الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 263، ألقاها
المحور يناقش تحريم اللعب بالنرد لما ورد في الأحاديث والآثار من نهى عن اللعب بالكوبة، ويبين أن اللعب بالنرد محرم سواء كان بعوض أو بغير عوض. يشير إلى أن هذا التحريم يأتي بسبب ما يسببه من ضياع الوقت والخصام.
هذا المحور يحذر من ألعاب الفرص مثل النرد والشطرنج، ويبين فضل حسن الهدي والسلوك الطيب في الإسلام. يشير إلى أهمية التمسك بالسنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم في زمن الفتن.
يناقش هذا المحور علامات آخر الزمان كما وردت في الأحاديث وأقوال السلف، ويبين أهمية التمسك بالسنة في زمن الفتن والابتعاد عن الأهواء والبدع. يشير إلى أن حسن الهدي في آخر الزمان له قيمة كبيرة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا عصام، قال: حدثنا حريز، عن سلمان بن سمير الألهاني، عن فضالة بن عبيد، وكان في مجمع من المجامع، فبلغه أن أقوامًا يلعبون بالكوبة، فقام غضبانًا ينهى عنها أشد النهي، ثم قال: ألا إن اللاعب بها ليأكل ثمرها كآكل لحم الخنزير، ومتوضئ بالدم. يعني بالكوبة النرد. أورد الإمام البخاري رحمه الله هذا الأثر في هذا الباب، باب الغناء واللهو، وأراد رحمه الله أن يستدل به على أن اللعب بالنرد من اللهو المحرم. فذكر هذا الأثر عن فضالة بن عبيد، وكان في مجمع من المجامع، يعني في مجمع من المجامع التي فيها الناس، فبلغه أن أقوامًا يلعبون بالكوبة، أخبره رضي الله تعالى عنه أن قومًا يلعبون بالكوبة، فقام غضبان ينهى عنها أشد النهي، ينهى عن اللعب بالكوبة، وقام مغضبًا رضي الله تعالى عنه؛ لأن هذا منكر، فغضب لله سبحانه وتعالى. ثم قال: ألا إن اللاعب بها ليأكل ثمرها كآكل لحم الخنزير، ومتوضئ بالدم. قال: يعني بالكوبة النرد، فشبهها كمن يأكل لحم الخنزير ويتوضأ بالدم. ومعلوم أن هذا الأمر محرم، فكذلك من يلعب هذه اللعبة. وهذا الأثر فيه سلمان بن سمير الهاني، وهو مجهول، فهو ضعيف الإسناد. لكن قد ثبتت أحاديث وآثار تدل على حرمة اللعب بالنرد، وستأتي في أبواب متقدمة، كما في رقم 38 و39، ذكر فيها أدل على تحريم النرد، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لعب بالنرد، فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه». والحديث صحيح لما رواه مسلم. وجاء غير ذلك من الأدلة التي تدل على حرمتها. والنرد هي لعبة من الألعاب التي تلعب على طاولة، تكون لها طاولة مخططة ومقسمة إلى مربعات، وتكون لها زهرتان، لها زهران وأحجار، يلعب اللاعب بالزهرتين. وفي هذه الأزهار أرقام، يعني نقط على عدد أرقام من واحد إلى ستة، فما يخرج لهم من العدد يتقدم به في هذه الطاولة. قد تسمى بلعبة الطاولة أو غيرها من الأسماء، فهذه هي النرد، هذه لعبة النرد. واللعب بها على طريقتين: أن يلعب بها ويكون في اللعب عوض، يتبارى اثنان فيضع هذا مالًا وهذا مالًا، والذي يفوز يأخذ المال، فهي بهذه الصورة محرمة، ومن كبائر الذنوب؛ لأنها من الميسر. والصورة الثانية أن تلعب بغير عوض، أن تلعب بغير عوض، وهي كذلك أيضًا محرمة؛ لما ورد فيها من النصوص والآثار. وكذلك لأن اللعب بها يفضي إلى اللعب بها بعوض، اللعب بها بغير عوض يفضي إلى اللعب بها بعوض. فإذا