الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 162، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع معاني مفردات مثل "تفيضون" و"أثارة" وفق تفسير مجاهد، ثم يستعرض حجة الله تعالى ببطلان الآلهة التي يعبدها المشركون لعدم خلقها شيئاً ولا ملكها نفعاً أو ضراً. يستدل بآيات من سورة الأحقاف وقصة عجل بني إسرائيل لتأكيد هذا البطلان.
يبيّن المقطع أن الآلهة المزعومة لا تخلق شيئاً ولا تشارك الله في ملك السماوات، ويطالب الله بدليل من كتاب أو علم يبرر عبادتها. يؤكد أن إشراكهم مع الله ظلم وجنون، مستشهداً بأحاديث وآية تطلب إظهار ما خلق الشركاء مع تفسير ابن عباس.
يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس أول الرسل بل خاتمهم، وقد سبقه رسل لهم أزواج وذرية. يفسر "أرأيتم" بأنها توعد وتهديد للكفار، وأن الرؤية هنا تعني العلم والتفكر في بطلان معبوداتهم دون الله.
يختتم المتحدث الشرح بالإشارة إلى كلمات للإمام البخاري ذكرت في سياق سورة الأحقاف. يعلن الاكتفاء بهذا القدر من الشرح مع تفويض العلم لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة الأحقاف. وقال مجاهد: "تفيضون" أي: تقولون. "فلا تفيضون فيه" أي: تتكلمون فيه. وقال بعضهم: "أثرة" و"أثرة" و"أثارة": بقية من علم. "أثارة من علم": قل أرأيتم ما تدعون من دون الله، أروني ماذا خلقوا من الأرض، أم لهم شرك في السماوات؟ أم لهم شرك في السماوات؟ ائتوني بكتاب قبل هذا أو أثارة من علم. "أثارة من علم": أي حجة وشيء يدل على هذا الذي تدعونه من دون الله، وإلا فأنتم كذبة. المدعي إذا لم يقم بيّنته على ما يدعيه فإنه كاذب. وهؤلاء ادّعوا أن هناك آلهة من دون الله عز وجل، فالله عز وجل يبيّن لهم أن هذه الآلهة لا تخلق شيئًا، فكيف تكون آلهة؟ {واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا}. آلهة لا تملك شيئًا من هذا، كيف تكون آلهة؟ فهي آلهة باطلة. وقال الله عز وجل في عجل بني إسرائيل: {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلًا؟ اتخذوه وكانوا ظالمين}. فهذه الآلهة التي اتخذوها لا تنفعهم ولا تضرهم، وليس بيدها شيء، فكيف تكون آلهة؟ وهكذا هنا قال: {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله، أروني ماذا خلقوا من الأرض}. هل خلقوا شيئًا في هذه الأرض؟ ما يستطيعون يخلقون شيئًا أبدًا، فكيف يكونون آلهة؟ وهل لهم شرك في السماوات؟ هل يشاركون الله عز وجل في هذه السماوات العظيمة؟ لا، ليس لهم كذلك شيء. فقال الله عز وجل: {ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم}. إن تدلّ على أنكم على شيء في عبادتكم غير الله جل وعلا، أو إشراككم هؤلاء الآلهة بالله عز وجل. كيف تشركونهم مع الله وهم ليس لهم شيء؟ هذا من الجنون، وكذلك من إعطاء الشخص ما ليس له. وكذلك أيضًا من الأمور التي تغضب الله عز وجل: أنه يخلق ويرزق والعبادة تكون لغيره، كما جاء في الحديث: أن الله عز وجل يقول للعبد يوم القيامة: "يا ابن آدم، جعلتك ترأس وتربع وفعلت لك، فماذا فعلت؟" فيقول: "فعلت كذا وكذا يا رب"، فيقول الله عز وجل: "قد أردت ما هو أهون من ذلك: أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا شرك، فأبيت إلا شرك". وجاء في الصحيحين: "لا أحد أسمع أذن من الله"، فهو يخلقهم ويرزقهم، ويدعون له الولد. يخلقهم ويرزقهم، ويدعون له الولد. في رواية: "والصاحب أن يشركوا به جل وعلا"، فيدعون أن له ولدًا يشاركه، وهو الذي يخلق ويرزق، سبحانه جل وعلا. فقال جل في هذه الآية: {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله، أروني ماذا خلقوا من الأرض}. وقال ابن عباس: "بدعًا من الرسل"، أي: لست بأول الرسل. {ما كنت بدعًا من الرسل}، أي: ليس أنت أول، فقد أرسلنا رسلًا من قبلك، وجعلنا لهم أزواجًا وذرية. وهناك رسل قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الله عز وجل: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، منهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات}. وقال جل وعلا: {ورسلًا قد قصصناهم عليك، ورسلًا لم نقصصهم عليك، وكلم الله موسى تكليمًا}. فكان النبي عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء والرسل، وليس هو بدعًا من الرسل حتى ينكر هؤلاء رسالته. وقال غير واحد: "أرأيتم" هذه الألف إنما هي توعد. إن صح ما تدعون، لا يستحق أن يعبد. إن "قل أرأيتم" أن الألف هنا كأنها تهديد وتوعد: إن إذا كنتم تريدونها أو لا أن يكونوا آلهة، فانتظروا ما يكون لكم من عند الله. وليس قوله "ما رأيتم" برؤية العين، إنما هو "تعلمون" أو "أبلغكم" أو "بلغكم" أنما تدعون من دون الله خلقوا شيئًا. وغالبًا الرؤية إذا لم تتعدَ بحرف جر، فلا يراد بها نظر العين، وإنما يراد بها التفكر أو غيره أو النظر في المسألة. {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله}: هل تأملتم كيف تدعونه من دون الله وهو لا يستحق أن يدعى من دون الله؛ لأنه ليس له شيء، وليس له خلق ولا رزق ولا غيره حتى يدعى؟ فالرؤية هنا ليست رؤية عين، كما قال الإمام البخاري رحمه الله. وهذه بعض الكلمات ذكرها الإمام البخاري هنا في سورة الأحقاف. إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.