الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 166، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع باب البخاري في قطع الأرحام، مبيناً انتقائية البخاري في الرواية عن خالد بن مخلد عبر سليمان بن بلال فقط، ثم يسوق حديث أبي هريرة عن الرحم التي قامت فأخذت بحق الرحمن، فقال الله: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟
يستعرض المقطع أحاديث نبوية متعددة تبرز مكانة صلة الرحم العظيمة، وتوضح أن الرحم تشمل كل من ارتبط بالإنسان نسبًا من جهة الأب أو الأم. ويؤكد أن صلة الرحم من أوائل ما أمر الله به، وأن من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله.
تختلف صلة الأرحام باختلاف القرابة والعرف، فبعضهم تصله بالمال، وبعضهم بالزيارة، وبعضهم بالإحسان والهدايا، ولا يكتفى بنوع واحد إذا كان القريب محتاجًا لغيره. وقد اشتق الله اسم الرحم من اسمه الرحمن، وجعل قطعها إفسادًا في الأرض.
يُختتم المقطع بعبارات الشكر والتسليم لله تعالى على التيسير، مع إشارة إلى انتهاء الحديث.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: وتقطعوا أرحامكم». قول الله عز وجل: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾. قال رحمه الله: حدثنا خالد بن مخلد، وهو أبو الهيثم البجلي الكوفي، ويقال له: القطواني. خالد بن مخلد القطواني، وذكر ابن حبان أنه كان يكره «القطواني»، لكن أهل الحديث إذا عرف الرجل بهذا اللقب فإنهم يأتون به حتى لا يشتبه بغيره، ولهذا تجد أن اللقب ينتشر أكثر من الاسم؛ كسلمش، وكذلك غندر، وكذلك أيضًا من دار، وغيرها، وعارم، وغيرها من القابلة في أهل العلم، فتنتشر وإن كان بعضهم لا يحبها، لكن لأجل أنهم اشتهروا بها. وهذا أيضًا اشتهر بالقطواني، وإلا فهو بجلي مولى. وخالد بن مخلد قد قال العلماء: إن عنده مناكير، أنه يروي المنكرات من الحديث. وقال أحمد، والبخاري، وجماعة... لكن البخاري انتقى من حديثه، ولم يروِ البخاري من حديثه إلا ما كان عن أهل المدينة خاصة، عن سليمان بن بلال. وقد ذكر ابن معين وغيره أن خالد بن مخلد روايته عن أهل المدينة مستقيمة، فلا ينكر على الإمام مالك أو الإمام البخاري بإخراج حديث خالد بن مخلد؛ لأنه إنما انتقى من حديثه. لهذا ما تجده في البخاري إلا من رواية سليمان بن بلال. حتى حديث الأولياء: «من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب»، الذي قال فيه الإمام الذهبي: «لولا هيبة الصحيحين، أو لولا هيبة الصحيح لضعفته». لكن الصحيح أنه من رواية خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال، وهذه رواية مستقيمة، والبخاري رحمه الله لا يروي إلا صحيح الحديث عن مشايخه، أنه ينتقي من حديثهم. قال: حدثنا خالد بن مخلد، قال: حدثنا سليمان، وهو ابن بلال المدني القرشي التيمي، قاضي أهل المدينة، كان ثقة حافظًا. قال: حدثني معاوية بن أبي مزرد، معاوية بن أبي مزرد هو ابن أخي سعيد بن يسار المدني، وهو ثقة. قال: عن سعيد بن يسار، وهو أبو الحباب المدني، صاحب أبي هريرة. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله قال...» عليه الصلاة والسلام: «خلق الله الخلق، فلما فرغت منه قامت الرحم، فأخذت بحق الرحمن، فقال لها: ما لك؟ قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة» - أو قال: «العائد بك من القطيعة» - «قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب. قال: فذاك لك». قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾. ثم رواه أيضًا عن إبراهيم بن حمزة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل الكوفي أيضًا، نزيل المدينة، عن معاوية، وهو ابن أبي مزرد، قال: حدثني عمي أبو الحباب سعيد بن يسار، عن أبي هريرة بهذا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اقرؤوا إن شئتم: فهل عسيتم...». ثم ذكر أيضًا إسنادًا آخر، فقال: حدثنا بشر بن محمد المروزي، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا معاوية بن أبي مزرد بهذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اقرؤوا إن شئتم: فهل عسيتم...». وأنا حاتم بن إسماعيل، وعبد الله بن المبارك رويا عن معاوية، فجعلوا قراءة الآية من كلام، من قراءة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وسليمان بن بلال رواه، فجعل القراءة - أي قراءة الآية - من الذي قرأها أبو هريرة. ولعل أبا هريرة قرأها مثل ما قرأها النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا الحديث فيه فوائد عظيمة، وأهم فائدة فيه: تعظيم مقام الرحم، وأن الرحم لها مقام عظيم. والمراد بالرحم هنا: كل من قرب إليك من الأب أو الأم، أي كل من كان لك ارتباط به في الولادة من طريق الأب أو من طريق الأم، فهذا يعتبر رحمًا. يدخل في هذا: أقرب الناس من الأرحام