التعليقات على كتاب الأدب المفرد 217

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 217، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

استعاذة النبي من الفقر والظلم وتفسير معانيها

النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من الفقر والظلم، والفقر له معان متعددة تشمل الفقر المادي وفقر النفس. الاستعاذة من الفقر تعني طلب الحماية من آثاره السلبية.

تفسير الفقر والغنى في الإسلام

الفقر الحقيقي هو فقر النفس وعدم القناعة، بينما الغنى هو غنى النفس بالقناعة. النبي كان يستعيذ من الفقر والقلة والذلة، مشيراً إلى أهمية الرضا بما قسم الله.

الاستعاذة من الذلة والظلم وأهميتها

الذلة والظلم من المعاصي التي يجب الحذر منها، حيث إن الظلم يسبب الهوان. النبي استعاذ من الظلم أن يظلم أو يظلم، مشدداً على أهمية العدل.

أهمية الاقتداء بالنبي في الدعاء والاستعاذة

يجب على المسلمين الاقتداء بالنبي في الدعاء والاستعاذة بالله من الشرور. يتم تعليم الأمة الدعاء لكي تستعيذ بالله من الأمور السيئة وتطلب الحماية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد: حدثنا موسى، وهو ابن إسماعيل، أبو سلمة التبوذكي المنقري، فقيه ثبت، قال: حدثنا حماد، يعني ابن سلمة، وهو حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، فقيه عابد، وهو أثبت الناس في أنس. والإمام البخاري رحمه الله لم يخرج له في صحيحه لأنه تغير في آخر عمره. عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي طلحة، وهو الأنصاري، أبو عبد الله، ثقة حجة، عن سعيد بن يسار، وهو أبو الحباب المدني، فقيه متقن، عن أبي هريرة، وهو الصحابي الجليل، أبو هريرة، مشهور بكنيته ومختلف في اسمه. قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك أن أظلم أو أظلم». الحديث صحيح. في هذا الحديث دعاء من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام التي كان يدعو بها، وفي هذا الدعاء كان يستعيذ النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الأمور: «اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك أن أظلم أو أظلم». استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام بالله جل وعلا من الفقر. والفقر كما قال أهل العلم: الأصل أنه يطلق على كسر فقار الظهر، ويستعمل على أربعة أوجه. يستعمل الفقر على أربعة أوجه: الوجه الأول، وهو الحالة الضرورية التي يحتاج لها كل مخلوق، وهو فقره إلى الله سبحانه وتعالى، وهو المراد بقول الله عز وجل: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾. والوجه الثاني من معاني الفقر هو عدم المقتنيات، يعني قلة ذات اليد، وهو المراد بقول الله عز وجل: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾، وهكذا أيضا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾، فالمراد بالفقراء هنا هم الذين لا يملكون ما يسد حاجتهم. وكذلك أيضا المعنى الرابع الذي يطلق عليه الفقر وهو فقر النفس وشحها وطمعها، وهو ما يقابل غناء النفس. غناء النفس ما يقابله فقر النفس وعدم قناعتها. والمعنى الرابع قال: الفقر إلى الله، المشار إليه بقول: «اللهم أغنني بالافتقار إليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك». وأشار إلى ذلك من القرآن بقول الله عز وجل عن موسى عليه السلام: ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾. والمراد بهذا الحديث هو الاستعاذة من الفقر الذي هو في مقابل الغنى، يعني فقر النفس. فقر النفس، وهذا هو حقيقة الفقر، أن يكون الإنسان غير قنوع، عدم أن يكون الإنسان عنده قناعة، لا قناعة عنده، فهو فقير، فتجده حريصا على الدنيا وحريصا على جمع المال، ومهما كثر عنده المال فيرى نفسه أنه لا شيء عنده، فهذا فقير بسبب فقر نفسه، وهكذا أيضا طمعها وحرصها في الدنيا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». حقيقة الغنى هو القناعة، أن يكون الإنسان غنيا بما أتاه الله سبحانه وتعالى، ولو كان ما عنده شيء يسير يكفي حاجته، فيستغني بذلك فيكون غنيا. وأما إن لم يقنع، فلو أعطي ما أعطي من متاع الدنيا فهو فقير. فكان يستعيذ منه النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ بك من الفقر». والقلة كذلك كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من القلة. وقيل: القلة أي قلة الأفعال الصالحة والعمل الصالح في أبواب الخير. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله عز وجل من ذلك. وليس المراد القلة في الدنيا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان من حاله عليه الصلاة والسلام التقلل في أمر المعيشة والدنيا، وهذا معلوم من سيرته وسنته عليه الصلاة والسلام. فالمراد بالقلة أي في أفعال الخير، ألا يكون الإنسان مسارعا في فعل الطاعات، وهكذا أيضا في أبواب البر، سواء كان في باب الصلاة أو في باب الصدقة أو في باب الجهاد أو في باب الذكر أو غير ذلك من أبواب الخير والبر، أو هكذا باب العلم كذلك أن يكون متقللا، فهذا كذلك مما استعاذ منه عليه الصلاة والسلام. بل الواجب على المسلم الذي ينبغي أن يكون في مثل هذا الباب مسارعا، أن يكون مسارعا كما قال الله جل وعلا: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾. فالله جل وعلا أمر العباد وحثهم على المسارعة في فعل الخيرات والطاعات والمسابقة إلى الجنة. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، أي لأجل الجنة وما فيها من النعيم، فينبغي أن يتنافس من أراده التنافس. فالتنافس لا يكون في أمر الدنيا أو في جمع المال وجمع حطام هذه الحياة الفانية، لكن التنافس يكون في أفعال البر، في أبواب الطاعات، في العلم، في الصلاة، في الزكاة، في الصدقة، وهكذا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الدعوة إلى الله، في كل سائر أبواب الخير والطاعات، فينبغي أن يقع فيها التنافس. قال: «اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة». كذلك كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من الذلة. والذلة قيل: المراد بالذلة أن يكون ذليلا في أعين الناس، يعني ليس له هيبة ولا له منزلة عند الناس، فيستخفون به ويحقرون من شأنه، فاستعاذ عليه الصلاة والسلام من ذلك. وقيل: المراد بالذلة ذلة المعاصي والذنوب، أن يكون الإنسان ذليلا بسبب ذنوبه ومعاصيه، لأن المعاصي سبب لحصول الذلة والمهانة للإنسان، كما قال الله عز وجل: ﴿إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا﴾. فالذي يرتكب المحرمات ويرتكب المعاصي تصيبه ذلة ومهانة بسبب المعاصي. فلذلك ينبغي للمسلم أن يحذر أن يحذر من المعاصي، فإنها سبب للهوان، لأن العاصي ليس له منزلة عند الله، ليس له منزلة عند الله. وإذا هان العبد على الله هان على خلقه، إذا لم تكن لك منزلة عند الله سبحانه وتعالى، فسيكون لك منزلة عند الناس. ومن يهن الله فما له من مكرم، إذا هانك الله سبحانه وتعالى بسبب معاصيك وذنوبك، فمن الذي يكرمك؟ ومن الذي يرفع من شأنك؟ فالمعاصي والذنوب سبب للهوان والذلة. قال: «وأعوذ بك أن أظلم أو أظلم». كذلك استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام من الظلم، من أن يظلم أو يظلم، يعني أن يقع منه الظلم أو أن يظلمه أحد. والظلم كما عرفه العلماء بأنه وضع الشيء في غير موضعه، وهو كذلك من المعاصي والذنوب العظيمة أن تظلم غيرك في مال أو عرض أو كذلك في نفس أو غير ذلك من الأمور المحرمة، فإن ذلك مما حرمه الشرع، فلا ينبغي ولا يجوز للمسلم أن يظلم أحدا. المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. بل الواجب أن يقف المسلم مع أخيه: «أنصر أخاك ظالما أو مظلوما». قالوا: يا رسول الله، هذا إذا كان مظلوما، فكيف إذا كان ظالما؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أن تأخذ بيده، تحجزه عن الظلم، تحجزه وتمنعه من الظلم، فذلك نصرك له». وهكذا أيضا أن تظلم، يعني يظلمك أحد ويعتدي عليك في نفسك أو مالك أو عرضك أو غير ذلك من الأمور التي حرمها الشرع، فإنك تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من أن تظلم أحدا أو أن يظلمك أحد، فلا تظلم ولا تظلم. وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا خرج من بيته كان من دعائه: «اللهم إني أعوذ بك أن أظلم أو أظلم، أو أذل أو أذل»، كما في حديث سلم في السنن. كان يستعيذ النبي عليه الصلاة والسلام من الظلم أن يظلم أو يظلم. وهذا الدعاء واستعاذة النبي عليه الصلاة والسلام كما قال العلماء: إما أن يكون من باب التعليم، من باب التعليم للأمة أن يستعيذوا من هذه الأشياء وأن يدعوا مثل هذا الدعاء، أو هو كذلك من تواضعه وبيان عظيم فقره عليه الصلاة والسلام لربه سبحانه وتعالى، وإلا فهو معصوم عليه الصلاة والسلام من مثل ذلك. والله عز وجل قد غفر له ما تقدم من ذنب وما تأخر. لكن هذا من باب تعليم الأمة، وهو القدوة عليه الصلاة والسلام الذي يقتدى به: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾. فعلمنا عليه الصلاة والسلام مثل هذا الدعاء حتى ندعو به ونستعيذ بالله عز وجل من مثل هذه الأمور، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيذنا منها. إلى هنا والله تعالى أعلم.