رمضان شهر الجود والإحسان

رمضان شهر الجود والإحسان

الخطبة بعنوان رمضان شهر الجود والإحسان، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة بتاريخ 17 رمضان 1447هـ الموافق 6 مارس 2026م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

استهلال الخطبة وفضل الجود في رمضان

استهل الخطيب بالثناء على الله وبيان مكانة رمضان بوصفه شهر الجود والإحسان، مستدلاً بأحاديث تصف النبي صلى الله عليه وسلم بأجود الناس خاصة عند مدارسة جبريل للقرآن. ووضح أن الجود أعم من المال ويشمل كل بذل للناس، مستشهداً بتعريف ابن حجر له بأنه إعطاء ما يحتاج إليه الناس.

مراتب الجود وفضله عند ابن القيم

شرح المفهوم الإسلامي للجود ومراتبه العشر التي ذكرها ابن القيم، وأعلاها بذل النفس ثم البدن والعلم والصبر والعفو. وأكد أن النبي ﷺ كان أجود ما يكون في رمضان، داعياً الصائمين للتحلي بالجود بالأخلاق الحسنة تقرباً إلى الله.

مزايا الجود والإحسان في شهر رمضان

بين أن الجود في رمضان أفضل لتهيؤ النفوس وتضاعف الأجور وتصفيد الشياطين وفتح أبواب الرحمة. وحث على اغتنام الشهر بالبذل من المال والعلم والأخلاق والتسابق في الطاعات قبل فوات الأوان.

دعاء الختام بالنصر والثبات للمسلمين

اختتم المتحدث بدعاء يسأل الله الثبات على الحق والنصر لأهل الإسلام، مختتماً بالحمد لله رب العالمين والدعاء بالخير للسامعين. وختم الخطبة بالابتهال إلى الله بقبول الصيام والقيام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، فإن في هذا الشهر... فإن أيها الإخوة الكرام، في هذا الشهر العظيم، هذا الشهر الفضيل الذي فيه يتسابق المتسابقون إلى الله جل وعلا وإلى رضوانه سبحانه وتعالى، ففيه من الأعمال العظيمة التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى من الصيام والقيام، وأيضًا كذلك من الأخلاق والتعاون وغير ذلك مما يكون. ومن أعظم هذه الأعمال التي نريد أن نذكر بها في هذا المقام هي عمل الجود والإحسان في هذا الشهر. فمعلوم أن هذا الشهر يسمى بشهر الجود، ويسمى بشهر الإحسان، لما يكون فيه من البذل والجود والإحسان العظيم في هذا الشهر ما لا يكون في غيره. في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة. وجاء في رواية: "أجود بالخير من الريح المرسلة". فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام وهو أجود الناس، كما قال أنس رضي الله عنه: كان نبينا عليه الصلاة والسلام أشجع الناس وأجود الناس، صلوات الله وسلام عليه، فهو يجود بما عنده، صلوات الله وسلام عليه. والجود، أيها الإخوة الكرام، لا يذهب الذهن إلى الجود بالمال فقط، بل الجود بكل ما يكون على الإنسان بذله. ولهذا عرفه الحافظ ابن حجر رحمه الله، قال: هو إعطاء ما عند الشخص مما يحتاج إلى إعطائه للناس. فهذا هو الجود، فالجود هو البذل. ولهذا ذكر الإمام ابن القيم رحمة الله عليه أن الجود عشر مراتب، كما ذكر في مدارج السالكين: الجود عشر مراتب، وأعظمها الجود بالنفس، أن يجود الإنسان بنفسه لله جل وعلا، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111]. وكذلك الجود بالبدن، وكذلك من أنفعها كما قال الإمام ابن القيم، ومن أعلى مراتبها الجود بالعلم، الجود بالعلم يجود بالعلم يبذله وينشره بين الناس. قال الإمام ابن القيم: وهو أنفع من المال وأشرف من المال، أنفع من المال وأشرف من المال. وذكر بقية المراتب. فالجود، أيها الإخوة الكرام، بما يكون بالإنسان، بل كما ذكر الإمام ابن القيم أن الجود قد يكون بالصبر والإغضاء والتحمل، فهذا أيضًا من الجود العظيم الذي تكون فيه النفس. فالمراد بالجود هو ما تحمله النفس من الأخلاق العظيمة والبذل والتعاون. فلذا ينبغي للمسلم الصائم أن تكون نفسه باذلة للخير، باذلة لما يكون فيه إحسان للناس، وكذلك أعظم ما يكون فيه التقرب إلى الله جل وعلا وبذل النفس بالطاعات لله سبحانه وتعالى، سواء كان في الصدقة، أو كان في الأخلاق الجميلة، أو كان في كف الشر، وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]، هذا أيضًا من الجود العظيم الذي يكون في هذه النفس التي تريد رضوان الله جل وعلا، أن تصبر وتتحمل وتعفو وتصفح عمن ظلمها، فإن الله عز وجل لا يحب الظالمين. فلذا، أيها الإخوة الكرام، أيضًا كذلك يكون الجود بالأخلاق الحسنة والإحسان إلى الناس، فهذا أيضًا من الجود العظيم الذي ينبغي للمسلم أن يحرص عليه، وخاصة في هذا الشهر. لا شك، أيها الإخوة الكرام، أن الجود يكون في هذا الشهر وفي غيره، لكنه في هذا الشهر أعظم، ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام أجود ما يكون في هذا الشهر، كما ذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنه. فلذا فالجود، أيها الإخوة الكرام، من أفضل الأعمال ومن أفضل الصفات التي يتصف بها الصائم لله جل وعلا. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا من عباده الجوادين والمحسنين، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، فالجود والإحسان في هذا الشهر العظيم شهر رمضان من أعظم الأعمال التي يحبها المنان سبحانه وتعالى. أيها الإخوة الكرام، إنما كان الجود والإحسان في هذا الشهر أفضل من غيره لما ترتبت عليه من الأمور العظيمة: أولاً، أن هذه النفس تتهيأ للخير، تتهيأ لفعله في هذا الشهر العظيم، تتهيأ هذه النفس لما يكون فيه من فتح أبواب الرحمات وإغلاق أبواب النيران، وتصفيد الشياطين. وإنه كذلك كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: "في أول ليلة من هذا الشهر ينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر". وأيضًا كذلك، أيها الإخوة الكرام، مما تتهيأ له في هذا الشهر العظيم من تقرب العباد إلى الله جل وعلا بمضاعفة الأجور، وكذلك تكثير الحسنات، فيجعل النفس تبذل ما يكون عندها من الغالي ومن الرخيص. وأيضًا كذلك، أيها الإخوة الكرام، أيضًا ما يكون فيه من توقي هذه النفس وتسابقها إلى الخير، فتجود بما يكون معها من المال والعلم والأخلاق الحسنة والإحسان إلى الناس والتعاون. كل ذلك يكون في هذا الشهر العظيم، فيبذل الناس أموالهم، ويبذل أهل العلم علمهم، ويبذل أهل الأخلاق أخلاقهم، وأيضًا يتعاونون مع غيرهم بالقيام بمصالح الناس وبمصالح أهاليهم أولاً. وهكذا، أيها الإخوة الكرام، يسود الجود والإحسان في هذا الشهر العظيم، وكذلك في غيره، لكن كما قلنا لتهيؤ هذه الأسباب في هذا الشهر، ولما يكون فيه من الرحمات من الله سبحانه وتعالى، ومن المغفرة، ومن العتق من النار، فإنه كما جاء: "ولله عز وجل عتقاء في كل ليلة من لياليه". فبهذا تشحذ الهمم، وكذلك تتوق النفوس إلى التقرب إلى الله جل وعلا، وإلى التنافس في الطاعات والبذل، حتى تتلقى هذه النفس من هذا الخير العظيم الذي يعده الله عز وجل لعباده في هذا الشهر الفضيل. الله الله، أيها الإخوة الكرام، لا نضيع أوقاتنا في القيل والقال والسهر والنوم، ونترك الطاعات والأعمال الصالحة والجود والإحسان في هذا الشهر العظيم. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا، وأن يعز هذا الإسلام ويعز أهله، وأن يذل الكفر والشرك والرفض وأهله. ونسأل الله جل وعلا أن يسلم، أن يسلم إخواننا المسلمين في كل بلاد أهل الإسلام من عداء الكفار، ومن أيضًا كذلك ما يقاتلون به أهل الإسلام، وكذلك ما يعتدون به عليهم. فنسأل الله عز وجل أن يكون معهم، أن يكون مع أهل الإسلام، ويكون ضد أولئك الكفار، ويكف شرهم ويهلكهم بإذنه سبحانه وتعالى. فنسأل الله عز وجل الثبات والنصر لأهل الإسلام، والحمد لله رب العالمين، وإياكم الله خير.