الوالدان، ثم الأقرب فالأقرب، الأبناء أيضًا كذلك، الإخوة، الأجداد، الأعمام، الأخوال، وأبناؤهم. وكل هؤلاء يعتبرون من الرحم. فالرحم قال الله عز وجل: «ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟» وهذا عظيم، ومقام كريم بهذه الرحم. فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله، كما جاء في حديث عبد الرحمن بن عوف: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من وصل رحمه وصله الله، ومن قطعها قطعه الله». ولهذا كانت صلة الرحم في هذا الدين بمقام عظيم، حتى أن أبا سفيان لما سأله هرقل عن ماذا يدعو، قال: يدعو إلى الصلاة والصدقة والصلة. وقال كذلك جعفر بن أبي طالب للنجاشي - أقصد جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي - وجاء في حديث عمرو بن عبسة أنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «إلى ما تدعو؟» قال: «أدعو إلى عبادة الله وحده، وكسر الأوثان، وصلة الأرحام». وكسر الأوثان وصلة الأرحام. وقال في حديث أبي أيوب الأنصاري لما سأله الأعرابي عن ما يدخله الجنة ويبعده عن النار: «لا تشرك بالله شيئًا، وأقم الصلاة المفروضة، وآتِ الزكاة المفروضة، وصل الرحم». وغير ذلك من الأحاديث التي جاءت في صلة الرحم. فصلة الرحم عبادة عظيمة أمر الله عز وجل بها، وهي من أوائل ما أمر الله عز وجل به رسوله، وهي من الأخلاق العظيمة التي بعث النبي عليه الصلاة والسلام ليتممها. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام لما جمع قومه فخص وعم، ثم قال في آخر الحديث: «يا بني عبد مناف، إنما لكم رحم علي سأبلها ببلالها، إنما لكم رحم علي سأبلها ببلالها» - أي: سأصلها بصلتها. وهذه الرحم، معنى صلة الرحم: المراد به ما يكون بين الأرحام من ترابط، ما يكون بين الأرحام من ترابط حتى لا تحصل القطيعة. فلا يشترط مثلًا أن الرحم تُزار، وليس معنى أن الرحم مثلًا تؤتى في كذا وكذا من الأيام، لا. إنما المراد: من كان مثلًا يقابله من أرحامه، من أعمامه، من إخوانه، فلا يحتاج إلى زيارة مثلًا في بيته، أو أن يذهب إلى المكان الفلاني يزوره. فهؤلاء الأرحام يختلفون حتى في صلتهم وزيارتهم. وليس الصلة فقط الزيارة. وهناك من الأرحام من تكون صلته بالمال، وهناك من الأرحام من تكون صلته بالإحسان إليه بالهدايا، وهناك من الأرحام من تكون صلته بالزيارة، وهكذا. فتختلف هذه... أو صلة الأرحام تختلف. صلة الأرحام تختلف، وكلما أحسن العبد إلى أرحامه كلما كان أعظم. ولهذا كما قلنا: فصلتهم تختلف. حتى إذا كان فصلتهم بالزيارة فإنها تختلف. وإذا كان مثلًا هناك حق على العبد في صلة رحمه مثلًا بالمال، مثل مثلًا والدته أو والده، لا بد أن يصله بالمال، ويصله كذلك بالزيارة. لكن لو اكتفى بالزيارة ولم يصله بالمال، فهذا يعتبر ليس من الصلة. لا بد أن يصله كذلك بالمال إن كان عنده، إن كان عنده هذا المال. وكذلك أيضًا يصله بالإحسان إليه وبالهدايا بغيرها، فهذا أيضًا يعتبر من الإحسان ومن الصلة. وكذلك كما قلنا: حتى الزيارة تختلف. فليس الأم كالعمة، وليس الأم كخالة. بل الأم تحتاج إلى زيارة أكثر، بل أحيانًا حتى ما يمر عليك أسبوع أو أقل إلا وتزورها إذا كانت ليست في بيتك. معنى: تطمئن عليها، وكذلك تراعي ما تكون عليه، أو إذا كان شيء ناقصها. وكل ذلك يعتبر من الصلة. كذلك أيضًا صلة الأعمام والعمات والأخوال والخالات والإخوة، وكل أولئك يحتاجون إلى صلة، لكن ليس كما قلنا كلهم سواء. فممكن مثلًا العمة تأتيها من سنة إلى سنة إذا لم يكن هناك قطيعة، وإذا لم تكن محتاجة إليك. وممكن أيضًا كذلك الخالة، ممكن كذلك الأعمام تراهم فقط بعد سنوات، تكون مسافرًا أو هم مسافرون. لكن أهم شيء أن الإنسان يخلّي نفسه من أن يكون هناك من الأرحام من يحتاج إليه ثم يصرف بصره عنه، سواء كان يحتاج إليه في الرعاية، أو يحتاج إليه بالمال وهو عنده، أو يحتاج إليه بغيرها من هذه الأمور. فهذا أيضًا تعتبر من صلة الأرحام. فالصلة كما قال الإمام النووي: ليس لها ضابط معين، ليس لها ضابط معين، وإنما بحسب العرف، وبحسب أيضًا درجة الأرحام. أيضًا في هذا الحديث: أن الله عز وجل اشتق الرحم من اسمه الرحمن، كما جاء ذلك مبينًا في حديث عبد الرحمن بن عوف: «إن الله اشتق الرحم من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله». وجاء في لفظ: أنه قال الله عز وجل: «ألا ترضين أن اشتق لك اسمًا من اسمي؟» ثم قال: «وأصل من وصلك، وأقطع من قطعك». فهذا كل يدل على عظمة مكان الأرحام. ولهذا قال الله عز وجل في هذه الآية: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾. فجعل تقطيع الأرحام من الإفساد العظيم في الأرض، جعل تقطيع الأرحام من الإفساد في الأرض. ولأن صلة الأرحام من اجتماع وترابط الناس، وترابط أهل الإسلام. طيب، هذا ما يسر الله تعالى. أعلم. شكرًا.