لعب اللاعب بهذه اللعبة وصار ماهرًا، فإنه ينظر ويتشوف إلى من يباريه، ويقعه ذلك أن يلعب بعوض. وكذلك أيضًا أنها تصد عن ذكر الله، تشغل عن ذكر الله وعن الصلاة، ورغم أن يلعب هذه اللعبة فيضيع الصلاة. وهكذا أيضًا يذهب الوقت سدى من غير فائدة، تضيع الأوقات الكثيرة في لعب ولهو. وهكذا أيضًا أنها سبب لحصول التخاصم والبغضاء والشحناء، يحصل في مثل هذه اللعبة الخصام وبغضاء وشحناء. كذلك أيضًا سبب للوقوع في السب والشتم وغير ذلك من الأمور المحرمة. فلأجل هذه الأمور وغيرها، فلا يجوز اللعب بها، ولو كان بغير عوض، ولو كان بغير عوض. وذكرها ذكرًا الأثر الإمام البخاري رحمه الله في هذا الباب؛ ليبين أن اللعب بها من اللهو الذي ينبغي أن يجتنبه المسلم. قال: باب الهدي والسمت الحسن. قال: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا الحارث بن حصيرة، قال: حدثنا زيد بن وهب، قال: سمعت ابن مسعود يقول: «إنكم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، قليل سؤاله، كثير معطوه، العمل فيه قائد للهوى. وسيأتي من بعدكم زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، كثير سؤاله، قليل معطوه، الهوى فيه قائد للعمل». اعلموا أن حسن الهدي في آخر الزمان خير من بعض العمل. وهذا الأثر صحيح، وقد صحح الشيخ الألباني رحمه الله. وهذا الباب باب الهدي والسمت الحسن، يعني ما جاء في الهدي والسمت الحسن من فضله، وكذلك شرف التخلق به. والهدي: السير والسلوك، وما ينبغي أن يكون عليه المسلم من السيرة الطيبة والسلوك الطيب. والسمت: يعني الهيئة، ما يتعلق بهيئة الإنسان من سكون ووقار وغيرها من الصفات الحميدة. ثم ذكره أثر ابن مسعود رضي الله عنه، وهذا الأثر أثر عظيم. يقول ابن مسعود رضي الله عنه: «إنكم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه»، يخاطب رضي الله عنه من كان في زمنه، أي في زمن الصحابة والتابعين: «إنكم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، قليل سؤاله، كثير معطوه، العمل فيه قائد للهوى». كثير فقهاؤه، يعني أهل الفقه في الدين والفهم والدراية والمعرفة بالأحكام الشرعية كثير. قليل خطباؤه، يعني الخطباء والوعاظ قليل. قليل سؤاله، السائلون قليل. كثير معطوه، يعني المنفقون والمتصدقون كثير، وهو يصف بهذا فضل ذلك الزمن بكثرة العلماء وكثرة الفقهاء، وقلة الخطباء، وكثرة المعطين والمنفقين والباذلين، وقلة السائلين والمحتاجين. قال: «العمل فيه قائد للهوى»، أي في ذلك الزمن، زمن الصحابة والتابعين الذي يعتبر من أفضل القرون، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». يصفه بأن العمل فيه قائد للهوى، يعني أن الهوى تبع للعمل، تبع لعمل الإنسان، وانقياده للحق، وتمسكه بالكتاب والسنة، فالهوى تبع، والأصل هو العمل. «العمل فيه قائد للهوى»، وهذا إشارة إلى قلة الأهواء، قلة الأهواء وكثرة المتبعين للسنة والمتمسكين بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فالهوى قليل وضعيف وهو تابع للعمل. «وسيأتي من بعدكم زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، كثير سؤاله، قليل معطوه، الهوى فيه قائد للعمل». سيأتي من بعدكم، يعني من بعد هذه الأزمان الفاضلة، بعد زمن