والمهم أن أحمد بن صالح من أئمة العلم، وكان يجمع حديث الزهري، من أعرف الناس بحديث الزهري. يقول ابن زنجوي، محمد بن زنجوي رحمه الله، صاحب كتاب الأموال، معنا غير كتاب أبي عبيد، أنا له كتاب سمعه، كتاب الأموال مثل كتاب أبي عبيد، وكان من أصحاب أحمد. قال: لما ذهبت إلى ابن الطبري، قال: من أين أنت؟ قلت: أنا من بغداد. فقال: أين مسكنك من أحمد بن حنبل؟ قلت: أنا من أصحابه. قال: فأعلم لي مكان بيتك، حتى إذا أتيتك دلني على بيت أحمد بن حنبل. كأنما يريده واسطة، وكذلك دلاله يدله على البيت. قال: فلما خرج أحمد بن صالح إلى عفان، جاء إلي في بغداد، فقال: الوعد. فقلت: الوعد. فذهبت به إلى أحمد بن حنبل، ودخلت على أبي عبد الله، فقلت: أن أحمد بن صالح استأذن. قال: أحمد بن صالح بن الطبر؟ قال: نعم. قال: أذن له. فلما دخل قام وقبله وعانقه، وأجلسه، وقال له: قد أخبرت أنك تجمع حديث الزهري، تعال نتذاكر حديث الزهري، نتذاكر ما روى الزهري عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار. ثم قال بعد ذلك: تعال نروي أحاديث الزهري. ويتذاكرون، كم يأتي بالأحاديث التي رواها الزهري عن أصحاب رسول الله، معنا عن سعيد المسيب، أو أقصد عن أنس بن مالك، وعن بعض الصحابة الصغار. ثم يأتي بأحاديث التي رواها الزهري عن أبناء الصحابة من المهاجرين، فجاء بحديث عبد الرحمن بن عوف في حلف الطيبين إلى آخر القصة. فالمهم أن أحمد بن حنبل كان يعظمه ويجله، فلهذا فهو من ثقات أهل مصر وحفاظهم. قال: حدثنا ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب، يلقب بديوان العلم، من حفاظ أهل مصر، وهو الذي نشر مذهب مالك في مصر. نشر مذهب مالك في مصر، معنا الليث موجود في مصر، الليث بن سعد، أبو الحارث الفهمي، إمام أهل مصر، لكنه لم ينتشر مذهبه كثيرًا. فلما جاء ابن وهب، عبد الله بن وهب، كان رحمه الله نشيطًا في العلم، وفي أيضًا كذلك نشر العلم، فانتشر مذهب مالك في مصر. معنا الليث، كما قال الشافعي: أفقه من مالك. قال الشافعي رحمه الله: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه ضيعوا... ضيعوا معنا ما نشر علمه. والمراد أنه لم ينشر علم الليث كما نشر علم مالك، وإلا مسائل الليث قد جمعها بعض المعاصرين، فألف كتاب فقه الليث، فقه الليث بن مالك، فقه الليث بن سعد، لكنه شيء محصور، ليس كما نقل عن إمام مالك رحمه الله. فلهذا تجد أن في مصر انتشر مذهب مالك أكثر من مذهب الليث، بل مذهب الليث انقرض، وبقي في مصر سنوات قليلة، مذهب مالك رحمه الله. وهذا يدل على أن بعض العلماء والمشايخ تجده نشيطًا في نشر العلم، وكذلك أيضًا يأتيه الناس من كل مكان، وهذا مما ينشر علم العالم. فمالك رحمه الله جاءه الناس من كل مكان، ومن هؤلاء ابن وهب، من هؤلاء ابن وهب رحمه الله، فآخذ مذهب مالك، وكذلك حديثًا، ونشره في مصر، فقد جاءه أكثر أهل مصر، أن أكثر أسانيد مصر تجدها عن عبد الله بن وهب رحمه الله، وعن عمر بن الحارث. قال: أكبرنا عمر، وعمر هو ابن الحارث، زينته المصر، وسراجه المصر، وحافظه المصر، رحمه الله. قال: أن أبا النظر، وهو أبا النظر أو سالم، قال له سالم، أبا النظر، وهو يعتبر مدني. قال: حدثه عن سليمان بن يسار، سليمان بن يسار مدني كذلك، وسليمان بن يسار أخو مسلم بن يسار، وهؤلاء من خيرة التابعين، وأيضًا لهم أخ ثالث، كلهم على منوال واحد: سليمان بن يسار، ومسلم بن يسار، وظاهر أيضًا ثالث، ليس هو عطاء بن يسار، عطاء بن يسار ليس أخوهم. فالمهم هؤلاء الثلاثة كانوا من أكثر الناس علمًا، وكذلك عبادة، حتى أن مسلم بن يسار كان إذا دخل الصلاة لا يدرك شيئًا، ولا أيضًا يسمع شيئًا، حتى أن أولاده، أولاد مسلم بن يسار أخو سليمان، كانوا إذا دخل أباهم سكتوا وهابوه، فإذا أخذ في الصلاة أخذوا في اللعب. إذا معنى صلى يلعبون، لأنهم يرون أنه لا يحس بأحد. إذا صلى سقط نصف المسجد وهو يصلي، خرج الناس من المسجد وهو يصلي، ما درى أن المسجد سقط. وهذا يدل على قمة الخشوع، رحمة الله عليهم. وكان سليمان أيضًا بن يسار مثله في العبادة والطاعة، لكن سليمان كان كثيرًا ما يروي عن النبي عليه الصلاة... أو ما يروي لحديث عن الصحابة. قال: عن سليمان بن يسار، عن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي عليه الصلاة والسلام، قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم. قالت: وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عرف في وجهه. قالت: يا رسول الله، إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية. فقال: يا عائشة، ما يأمني أن يكون فيه عذاب، عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا. فهذا الحديث العظيم تذكر عائشة صفات من صفات نبي الله عليه الصلاة والسلام، ومن هذه الصفات العظيمة التي كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يضحك حتى يرى منه لهواته. لهواته: معنى اللسان الداخلية، اللها. معنى: ما كان يضحك حتى يفتح