التعليقات على كتاب الأدب المفرد 106

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 106، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

صفات المؤمن والفاجر وأحكام السب والاتهام الباطل

يتناول شرح حديث النبي حول صفات المؤمن والفاجر وأثر ذلك على سلوك الفرد، ويوضح أحكام السب والاتهام الباطل. كما يبين عقوبة من يتهم أخاه المسلم بما ليس فيه.

تحذير المسلم من إيذاء أخيه المسلم

يحذر من سب المسلم لأخيه أو اتهامه بلا دليل، ويبين أن الساب أو المتهم يضر نفسه بينما يؤكد أن الله ينصر المظلوم. كما يشير إلى أن الكفر أو السب يمكن أن يعود على صاحبه.

حكم الرد على المسبِّب والتشاتم بين المسلمين

يشرح حكم الرد على المسبِّب والتشاتم بين المسلمين، حيث يجوز للمظلوم الانتصار بمثل ما قال له المسبِّب، لكن الأفضل هو العفو والصفح. كما يبين أن الإثم يقع على البادئ ما لم يعتد المظلوم.

خاتمة وتأكيد على العلم عند الله

يشير إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين، مع التأكيد على أن العلم الكامل عند الله تعالى. يختتم بذلك النقاش حول الأحكام والصفات المذكورة.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد، قال: باب ما ذكر في المكر والخديعة، قال: حدثنا أحمد بن الحجاج، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو الأسباط الحارثي، واسمه بشر بن رافع، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن غِر كريم، والفاجر خب لئيم». قلنا: هذا الحديث صحيح، وهو صحيح بالشواهد أو بمتابعته. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «المؤمن غِر كريم»، معنى أن المؤمن من خلقه الاغترار، والمعنى أنه ليس بذي مكر، ليس من خلقه المكر، وليس له كما قال النووي رحمه الله باطن يخالف ظاهره، بل المؤمن ظاهره كباطنه، ظاهره كباطنه، ومكان هذا خلقه، فإن الناس يأمنون له، فإن الناس يأمنون من لسانه ويده، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». والمراد من ذلك أن من خلق المؤمن أنه غِر كريم، لا يخادع ولا يمكر، فهو قليل الفطن للشر، قليل الفطن للشر، وذلك لأنه لا يبحث عنه، لا يبحث عن الشر، وليس ذلك جهلًا منه، ليس ذلك جهلًا منه، بل هو يعرف مواضع الشر ومع ذلك يتركها ولا يبحث عنها؛ لأن هذا من كرمه وحسن خلقه. وأما الفاجر فهو خب لئيم، الفاجر خب لئيم، ومعنى خب لئيم أنه ينبعث في المعاصي والمحارم ويخدع، يخادع غيره، فمن خلقه الخداع، الخداع والمكر، والخب بمعنى الإفساد بين الناس، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من خبب زوجة أو عبده»، يعني: أفسده، سعى بينهم بالإفساد، فالفاجر من خلقه وصفته السعي في الفساد، السعي في الفساد، وهكذا في المكر والخداع، فهو خب لئيم. فهذا الوصف هو من وصف من كان ذا خلق سيئ أن يكون خب لئيم، يسعى في الفساد بين الناس، ويكون من خلقه المكر والخداع، هذا هو الفاجر، فينبغي للمسلم أن يحذر أن يحذر من هذا الخلق الذميم، وأن لا يكون من خلقه المكر والخداع، وهكذا أيضًا الفجور، وهو الانبعاث في المعاصي والذنوب، ولا كذلك يتحرى الشر ويبحث عن مواضع الشر، بل ينبغي له أن يحذر من ذلك وأن يتجنب الشر مواضعه، فهذا هو وصف المؤمن كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام: «المؤمن غِر كريم، والفاجر خب لئيم». قال رحمه الله: باب السباب، قال: حدثنا محمد بن أمية، قال: حدثنا عيسى بن موسى، عن عبد الله بن كيسان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: استب رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسب أحدهما والآخر ساكت، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، ثم رد الآخر، فنهض النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: نهضت؟ قال: «نهضت الملائكة فنهضت معهم، إن هذا لما كان ساكتًا ردت الملائكة على الذي سبه، فلما رد نهضت الملائكة». وهذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف، كما قال شيخ الباني رحمه الله: في عبد الله بن كيسان ضعيف. قال: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا رديح بن عطية، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة، عن أم الدرداء، أن رجلًا أتاها، فقال: إن رجلًا نال منك عند عبد الملك -يعني: تكلم عليك عند عبد الملك- أي: ابن مروان، فقالت: «إن نؤب بما ليس فينا فطال ما زكينا بما ليس فينا». وهذا الأثر حسن، «إن نؤب بما ليس فينا» يعني: إن نتهم بما ليس فينا، فطال ما زكينا بما ليس فينا، أي: فكذلك نمدح ويثنى علينا بما ليس فينا، أي: المعنى أنها لا تبالي بذلك إذا اتهمت بشيء وعيبت بشيء ليس فيها، فذلك لا يضرها، وإنما يضر ذلك الساب، وذلك الشاتم هو الذي يضر بنفسه إذا كذب على أخيه المسلم واتهمه بشيء ليس فيه، فهو يضر بنفسه، أما ذاك المتهم فإن لا يضره شيء ما دام أنه يعلم أن هذا ليس فيه، فهذا لا يضره، وإنما يضر المتهم نفسه، فإنه يقول في أخيه ما ليس فيه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قال في أخيه ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى ينزع مما قال»، وردغة الخبال عصارة أهل النار، هذا وعيد شديد وعظيم لمن اتهم غيره بشيء ليس فيه، يتهمه بأنه سارق وأنه لص وهو كذاب ليس بلص وليس بسارق، أو يتهمه بأنه زاني وهو لم يزني، أو يتهمه بأنه مبتدع وهو ليس بمبتدع، إلى آخر ذلك من اتهامات يتهم أخاه المسلم بلا حجة ولا بينة، فهذا يضر بنفسه، وأما المتهم فما دام أنه بريء من ذلك فإن ذلك لا يضره شيء، والله سبحانه وتعالى سيؤيده وينصره. فقالت أم الدرداء: «إن نؤب بما ليس فينا فطال ما زكينا بما ليس فينا»، هو المراد من ذلك أن الساب لا يضر إلا نفسه، وينبغي للمسلم أن يحذر أن يحذر من ذلك من الساب ومن الغيبة ومن النميمة ومن نقل الكلام إلى فلان من الناس حتى يشعل نار الفتنة. قال: حدثنا شهاب بن عباد، قال: حدثنا إبراهيم بن حميد الرؤاسي، عن إسماعيل، عن قيس، إسماعيل عن أبي خالد، عن قيس، عن أبي حازم، قال: قال عبد الله: «إذا قال الرجل لصاحبه: أنت عدوي فقد خرج أحدهما من الإسلام أو برئ من صاحبه»، قال قيس: وأخبرني بعد أبو جحيفة أن عبد الله قال: «إلا من تاب». والأثر صحيح، شيخ الألباني رحمه الله، وعبد الله بن مسعود: «إذا قال الرجل لصاحبه: أنت عدوي فقد خرج أحدهما من الإسلام أو برئ من صاحبه»، والمراد من ذلك هو الوعيد الشديد فيمن سب أخاه المسلم بأن يقول له: أنت عدوي أو أنت عدو الله؛ لأن عدو المسلم هو الكافر، عدو المسلم هو الكافر، وهذا الأثر بمعنى حديث: «من دعا رجلًا بالكفر أو قال: يا عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه»، يعني: إلا رجع عليه، والمعنى رجع عليه الكفر، فكأنه يكفر نفسه إذا قال لأخيه المسلم: يا كافر، كما قال النبي صلوات الله والسلام: «من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بأحدهما»، وفي