الدرس في كتاب الإيمان 83، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المقطع الأول بداية الإسلام وغربته كما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث روى الإمام مسلم في صحيحه عدة أحاديث تشير إلى أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا مرة أخرى. الأحاديث تشبه عودة الإسلام إلى المدينة بعودة الحية إلى جحرها.
يشرح المقطع الثاني الحديث النبوي أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، ويصف حال المسلمين الأوائل وغربتهم بين الناس، ويبشر النبي الغرباء الذين يتمسكون بالدين في زمن قلة المسلمين وانتشار الضلال بالخير العظيم.
يفسر المقطع الثالث معنى عودة الإيمان إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها، ويبين أن أهل السنة والجماعة هم الأكثر حرصا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مشيرا إلى عودة الإسلام إلى الغربة مرة أخرى.
يناقش المقطع الأخير نقصان الإيمان والإسلام حتى لا يبقى أحد على الأرض لديه إيمان، وهذا من علامات الساعة كما ورد في حديث أنس عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين القشيري، رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا محمد بن عباد وابن الزبرقان المكي -روى عنه البخاري ومسلم مباشرة، وروى الباقون عنه، سوى أبي داود، بواسطة أحمد بن سعيد الدارمي وغيره- قالا: حدثنا مروان الفزاري، وهو مروان بن معاوية بن الحارث الفزاري، قال فيه الإمام الذهبي، رحمه الله: الإمام الحافظ الثقة، وهو ابن عم أبي إسحاق الفزاري الإمام المشهور. قال: حدثنا مروان عن يزيد -يعني ابن كيسان، وهو اليسكري أبو إسماعيل- عن أبي حازم. وأبو حازم هنا يروي عن أبي هريرة، فهو سلمان الأشجعي. وأبو حازم الذي يروي عن سهل بن سعد اسمه سلمة بن دينار. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء». قال: وحدثني محمد بن رافع والفضل بن سهل الأعرج، قالا: حدثنا شبابة بن سوار، وهو أبو عمرو الفزاري، إمام، كما قال الذهبي، رحمه الله: الإمام الحافظ الحجة، من كبار الأئمة، إلا أنه كان عنده بدعة الإرجاء، لكن ذكره الإمام البرزعي أنه رجع عنها -رجع عن القول بالإرجاء- والإمام أحمد، رحمه الله، ترك حديثه بسبب ذلك. قال: حدثنا عاصم -وهو ابن محمد العمري، عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري العدوي- عن أبيه، يروي عن أبيه، هو محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن ابن عمر، وهو جده، قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن نمير وأبو أسامة عن عبيد الله بن عمر. وحدثنا ابن نمير، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبيد الله عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها». هذه الأحاديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن الإسلام بدأ غريبا، بدأ الإسلام غريبا، يعني في قلة الناس وقلة المسلمين في أوساط أهل الشرك والكفر، كان أهله غرباء، وكذلك أيضا مع ما كانوا فيه من ضعف وعدم قوة، يسلم المرء فيجد نفسه غريبا، الناس يعادونه وربما يسبونه ويجتمونه ويعيرونه، وهو صابر محتسب متحمل، فكان بداية الإسلام على هذا الحال. بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا، وسيعود كما بدأ، هذا في رواية أبي هريرة، وفي حديث ابن عمر: «وسيعود غريبا كما بدأ»، يعني ستعود هذه الغربة التي كانت في أول الإسلام تعود في آخره، حتى يصبح المسلم المتمسك بالإسلام غريبا بين أوساط الناس، لضعف تمسكهم بالدين وبعدهم عن الدين الحق الذي أرسل الله عز وجل به نبيه عليه الصلاة والسلام. قال: «فطوبى للغرباء»، طوبى: قيل شجرة في الجنة، وقيل هو جزاء -يعني معلوم- وقيل هي الجنة بنفسها، وقيل هو دوام الخير، وغير ذلك من الأقوال التي فسرت بها هذه الكلمة. فالمهم أن الغرباء، والمراد بهم: من يتمسك بالدين عند قلة المتمسكين به، وضعف أهل الإسلام، وبعدهم عن التمسك بالدين الحق، حتى يصبح الإنسان غريبا بين أهله وعشيرته وقومه. فطوبى يبشرهم النبي عليه الصلاة والسلام بهذه البشارة، طوبى لهم، وسواء كانت طوبى هي الجنة أو شجرة في الجنة أو جزاء معين أو ثواب أو دوام خير، فالمهم أنه على خير، كونه متمسكا بالدين مع غربة أهله المتمسكين به، فهو على خير. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن المتمسك بالدين في آخر الزمان على خير عظيم، القابض على دينه كالقابض على الجمر، القابض على دينه كالقابض على الجمر، كما جاء عند الترمذي وأحمد. وجاء في روايات أخرى خارج الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: من هؤلاء الغرباء؟ كما عند الترمذي، فقال عليه الصلاة والسلام: «الذين يحيون ما أمات من سنتي»، «الذين يحيون ما أمات من سنتي». وهذا فيه إخبار من النبي عليه الصلاة والسلام أن هؤلاء الغرباء هم أهل الحق، أهل السنة، المتمسكين بالكتاب والسنة، فهم الذين يحيون سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فيصيرون على هذا الوصف وعلى هذا الحال أنهم غرباء، لانتشار البدع وانتشار الخرافات، وكذلك أيضا انتشار الضلال. وجاء في رواية أخرى قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس»، «الذين يصلحون إذا فسد الناس». وفي بعض الألفاظ: «ما أفسد الناس». وأولى الناس بهذا الوصف أهل السنة، أهل السنة والجماعة، أحرص الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح ما يفسده الناس من فعل المنكرات وفعل الفواحش وفعل المحرمات، هم الذين ينصحون في تمسكهم بالكتاب والسنة ولزوم طاعة الله، وينهون عن المنكر. وفي حديث ابن عمر قال: «وسيعود غريبا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها». وفي حديث أبي هريرة: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها». قوله: «يأرز»، «يأرز» بمعنى: يضم، بمعنى: يلجأ. والمراد بالمسجدين: المدينة ومكة. وقوله: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها»، يعني أن الإيمان ينظم ويجتمع أهله في المدينة، كما تأرز الحية إلى جحرها، أي كما تأوي الحية إلى جحرها إذا خرجت من جحرها فحست بخطر، فإنها سرعان ما تأوي إلى هذا الجحر حتى تختبئ فيه. وهكذا يجتمع وينضم أهل الإيمان إلى المدينة، وينضم أهل الإيمان إلى المدينة، خيل هذا كان بزمن النبي عليه الصلاة والسلام، حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، ثم هاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وصارت المدينة بلاد الإسلام. وهكذا كل من أراد الإيمان ووقع الإيمان في قلبه أحب الهجرة إلى المدينة، أحب أن ينظم وأن يلتجئ إلى المدينة، وأن يرى النبي عليه الصلاة والسلام. وقيل: بل هو على عمومه في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وبعد زمنه، بأن القلوب تحب وتتشرف إلى الانضمام واللجوء إلى مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا فيه فضل المدينة، حيث النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الإيمان ينظم ويجتمع فيها، ويجتمع أهله، أو يحب أهله أن يجتمعوا إلى المدينة. الشاهد هو قول عليه الصلاة والسلام: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ»، فيه بيان ما كان عليه أهل الإسلام في أول الأمر من الغربة العظيمة التي كانوا يعيشونها، من قلة الأعوان وقلة المسلمين، وكذلك أيضا تسلط -ربما- الكفار والمشركين على المسلمين بالتعذيب والتنكيل والتهجير إلى آخره، مما حصل لأهل الإسلام ممن أسلم قديما -يعني ممن شرع في الإسلام في أول الإسلام- فكان الإسلام في تلك الفترات أهله غرباء. وتعود هذه الغربة في آخر الزمان كما أخبر عليه الصلاة والسلام. وهكذا ينقص الإيمان والإسلام حتى لا يبقى على ظهر الأرض أحد في قلبه ذرة من إسلام وإيمان. ولهذا ذكر الإمام مسلم، رحمه الله، بعد هذا الحديث حديث أنس: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله». صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.