التابعين، سيأتي زمن قليل فقهاؤه، أهل الفقه والعلم قليل، والمعتنون بالأحكام الشرعية والفقه في الدين قليل. كثير خطباؤه، الخطباء والوعاظ كثير، تجدهم بالعشرات والمئات، والعلماء وأهل الفقه تجدهم قليل. قال: «كثير سؤاله، قليل معطوه»، وهذا وصف لهذا الزمن المتأخر عن زمن الصحابة والتابعين، أن السائلين كثير، من يسأل ويطلب كثير، ومن يعطي قليل، يقل المنفقون ويقل المعطون والباذلون. قال: «الهوى فيه قائد للعمل»، يعني أنه يعمل الإنسان بهواه، فما أراده هواه فعله، وما لم يرده لم يفعله. وهذا إشارة منه رضي الله تعالى عنه إلى كثرة الهوى في آخر الزمان، والعمل لأجل الهوى وحظوظ النفس، وشهوات الدنيا وغيرها من معاني الهوى. فالهوى فيه قائد للعمل، وهو كذلك في إشارة إلى كثرة الهوى والبدع والمحدثات التي تكون في آخر الزمان. وكلما بعد الزمن عن زمن النبوة وزمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كان شره أكثر من خيره. قال: «الهوى فيه قائد للعمل». ومحسن هذه الكلمات من عبد الله بن مسعود رضي الله عنها كلمات يسيرة، ومعانيها عظيمة. وكما قال بعض السلف يصف كلام السلف: «كان كلام السلف قليل كثير البركة، وكلام الخلف كثير قليل البركة». كلام السلف قليل كثير البركة، وكلام الخلف كثير قليل البركة. فتجد في كلام السلف كلمات يسيرة وتجد فيها بركة ومعاني عظيمة، بخلاف الخلف تجد كلامهم كثير وبركة الكلام قليل. قال: «قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، كثير سؤاله، قليل معطوه، الهوى فيه قائد للعمل». ولعبد الله بن مسعود رضي الله عنه كلامًا نحو ذلك ثبت عنه، كما عند الدارمي وغيره، أنه قال رضي الله تعالى عنه: «كيف أنتم إذا ألبستم فتنة يهرم عليها الكبير، ويشب عليها الصغير، ويتخذها الناس سنة، حتى إذا غيرت قال الناس: غيرت السنة». قالوا: متى ذلك؟ قال: «إذا كثر خطباؤكم، وقل فقهاؤكم، وكذلك قلت أمانتكم، وكثرت أمراؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة». ففيه معنى هذا الأثر، بأنه في آخر الزمان إذا كثر الخطباء وقل الفقهاء، وقل الأمناء، فإن ذلك زمن يكون فيه الشر أكثر، والبعد كذلك عن السنة، وظهور الأهواء والبدع، وهو معنى هذا الأثر. قال: «اعلموا أن حسن الهدي في آخر الزمان خير من بعض العمل»، يعني أن يكون الإنسان في آخر الزمان على هدي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله تعالى عليهم، سائرًا على منهجهم وعلى طريقتهم في الاعتقاد والسلوك والعبادات والمعاملات وغير ذلك، فإن ذلك خير له من كثرة العمل على غير هدي وعلى غير سنة. لا ينفع كثرة العمل على غير هدي، أن يكون عمله كثير وهو مخالف للسنة ومخالف للحق. كما قال رضي الله تعالى عنه أيضًا: «اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة». اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة، أن تقتصد بما ثبت في السنة وتعمل بما فيها، فهذا خير لك، خير عظيم من أن تجتهد فتقع في بدعة. فحسن الهدي في آخر الزمان خير من بعض العمل، فليس المقصود كثرة العمل، كما أن المقصود موافقة السنة وموافقة هدي السلف رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله، فهذا معنى هذا الأثر. والله تعالى أعلم.