التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 29

الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 29، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مشهد يوم القيامة وشهادة الجوارح

في يوم القيامة، يحاول المشركون إنكار ذنوبهم وتشهد عليهم جوارحهم. يُختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم بما عملوا.

تسلم كتاب الأعمال وأحوال الناس

يُعطى الناس كتب أعمالهم إما بيمينهم أو بشمالهم، فيفرح المؤمنون ويحزن الكافرون. يُفتخر المؤمن بكتابه بينما يتمنى الكافر لو لم يُعطه.

استغلال العمر في طاعة الله

ينبغي استغلال العمر في طاعة الله والتوبة إليه ورد المظالم. الحياة غنيمة ينبغي اغتنامها قبل الموت.

أهمية الطاعات واجتناب الذنوب

يجب الاهتمام بالطاعات والقربات التي تثقل الموازين والابتعاد عن الذنوب. يُطلب من الله التوفيق لطاعته وختم الأعمال الصالحة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في قصيدته الميمية، في ذكره لشيء مما يقع يوم القيامة: «وتشهد أعضاء المسيء بما جنى، كذاك على فيه المهيمن يختم». قال علامة مثيمين رحمه الله في شرحه: «الله أكبر»، فإنه في يوم القيامة يحاول المشركون أن يجحدوا، فيقولون: «والله ربنا ما كنا مشركين»، فيحلفون ظنًا منهم أنهم إذا كذبوا في الآخرة نجوا كما كانوا ينجون في الدنيا. فقال الله تعالى: «انظر كيف كذبوا على أنفسهم»، وهكذا يفعل الكافرون والمنافقون، يتخذون أيمانهم جنة ووقاية يتقون بها من العقوبة والمؤاخذة، كما قال الله عز وجل عنهم: «اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله»، أي وقاية يتقون بها، يقولون ثم ينكرون ويحلفون، وهكذا يفعلون، فينكرون ويحلفون، يجعلون اليمين وقاية يتقون بها من المؤاخذة والعقوبة، فيظنون أنها ستنفعهم في الآخرة كما كانوا يفعلون في الدنيا من الحلف بأيمان كثيرة، لكنها يوم القيامة لا تنفعهم. قال: «فيختم على أفواههم، والعياذ بالله، فتشهد عليهم أيديهم بما عملوا باليد، وأرجلهم بما عملوا بالمشي، وجلودهم بما عملوا باللمس، وألسنتهم بما عملوا بالنطق، فلا يبقى لهم بعد ذلك من عذر»، كما قال الله جل وعلا: ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾. فيختم الله عز وجل على أفواههم، وتنطق هذه الجوارح بما عملوا في هذه الدنيا. وهكذا يقع الجدال بين العبد وبين جوارحه، مجادلة ومخاصمة، يخاصم جوارحه التي نطقت أنطقها الله عز وجل، وفضحته يوم القيامة بما كان يستتر في عمله في الدنيا. قال الله جل وعلا: ﴿حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون﴾، وقالوا لجلودهم: «لما شهدتم علينا، لما فضحتمونا»، قالوا: «أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون، وما كنتم تسترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم، ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون، وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين، فإن يصبروا فالنار مثوى لهم، وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين». هكذا يجادل العبد جوارحه ويخاصمها يوم القيامة. قال: «فينكرون على جلودهم لما شهدتم علينا»، قالوا: «أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون». ثم قال رحمه الله: «فيا ليت شعري كيف حالك عندما تطاير كتب العالمين وتقسمه، أتأخذ باليمنى كتابك أم تكن بالأخرى وراء ظهرك منك تسلم، وتقرأ فيه كل شيء عملته، فيشرق منك الوجه أو هو يظلم؟ تقول كتابي فقرأوه، فإنه يبشر بالفوز العظيم ويعلمه»، فإن تكون الأخرى، فإنك قائل: «ألا ليتني لم أوته، فهو مغرم». قال رحمه الله: «فهذه حال الإنسان عندما يعطى كتابه، إما باليمين وإما بالشمال». فإن أعطي باليمين افتخر وفرح وسر، وقال: «ها أقرأوا كتابي»، يعني يفتخر المؤمن الذي أفلح ونجح وأطاع الله عز وجل ورسوله في الدنيا، واجتنب المعاصي والذنوب، فيأته الجزاء وكذلك الفوز، فيأخذ صحيفة أعماله بيمينه، فيفتخر بذلك، ويقول للناس: «ها أقرأوا كتابي، انظروا في كتابي، تجدون فيه الأعمال الصالحة من توحيد لله وأعمال وطاعات وقربات». قال: «وأما من أوتي كتابه بشماله، فهو بالعكس، والعياذ بالله، فإنه يقول: يا ليتني لم أوت كتابي، ولم أدري ما حسابي»، أي ليتني لم آخذ كتابي، وليتني ما علمت حسابي، يعني لم أعلم ما هو حسابي وجزائي. قال: «ولكن هذا لا ينفعه، لأنه حينئذ يسفر وجه من أخذ كتابه بيمينه، ويظلم وجه من أخذه بشماله»، قال تعالى: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾، تبيض وجوه أهل الإيمان وأهل التقوى وأهل الصلاح والاستقامة من يأخذ كتابه بيمينه، وتسود وجوه أهل الكبر وأهل البدع والأهواء وأهل الضلالة والمعاصي والذنوب، والذين يأخذون صحائف أعمالهم بشمائلهم. وقول رحمه الله: «أي قول من قيم: وإن تك أم تكن بالأخرى وراء ظهرك منك تسلم»، يعني يريد قول الله عز وجل: ﴿وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورًا﴾. قال أهل العلم في الجمع بين هذه الآية وبين قوله جل وعلا: ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله﴾، وفي الآية الأخرى قال: «وراء ظهره»، قالوا: بأنه يأخذ صحيفة أعماله بشماله من وراء ظهره، يأخذها بشماله من وراء ظهره، وهذا لشدة التوبيخ والتقريع والذلة والمهانة التي يكون عليها حال هذا العبد. قال رحمه الله: «قوله: فيا ليت شعري كيف حالك»، يعني ليتني أشعر ماذا يكون حالك، والجواب أنه لو شعر بحاله لشعر بأمر عظيم، سرورًا أو حزنًا، يعني كان من المفلحين الفائزين ممن يأخذ صحيفة أعماله بيمينه، لا شك أنه في غاية من السرور والفرح الذي لا يوصف، الذي لا يوصف، لأنه إذا أخذ صحيفة أعماله بيمينه، معناه أنه سعيد سعادة لا شقاء بعدها، ونعيمًا لا انقطاع بعده. وإذا أخذه بشماله، فإنه سيعيش تعاسة لا سعادة بعدها، وكذلك أيضًا بؤسًا لا فرح بعده، إلا أن يكون يعني من أهل التوحيد، فهو تحت مشيئة الله، إن عذبه الله وعاقبه وأدخله النار، ثم يكون مصيره إلى الجنة، ومع ذلك فهو سيعيش يعني في حالة عظيمة من البؤس والتعاسة لا يعلمها إلا الله. ثم قال رحمه الله: «ما فبادر إذا ما دام في العمر فسحة، وعدلك مقبول، وصرفك قيم، جد وسارع واغتنم زمن الصبا، ففي زمن الإمكان تسعى وتغنم، وسر مسرعًا، فالموت خلفك مسرع، وهيهات ما منه مفر ومهزم، فهن المنايا»، أي واد نزلته عليها القدوم، أو عليك ستقدم. صدق رحمه الله، فإن الله عز وجل يقول: ﴿أينما تكون يدركم الموت﴾، أينما يذهب الإنسان ويفر من الموت، فإن الموت سيدركه، لو صعد أعلى الجبال أو هبط في أسفل الأودية، فلن يفر من الموت، أينما تكون يدركم الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة. قال: «وقول: فهن المنايا»، أي واد نزلته عليها القدوم، أو عليك ستقدم، أي فأي واد تنزله، فإنك إما أن تنزل على المنايا، وإما أنها هي التي تنزل عليك، فإنه أحيانًا يفر الإنسان من الموت، فإذا به يموت في فراره منه، فيكون هو الذي نزل على الموت، وهذا كثيرًا ما يكون، ولا سيما في الحوادث التي في الطرق السريعة. فالمقصود مراد المؤلف رحمه الله أن المسلم والعبد يستغل حياته ما دام حيًا، فليسارع باستغلال العمر في طاعة الله جل وعلا، وإحسان الأعمال، والتوبة إلى الله، والإنابة إليه، ورد المظالم إلى أهلها، واستغلال الحياة، فإن الحياة غنيمة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس عند الحاكم: «اغتنم خمسًا قبل خمس، وذكر منها حياتك قبل موتك»، الحياة غنيمة ما دمت تحيا، فهذه حياة غنيمة ينبغي أن تستغلها في التوبة والإنابة إلى الله، في ترك المعاصي والذنوب، وفي إكثار من الأعمال الصالحة والطاعات والقربات التي تثقل الموازين يوم القيامة، وفي الابتعاد عن الذنوب والمعاصي وغير ذلك مما يغضب الله جل وعلا، حتى يأتيك الموت وأنت على حال ترضي الله جل وعلا، وترضى أن تقابل الله عز وجل فيها. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لطاعته، ونسأل سبحانه أن يختم لنا بعمل صالح يحبه ويرضاه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.