الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 28، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُنشر ديوان الحساب وتُوضع الموازين بالقسط يوم القيامة، حيث تُكتب أعمال العباد وتُحاسب. يُؤخذ العباد صحائف أعمالهم، فمن كان مؤمنًا أخذها بيمينه ومن كان كافرًا أخذها بشماله.
اختلف العلماء في تحديد ما يوزن يوم القيامة، فمنهم من قال إن الأعمال أو صحف الأعمال أو العامل نفسه هو الذي يوزن، واستدلوا بأدلة من القرآن والسنة.
الميزان يوم القيامة يدل على عدل الله، حيث توزن الأعمال والصحائف والأشخاص لضمان عدم ظلم أحد. الله يجازي كل نفس بما عملت، فمن يعمل خيرا يجد ثوابه ومن يعمل شرا يجد عقابه.
يُحاسب الناس يوم القيامة بناءً على أعمالهم، فمن ثقلت موازين حسناته فهو المفلح ومن خففت موازينه فهو الخاسر الذي يخلد في جهنم. نستعين بالدعاء لكي نكون من المفلحين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله في قصيدته الميمية في ذكر نشر الدواوين ووضع الموازين: قال رحمه الله: «وينشر ديوان الحساب وتوضع الموازين بالقسط الذي ليس يظلمه، فلا مجرم يخشى ظلامة ذرة، ولا محسن من أجره ذاك يهضم». قال الإمام ابن القيم رحمه الله: قوله «ديوان الحساب» يعني الصحف التي كتب فيها ما عمله الإنسان. قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. قال الحسن رضي الله عنه: «لقد أنصفك من جعلك حسيبا على نفسك». قال: فهذا هو الإنصاف: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. فالله عز وجل لإقامة العدل وقطع الحجة على العبد يوم القيامة جعل الملائكة الحفظة يكتبون أعمال العبد الذي عمل في هذه الدنيا من صغيرة وكبيرة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ تَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. حتى لا يكون الإنسان حجة فيقول: لم أفعل أو لم أقل، فهو يراه مسجلا أمام عينيه، ويعلم ذلك علما يقينا أنه قاله وأنه فعله، فلا تظلمه الحفظة ولا يظلمه رب العباد جل وعلا. فكل عبد يأخذ صحيفة أعماله، فإن كان من أهل الإيمان وأهل التقوى وأهل الصلاح وأهل الجنة سيأخذ صحيفة أعماله بيمينه، وإن كان من أهل الكفر وأهل الفسوق وأهل الفجور وأهل الشقاء والنار فسيأخذ صحيفة أعماله بشماله. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يأخذون صحائف أعمالهم بأيمانهم. قال رحمه الله: وقوله «وتوضع الموازين» أي الموازين جمع ميزان، وهي حسية، فكل ميزان له كفتان ترجح إحداهما على الأخرى. وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة في الميزان أنه ميزان حقيقي، ميزان حقيقي له كفتان، وليس المراد به الميزان المعنوي الذي هو العدل كما قال المعتزلة، ونفوا أن يكون الميزان ميزانا حقيقيا. بل الصواب أنه ميزان حقيقي كما دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، وهكذا أيضا ما نقل عن السلف في ذلك. قال: ومن الذي يوزن؟ الجواب: قيل الذي يوزن هو الأعمال، يجعلها الله سبحانه وتعالى أجساما فتوضع في الموازين. كما جعل الله الموت وهو معنى من المعاني جسما، فإنه يؤتى به يوم القيامة على صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ويقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيشرئبون ويطلعون -يعني يرفعون رؤوسهم وينظرون-. قال: ويقال لأهل النار: يا أهل النار، فيشرئبون ويطلعون، فيقال للجميع: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، فيذبح بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة سرورا إلى سرورهم، ويزداد أهل النار غما إلى غمهم. والحديث في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه. وجاء أيضا من حديث ابن عمر. قالوا: مما يدل على أن الذي يوزن هو الأعمال قول الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فقوله عليه الصلاة والسلام: «كلمتان» ثم ذكر من صفات هاتين الكلمتين أنهما «ثقيلتان في الميزان»، معنى ذلك أنهما ستوزنان، هاتان كلمتان في الميزان. كيف توزن؟ يجعلها الله عز وجل جسما فيكون لها ثقل في الميزان. وقال بعض أهل العلم: إن الذي يوزن هو صحف الأعمال. قال: وسدد على ذلك بما رواه الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يؤتى برجل تعرض عليه أعماله في صحفه، فيوضع له سجلات مد البصر كلها أعمال سيئة، حتى إذا رأى أنه هلك قبل، قيل له: إن لك عندنا حسنة، فيؤتى ببطاقة ليست بشيء بجانب هذه السجلات، فيقول: ما شأن هذه البطاقة إلى هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، لم توضع البطاقة في كفة، ثم توضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة، فترجح بهن البطاقة. والحديث رواه الإمام أحمد كذلك في مسنده. وفي أن هذه البطاقة مكتوب فيها: «لا إله إلا الله»، يعني أنه حقق التوحيد وكان مجانبا للشرك، فبسبب ذلك رجحت هذه البطاقة على تلك السجلات. ودل الحديث على أن الوزن هنا حصل للصحف، للصحف الأعمال. وفيه أيضا دليل على أن الميزان حقيقي له كفتان، لأنه قال: «وضع التسجلات في كفة والبطاقة في كفة». قال: فهذا يدل على أن الذي يوزن هو صحف الأعمال. وقال بعض العلماء: إن الذي يوزن هو العامل -يعني الإنسان نفسه-. قال: وسلل على ذلك بما ثبت في الصحيح أن ابن مسعود رضي الله عنه قام إلى شجرة أراك -وهي شجرة المساويك- وكانت الريح شديدة فجعلت تكفأ عبد الله بن مسعود -يعني تحركه الريح- فضحك القوم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مم تضحكون؟» قالوا: يا رسول الله -يا نبي الله- من دقة ساقيه -يعني من نحافة ساقيه-. فقال: «والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد» -يعني من جبل أحد-. وهذا الحديث رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. وأيضا مثل حديث أبي هريرة في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بالكافر السمين العظيم يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة»، ثم قرأ النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَنَقِيمَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾. قال: ولكن لا شك أن نصوص القرآن، صحيح السنة، يدلان على أن الذي يوزن هو العمل نفسه. وتكون هذه النصوص الأخرى إما أنها باعتبار أشخاص معينين، أو أن بعض الناس يوزن عمله، وبعضهم يوزن هو نفسه، وبعضهم يوزن صحائف أعماله. والإمام ابن كثير رحمه الله رجح أن جميع هذه الأشياء توزن: الصحائف والأعمال والأشخاص، كما دلت على ذلك هذه الأدلة. فالمقصود أن الله عز وجل يجعل -يضع- الموازين يوم القيامة لأجل العدل، وأن لا يظلم أحد من العباد شيئا، كما قال سبحانه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. هكذا يقيم الله جل وعلا يوم القيامة بين عباده حتى لا يظلم أحدا من العباد، ولا يظلم أحد من الخلق شيئا من حقه. ولهذا قال رحمه الله هنا: «فلا مجرم يخشى ظلامة ذرة» حتى الكافر والظالم والفاسق والعاصي لا يظلم، لا يظلم شيئا مما عمل من خير أو شر. فمن يعمل مثقال ذرة خير يره، ومن يعمل مثقال ذرة شر يره، فلن تضيع له حسناته إن كان عنده حسنات، ولن يؤاخذ على سيئات أو مظالم لم يعملها، وإنما سيؤاخذ بما عمل وبما ظلم. قال: «ولا محسن من أجره ذاك يهضم» كذلك المحسن والمتقي والمطيع لن يضيع شيء من أجره مما عمله في هذه الدنيا. نسأل الله جل وعلا أن يثقل موازيننا، فمن ثقلت موازينه فهو المفلح، فهو المفلح الناجح. فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خففت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون. نسأل الله عز وجل أن يثقل موازيننا وأن لا يخففها. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.