بعض الألفاظ: «فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه»، يعني: باء بالكفر أحدهما، فإن كان الذي قيل فيه ذلك كافر وقعت عليه هذه الكلمة، وإن كان مسلمًا وليس بكافر فإن التكفير هذا يرجع إلى هذا المكفر، يرجع إلى هذا المكفر الذي كفر ذاك المسلم، وليس المراد خرج أحدهما من الإسلام أنه يكفر إذا لم يكن معتقدًا للكفر، فإنه لا يكفر، بل يعتبر قد أتى معصية من المعاصي وكبيرة من كبائر الذنوب. قال: باب سقي الماء، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا ليث -وهو ابن أبي سليم مختلط- عن طاووس، وابن كيسان، عن ابن عباس، أظنه رفعه، شك ليث -يعني في رفع الحديث- شك في رفع الحديث، قال: «في بَنِي آدم ستون وثلاثمائة سلامة أو عظم أو مفصل، على كل واحد في كل يوم صدقة، كل كلمة طيبة صدقة، وعون الرجل أخاه صدقة، والشربة من الماء يسقيها صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة». وهذا الأثر صحيح لغيره، وأصله في الصحيح، جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة، ومن حديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، وفيه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن في ابن آدم ستون وثلاثمائة مفصل، كل إنسان فيه ستون وثلاثمائة مفصل، وكل واحد من هذه المفاصل في كل يوم عليها صدقة، فكل كلمة طيبة صدقة، الكلمة التي تكلم بها وهي كلمة طيبة مما يرضي الله سبحانه وتعالى فهي صدقة تعتبر لك صدقة، كل كلمة طيبة صدقة، أمر معروف أو نهي عن منكر أو تسبيح أو تهليل أو تكبير، قراءة قرآن، إلى آخر ذلك من الكلام الطيب، فكل كلمة تعتبر صدقة، وعون الرجل أخاه صدقة كذلك، إعانتك لأخيك المسلم في شيء يحتاج فيه إلى إعانة فهو صدقة، وجاء في صحيح أبي هريرة: «تعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو تحمله عليها متاعه صدقة»، تعين الرجل في دابته يعني في مركبه إذا أراد أن يركبه فتعينه على ذلك فتكون لك صدقة، أو تعينه على رفع متاع يريد أن يرفعه في مركبه فتعينه فتكون لك صدقة، ومن ذلك مثلًا رأيت رجلًا معه سيارة ويحتاج إلى من يعينه في دفع هذه السيارة حتى تشتغل، ما تقوم إلا بالدفعة، فتقف تدفر معه تعتبر لك صدقة؛ لأنك الآن تعينه، ماذا تعينه؟ على ركوب دابته، فتكون لك صدقة، فلا تستحقر هذا المعروف كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»، فهذا يعتبر من الصدقة، وشربة من الماء يسقيها صدقة، الشربة من الماء يعني تسقي أخاك المسلم ما يشربه ويرتوي به فتعتبر لك صدقة، شربة من الماء تعطيه إياها تعتبر صدقة، قال: «وإماطة الأذى عن الطريق صدقة»، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، تميط الأذى أي: ما يتأذى منه الناس عن طريقهم يعتبر صدقة، الشوك مثلًا في الطريق فتبعده، أو حجر كبير يتأذى منه الناس فتبعده، أو نحوه مما يتأذى منه الناس فتبعدهم من الطريق فإنه يعتبر صدقة، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن رجل أزاح شجرة عن طريق الناس كانت تؤذي المسلمين فأدخله الله سبحانه وتعالى بسببها الجنة، أدخله الله عز وجل الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: «لقد رأيت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة أزاحها عن طريق المسلمين، شجرة كانت تؤذيهم فأزالها فأدخله الله سبحانه وتعالى الجنة». وذكر هذا الباب بين باب السباب والباب الذي بعده وهو المستبان