فمه كثيرًا ويخرج صوتًا، ما كان هذا دأب النبي عليه الصلاة والسلام، وما كان أيضًا فعله، وإنما كان ضحكه تبسمًا، كما جاء في الرواية الأخرى: كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسمًا. إن ضحك كثيرًا رؤية نواجذه، رؤية نواجذه عليه الصلاة والسلام. والضحك أنواع، الضحك أنواع درجات، ومنه التبسم، التبسم يعتبر ضحكة. ولهذا في بعض الأحاديث تجد: حتى ضحك النبي عليه الصلاة عليه وسلم فرؤية نواجذه. فمثل هذا الضحك ليس المراد ضحك أنه يضحك حتى ترى لهواته أو يخرج صوتًا كثيرًا، لا، وإنما المراد به التبسم، كما قالت عائشة: كان ضحك النبي عليه الصلاة والسلام تبسمًا، ما كان يفعل كأحدكم يضحك حتى ترى لهواته عليه الصلاة والسلام. فهذه أيضًا صفة عظيمة من صفات رسول الله صلوات الله وسلام عليه. قالت: وكان إذا رأى غيمًا، هذه الصفة الأخرى، إذا رأى غيمًا أو ريحًا عرف في وجهه، وهذا لشفقته على أمته عليه الصلاة والسلام، وشدة خوفه. ولهذا قال: يا عائشة، ما يؤمنني أن يكون عذابًا، أو يكون فيه عذاب. فقالت له عائشة: يا رسول الله، إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا، إذا رأوا الغيم استبشروا بالمطر، أن يكون فيه المطر. وهذا أيضًا من الأدلة التي تدل على أنه قد يطلق على الغيث مطر، ليس على إطلاقه، وإن كان قاله بعض الأئمة كسفيان بن عيينة وغيره، لكنه مقيد في القرآن، مقيد بالقرآن، معناه: القرآن إذا أطلق أو ذكر مطرًا، فالمراد به المطر العذاب، وإذا أراد أن يذكر مطر الرحمة ذكر الغيث. لكن هذا في القرآن، وأما في الأحاديث وفي لغة العرب، يطلق هذا على هذا، يطلق المطر على الغيث، فالغيث يعتبر من المطر، لكنه مطر رحمة، مطر رحمة. ولهذا قال في حديث زيد بن خالد في الصحيحين: فقال لما صلى الفجر، كان على أثر سماء، على أثر مطر أصابتهم، فقال: أتعلمون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال الله عز وجل: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مُطرنا بنوء كذا، أي بنجم كذا، أو بنجم كذا، فهو كافر بي مؤمن بالكوكب. فهذا الحديث أيضًا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المطر، وأن هذا الغيث الذي أصابهم سماه مطرًا، فيجوز أن يسمى الغيث مطرًا، لأنه داخل فيه، والمطر تأتي بمعنى مطر الرحمة، وتأتي بمعنى مطر العذاب. طيب، فقال هنا: قالت عائشة: أن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاء أن يكون فيه مطر، صيبًا نافعًا، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهة أو الكراهية. قال: يا عائشة، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا. وقد جاء أيضًا في الصحيحين أن عائشة رضي الله عنها، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به. قالت عائشة في نفس الحديث: وإذا تخيلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سري عنه. وهذا لفظ الإمام مسلم رحمه الله. فسري عنه، كان النبي صلى الله عليه... وإذا رأى مخيلًا، أي سحابًا، أقبل وأدبر، كما في رواية البخاري. فقال هنا: عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقال: هذا عارض. وهنا أيضًا هذه الرواية مما استدل بها على أن الذين عذبوا بالريح ليسوا قوم هود، معنى: هؤلاء الذين عناهم الآن ربنا جل وعلا في هذه الآيات. هذا أيضًا مما استدل به على ما قاله الحافظ ابن كثير وغيره من العلماء، على أن عاد هذه ليست عاد الأولى، لأنه قال عليه الصلاة والسلام: عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب. هذا في مغايرة، معنى: أنهم ليسوا قوم... ليسوا قوم هود، مع أن الذين عذبوا بالريح قوم عاد. فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق، وقالوا: من أشد منا قوة؟ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة؟ وكانوا بآياتنا يجحدون، فأرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا في أيام نحسات. فهذا الريح أرسلها الله عز وجل على قوم عاد. وهنا أيضًا ذكر ربنا جل وعلا كان في سياق قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. هذه الريح فيها مطر شديدة، وفيها أيضًا عذاب. فلهذا فقد يكون أيضًا معناه كما قلنا، استدل الذين قالوا بأن عادًا هناك عاد أخرى، والله عز وجل لما قال عادًا الأولى أراد أي القديمة، عاد الأولى، أي أن هناك عادًا أخرى جاءت بعدها. وقال بعضهم: أن قول الله عز وجل: عادًا الأولى، أن يريد أنها أول الأمم، أول الأمم بعد قوم نوح، بعد قوم نوح. الأولى هنا قصد بها القديمة، أو قصد بها قد مضى عليها زمان، فقال: عادًا الأولى. ومنهم كما قلنا من فسر أن هناك عادًا الأولى وهم قوم هود، وعادًا أخرى وهم قوم نبي وهو من الأحقاف: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾، والأحقاف هي الكثبان الرمال التي في حضرموت أو في الشحر، كما ذكر الحافظ عن قتادة وغيره. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرًا.