الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 109، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول المقطع آراء السلف الصالح في اجتناب أعياد المشركين، واستدل بالعديد من الأقوال المنقولة عن الصحابة والتابعين. يُظهر ذلك حرصهم على التميز عن غير المسلمين.
ناقش المقطع حكم استخدام أسماء الشهور غير العربية وترجمة القرآن والأذكار، حيث اختلف العلماء في هذه المسائل. يُظهر المقطع آراء إسحاق وأحمد بن حنبل في هذه القضايا.
يتناول المقطع آراء الفقهاء حول ترجمة الأذكار والعبادات من العربية إلى لغات أخرى، حيث اختلفوا بين المنع والجواز في حالات معينة. يُظهر آراء الفقهاء في استخدام اللغات الأخرى في العبادات.
استدل الفقهاء بنهي عمر عن الرطانة وآراء مالك وأحمد في حكم الدعاء بها، حيث يختلف الحكم باختلاف معرفة العربية. يُظهر ذلك اختلاف الحكم باختلاف المعرفة بالعربية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنزيل كلام الشيخ. في كلام السلف في اجتناب أعياد المشركين، واستدل بهذا على إجماعهم على ذلك، فجاء عن علي أنه كره أن يقول: نيروزا. وكذلك ذكر عن عمر أنه نهى عن تعلم رطانة الأعجم، وأن يتكلم بكلامهم بما لا يكون فيه حاجة. وكذلك نهى عن دخول الكنيسة عليهم يوم عيدهم، وقال: واجتنبوا أعداء الله في عيدهم. وذكر عن عبد الله بن عمر بالإسناد الصحيح أن من بنى ببلاد المشركين، وصنع نيروزهم ومهرجانهم -وهذه كما قلنا عيد الفرس- وتشبه بهم حتى يموت، حشر معهم. فلهذا فإن هذه كلها كلمات من الصحابة تبين أن الاحتفال بعيد المشركين لا يجوز. قالوا: قد نص أحمد على معنى ما جاء عن عمر وعلي، وذكر أصحابه مسألة العيد. وقد تقدم قول القاضي بيعلى في مسألة في المنع من حضور أعيادهم. وقال الإمام الحسن الآمدي المعروف بابن البغدادي في كتاب "عمدة الحاضر وكفاية المسافر": فصل، لا يجوز شهود أعياد النصارى واليهود. نص عليه أحمد في رواية مهنة، واحتج بقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾. قال أحمد: الشعانين وعيدهم. الشعانين هذا نوع من أنواع عيد اليهود. قال: فأما ما يبيعون في الأسواق في أعيادهم فلا بأس بحضوره. نص عليه أحمد في رواية مهنة، وقال: إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم وكنائسهم، فأما ما يباع في الأسواق من المأكل فلا بأس. وإن قصد إلى توفير ذلك وتحسينه لأجلهم، إذا كان هناك باعة لا بأس أن يشتري الإنسان. وقال الخلال في جامعه في باب كراهة خروج المسلمين في أعياد المشركين: وذكر عن مهنة قال: سألت أحمد عن شهود هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام، مثل طور يانور ودير أيوب وأشباهه -معنى هذه أعياد نصارى- قال: وأشباه ذلك يشهده المسلمون، يشهدون الأسواق ويجلبون الغنم والبقر والدقيق والبر والشعير وغير ذلك، إلا أنه إنما يكون في الأسواق يشترون ولا يدخلون عليهم بيعهم. قال: إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم، إنما يشهدون السوق فلا بأس. فإنما رخص أحمد رحمه الله في شهود السوق بشرط ألا يدخلوا عليهم بيعهم. فعلم المنع من دخول بيعهم -البيع هي الأماكن التي يصلون فيها-. قالوا: وكذلك أخذ الخلال من ذلك المنع من خروج المسلمين في أعيادهم. فقد نص أحمد على مثل ما جاء عن عمر من المنع من دخول كنائسهم في أعيادهم، وهو كما ذكرنا من باب التنبيه على المنع أن يفعل كفعلهم -معنى يفعل كفعل هؤلاء النصارى أو اليهود أو غيرهم من الكفار في أعيادهم-. قالوا: أما الرطانة وتسمية شهورهم بالأسماء العجمية، فقال أبو محمد الكرماني المسمى بحرب: باب تسمية الشهور بالفارسية. قلت لأحمد: فإن للفرس أياما وشهورا يسمونها بأسماء لا تعرف، فكره ذلك أشد الكراهة. ورووا فيه عن مجاهد حديثا أنه كره أن يقال: آدرماه وديماه. قلت: فإن كان اسم رجل أسميه به، فكرهه. قالوا: سألت إسحاق: قلت: تاريخ الكتاب يكتب بالشهور الفارسية مثل أدرماه وديماه؟ قال: إن لم يكن في تلك الأسامي اسم يكره فأرجو. قالوا: كان ابن المبارك يكره إزدان -يحلف به- وقال: لا آمن أن يكون أضيف إلى شيء يعبد -يعني يقول: أنه قد يكون هذا المراد به شيء يعبد-. وكذلك الأسماء الفارسية. قالوا: وكذلك أسماء العرب كل شيء مضاف. قالوا: سألت إسحاق مرة أخرى: قلت: الرجل يتعلم شهور الروم والفرس؟ قال: كل اسم معروف في كلامهم فلا بأس. أحمد كره ذلك -كره أن يأخذ بالأشهر الفارسية أو يسمى بتسميتها-. والأفضل والأولى لا شك أن الإنسان يأخذ بالأشهر العربية. قال: فما قيل من كراهة هذه الأسماء له وجهان: أحدهما إذا لم يعرف معنى الاسم، جاز أن يكون معناه محرما، فلا ينطق المسلم بما لا يعرف معناه. ولهذا كره الرقى العجمية -أي من شروط الرقية أن تكون بكلام مفهوم كلام عربي-. وذكر السيوطي على ذلك إجماع العلماء، لأنه ممكن أن الكلام الأعجمي لا يعرف معناه، فقد يكون فيه أشياء غير صحيحة، قال: كالعبرانية والسريانية وغيرها، خوفا أن يكون فيها معاني لا تجوز. وهذا المعنى هو الذي اعتبره إسحاق، لكن إن علم أن المعنى مكروه فلا ريب في كراهته، وإن جهل معناه فأحمد كرهه. وكلام إسحاق يحتمل أنه لم يكرهه. الوجه الثاني: كراهته أن يتعود الرجل النطق بغير العربية، فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي يتميزون. ولهذا كان كثير من الفقهاء أو أكثرهم يكرهون في الأدعية التي في الصلاة والذكر أن يدعى الله أو يذكر بغير العربية، لكن إذا كان ما يعرف إلا لغته -ما يعرف العربية- فلا بأس، خاصة في الأدعية. وأما الأذكار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو يؤتى بها بما جاء في الشرع. وأما القرآن فلا شك أنه لا يقرأ إلا بالعربية. وما ذكره بعض الحنفية من جواز هذا حتى في الفاتحة فهو غير صحيح، لأن القرآن أنزل باللغة العربية. وإذا ترجم إلى شيء آخر فإنه غالبا يغلط في الترجمة، لأن غالب التراجم يفسرون أفراد الكلمات، والتفسير غالبا بالأفراد لا يأتي بالمعنى صحيحا. ولهذا أجاز العلماء أن يفسر التفسير أو يترجم التفسير، أما القرآن لا يجوز أن يترجم. وأما التفسير يجوز أن يترجم التفسير لأنه معنى ولأنه ليس كلام الله، أما القرآن فلا يجوز أن يترجم القرآن. ولو قال الإنسان مثلا: أنا أعرف مقاصد القرآن. فقال العلماء: أنه لا يجوز ترجمة القرآن كما هي أيضا فتوى لجنة دائمة وغيرها. وأما التفسير كما قلنا يجوز أن يترجم التفسير. قال: وقد اختلف الفقهاء في أذكار الصلوات هل تقال بغير العربية؟ وهي ثلاث درجات أعلاها القرآن، ثم الذكر الواجب غير القرآن كالتحريمة بالإجماع، وكالتحليل -تحريمة معناه: الله أكبر-. وهل يجوز مثلا أن يأتي بها بغير العربية؟ وكالتحليل والتشهد -التحليل معناه: السلام عند من أوجبه-. ثم الذكر غير الواجب من دعاء أو تسبيح أو تكبير أو غير ذلك. قال: فأما القرآن هنا ذكر المسألة، فأما القرآن فلا يقرأه بغير العربية، سواء قدر عليها أو لم يقدر عند الجمهور، وهو الصواب الذي لا ريب فيه. بل قد قال غير واحد: أنه يمتنع أن يترجم سورة أو ما يقوم به العجاز. واختلف أبو حنيفة وأصحابه في القادر على العربية -معناه: هل يجوز له أن يترجم أو لا؟- فالجمهور يمنعون ذلك. قال: وأما الأذكار الواجبة -أما القرآن فلا يجوز عند جمهور العلماء وهو الصحيح-. وأما الأذكار وكما قلنا: جاز للعلماء أن يفسر أو يترجم التفسير، لا بأس أن التفسير يترجم. وأما الأذكار الواجبة فاختلف في منع ترجمتها: هل يترجمها العاجز عن العربية وعن تعلمها؟ وفيه لأصحاب أحمد وجهان، أشبهها بكلام أحمد: أنه لا يترجم معناها، لأن الأذكار أحيانا تكون من الآيات، ولأن الأذكار أيضا الواجب فيها الاتباع. وقد استدل العلماء في حديث البراء لما قال: "ورسولك الذي أرسلت" قال: لا قل: "ونبيك الذي أرسلت". فاستدل به العلماء على أن الأذكار يؤتى بها كما جاء في الشرع. ولهذا قال أحمد: وفيه لأصحاب أحمد وجهان، أشبهها بكلام أحمد: أنه لا يترجم، وهو قول مالك وإسحاق. والثاني: يترجم، وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي، ويقال أيضا به. قال: وأما سائر الأذكار فالمنصوص من مذهبه أنه لا يترجمها، ومتى فعل بطلت صلاته، وهو قول مالك وإسحاق وبعض أصحاب الشافعي. والمنصوص عن الشافعي: أنه يكره ذلك بغير العربية ولا تبطل. ومن أصحابنا من قال: له ذلك إذا لم يحسن العربية. بعض الحنابلة يقول: لا بأس إذا كان ما يحسن العربية، لا بأس أن يأتي بالأذكار بالعجمة، لكن الأفضل والأولى أنه إذا كان دعاء لا بأس. وأما إذا كان ذكر جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام فلا يجعله بغير العربية. قالوا: حكم النطق بالعجمية في العبادات من الصلاة والقراءة والذكر كالتلبية والتسمية على الذبيحة، وفي العقود والفسوخ كالنكاح واللعان وغير ذلك معروف في كتب الفقه -معنى هذه الأمور هل يشترط فيها العربية؟- فبعضها لا يشترط ولا يجب أن يأتي بالعربية إذا كان ما يعرف. وأما إذا كان يعرف فلا يجوز له أن يأتي بغيرها. وأما الأشياء الواجبة كتكبيرة الإحرام، فهذه واجبة أن يأتي بالتكبيرة "الله أكبر". لكن إذا وجد أن الإنسان لا يعرف "الله أكبر" -معنى لا يعرف لا يستطيع أن يقول "الله أكبر" أو أنه جديد لا يعرف أن ينطق بها- هل يترجم؟ فهذا إذا كان من باب الاضطرار ما في شيء. وأما القرآن فلا يقرأ حتى ولو لم يعرف، لا يقرأ القرآن إلا بالعربية. وكما ذكر المؤلف هنا أن أيضا أكثر العلماء جعلوا أيضا التكبير مثله، خاصة تكبيرة الإحرام. قال: وأما سائر الخطاب بها من غير حاجة في أسماء الناس والشهور كالتواريخ وغير ذلك فهو منهي عنه مع الجهل بالمعنى بلا ريب. وأما مع العلم بمعنى الخطاب بها من غير حاجة -ما يحتاج لأن يتخاطب بها- فلا يتخاطب بها -معنى مثلا ليست عربية فيأتي بالأشهر الغير العربية أو يتكلم بغير العربية من غير حاجة- أما إذا كان لحاجة مثلا نحن ضعيف في العربية أو كذلك لأجل ألا ينسى لغته أو غيرها من الأمور فلا بأس. قال: وأما مع العلم به فكلام أحمد بين في كراهته أيضا، فإنه كره أدرما ونحوه، ومعناه ليس محرما. وشيخنا دخل في هذه المسائل لأجل أن يبين أن هناك أشياء جاءت عن السلف أنكروها وهي من باب التشبه، وهو مثل الكلام بكلامهم، فكيف بمن يحتفل بأعيادهم؟ قال: وأظنه سئل عن الدعاء في الصلاة، قال أحمد: سئل عن الدعاء في الصلاة بالفارسية فكرهه، وقال: "لسان سوء". وهو أيضا قد أخذ بحديث عمر الذي فيه النهي عن رطانته وعن شهود عيدهم. وهذا قول مالك أيضا، فإنه قال: "لا يحلف بالعجمية". ولا يحرم -أو لا يحلف بالعجمية لا يحرم- معنى لا يقول "الله أكبر" تكبيرة الإحرام، ولا يدعو بها، ولا يحلف بها. وقال: "نهى عمر عن رطانة الأعجم وقال: إنها خبث". فقد استدل بنهي عمر عن رطانة مطلقا، فمالك رحمه الله استدل على أنه لا يدعى بها حتى ولا يحلف فيها، هذا لمن يعرف العربية. أما من لا يعرف العربية فأجاز -كأحمد وغيره- أنه يدعو. طيب إن شاء الله نكمل في درس قادم.