ما قال فعل الأول، كأن الإمام البخاري رحمه الله يريد أن من المعروف الذي ينبغي أن يكون في التعامل بين المسلم وأخيه المسلم أن يتعامل معه بالكلام الطيب، أن يتكلم معه بالكلمة الطيبة، وكذلك أيضًا أن يكون عونًا له، لا يكون عونًا عليه، لا يكون عونًا عليه، بل ينبغي أن يتعامل معه بالمعاملة الحسنة من الكلام الطيب، ويعانته فيما يحتاج له إلى معاونة، وهكذا أيضًا إماطة الأذى مما يتأذى منه، وسبه وشتمه هذا مما يتأذى منه المسلم، مما يتأذى منه المسلم، فينبغي أن يجتنبه وأن يحذر منه. قال: باب المستبان ما قال فعل الأول، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: حدثنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المستبان ما قال فعل البادئ ما لم يعتد المظلوم». الحديث صحيح، هو في مسلم. قال: حدثنا أحمد بن عيسى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمر بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المستبان ما قال فعل البادئ حتى يعتدي المظلوم». وهذا الحديث حسن صحيح، ففي هذا أو هذين الحديثين إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن المستبان ما قال -أي: المتشاتمان إذا شتم كل واحد منهم الآخر- قال: فعل البادئ ما لم يعتد المظلوم، يعني أن الإثم على الذي ابتدأ السب، والذي ابتدأ الشتم فهو الذي يعتم؛ لأنه ابتدأ السب، ما لم يعتد المظلوم -أي: الذي سب وظلم إذا لم يعتدِ- فإن الإثم يكون على الأول، وإن رد الثاني على الأول، وإن رد الثاني على الأول وسبه وشتمه بعد سب الأول، فالإثم على الأول ما لم يعتدِ، فإن اعتدى بأن زاد على ما سبه به الأول، فكلاهما يشترك في الإثم. وفي هذا الحديث بيان أنه يجوز الانتصار ممن ظلمه، يجوز الانتصار ممن ظلم، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَمَنْ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾، وكما قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ يَنْتَصِرُونَ﴾، فإذا ظلم فله أن ينتصر لنفسه ما دام أنه مظلوم، فله أن ينتصر لنفسه ممن ظلمه، مع كونه جائزًا، لكن الأفضل هو العفو والصفح، الأفضل والأكمل هو أن يعفو ويصفح، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور، هذا الأفضل، لكن إن أراد أن ينتصر فلا بأس ما دام أنه مظلوم، فله ذلك أن يرد على الذي ظلمه بمثل ما قال، مما ليس فيه كذب وليس فيه أيضًا قذف، فهذا لا يجوز له أن يرد بمثله، إذا كان هذا لظلمه كذب عليه فلا ينتصر لنفسه بالكذب، ما يجوز، إذا كان هذا ظلمك كذابًا يكذب عليك ويفتري عليك ويتهمك بأشياء ليست فيك فإنك لا تكذب عليه ولا تنتصر لنفسك بالكذب، هذا لا يجوز؛ لأن هذا محرم، أو قذفك بشيء أنت منه بريء بزنى أو غير ذلك فإنك لا ترد عليه بالقذف، لكن لا بأس مثلًا أن ترد عليه بمثل ما قال فيك، فمثلًا تقول له: يا أحمق أو كذلك يا ظالم أو نحو ذلك من العبارات التي يستحقها مما ليس فيه اعتداء، مما ليس فيه اعتداء، وكما قلنا الأكمل والأفضل هو العفو والصفح، الأكمل والأفضل العفو والصفح، لكن إذا أراد أن ينتصر فله ذلك ما دام أنه مظلوم، «المستبان ما قال فعل البادئ ما لم يعتد المظلوم»، وفي مروية أخرى: «فعل البادئ حتى يعتدي المظلوم»، يعني: إذا اعتدى المظلوم كان الإثم عليه، ما سواء كان الإثم على كليهما، وأما إذا لم يعتدِ فإن الأول هو الذي يتحمل الإثم، الأول هو الذي يتحمل الإثم. طيب، نقف هنا، والله تعالى أعلم.