الدرس في شرح نواقض الإسلام 2، الدرس الثاني:من( الثاني:من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعاً ). ألقاها
الناقض الثاني من نواقض الإسلام هو جعل الوسائط بين العبد وربه، حيث يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم، وهذا كفر إجماعًا. الوسائط قد تكون واجبة للتبليغ ومعرفة أوامر الله وقد تكون كفرًا إذا كانت للتقرب إلى الله عن طريق دعاء الأموات أو الأضرحة.
الشفاعة حق لله تعالى ولا تصح إلا بإذنه ورضاه عن المشفوع له، وتنقسم إلى شفاعة مثبتة وشفاعة منفية، والمشرك محروم من الشفاعة. التوكل على غير الله شرك، والوسيلة المطلوبة في القرآن هي التقرب إلى الله بالطاعة.
التوسل ينقسم إلى قسمين: توسل مشروع وتوسل ممنوع، التوسل المشروع يكون بأسماء الله وصفاته ودعاء الصالحين الأحياء والأعمال الصالحة، أما التوسل الممنوع فهو التوسل بذوات الأشخاص أو بجاههم وبحقهم، ينبغي للمسلم التمييز بينهما لاجتناب الباطل.
قال رحمه الله: الثاني من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعًا، هذا الناقض الثاني من نواقض الإسلام. قال: من جعل بينه وبين الله وسائط، يعني يجعل بينه وبين الله سبحانه وتعالى وسائط يتقرب إليهم، فيدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم، فمن فعل ذلك فإنه يكفر إجماعًا. والوسائط لا بد فيها من تفصيل، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فإن أرادوا بالواسطة أنه لا بد من واسطة في تبليغ دين الله سبحانه وتعالى ومعرفة أوامر الله ونواهيه، وذلك عن طريق الرسل والأنبياء، فهذا حق، بل هذه واسطة واجبة، لا يمكن معرفة دين الله سبحانه وتعالى إلا عن طريق الأنبياء والرسل، ومن أنكر هذه الواسطة فهو كافر. من أنكر هذه الواسطة فهو كافر، الذي يقول: نحن لسنا بحاجة للرسل والأنبياء حتى نأخذ منهم الدين، بل نحن نأخذ الدين من الله مباشرة، كما يقول الصوفية: حدثني قلبي عن ربي، هذا لا يقول: ما نحتاج الرسل، هذا كفر. فإننا لا نستطيع أن نعلم دين الله سبحانه وتعالى إلا عن طريق الرسل والأنبياء، هذه الواسطة لا بد منها. وإن أرادوا بالواسطة أنه لا بد أن نجعل بيننا وبين الله سبحانه وتعالى وسائط ندعوهم ونتوكل عليهم، أن أطلب منهم الشفاعة حتى يقربوني إلى الله سبحانه وتعالى، فهذا كفر وخروج عن دين الإسلام، هذا كفر وخروج من دين الإسلام. وهذا هو بعينه كفر المشركين الذين كفرهم الله سبحانه وتعالى، فأرسل إليهم الرسل وأنزل الكتب، كانوا يتخذون من يعبدون من دون الله سبحانه وتعالى وسائط يطلبون منهم الشفاعة والقرب، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، إلا ليقربونا إلى الله، هذه حجتهم. قالوا: هؤلاء وسائط، وهؤلاء أقوام صالحون، لهم جاه عند الله ومنزلة وقربة، فنحن نتقرب إليهم حتى يقربونا إلى الله سبحانه وتعالى، حتى يقربونا إلى الله سبحانه وتعالى، فهم لم يعتقدوا فيهم أنهم يخلقون ويرزقون، بل يعلمون أن الخالق والرازق هو الله سبحانه وتعالى. ولئن سألتهم: من خلق السماوات والأرض؟ لا يقولون: الله، وإنما جعلوهم وسائط، وهذا هو فعل المشركين في هذا الزمان الذين يتقربون إلى الأموات ويتقربون إلى الأضرحة، إلى بحي الذبائح ونذر النذور والدعاء والاستغاثة إلى آخر ذلك، ماذا يريدون؟ يريدون منهم أن يقربوهم إلى الله، هذا هو فعل المشركين بعينه. ومع ذلك كفرهم الله سبحانه وتعالى وكذبهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، إذن فهذه الواسطة اتخاذها كفر، اتخاذ هذه الواسطة كفر بالله سبحانه وتعالى. فالله عز وجل قريب، لا يحتاج بيننا وبينه إلى واسطة، وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون. الله عز وجل قريب من عباده، يسمع دعاءهم ويسمع تضرعهم، فلا يحتاج جل وعلا إلى واسطة بينه وبينهم، ولو كان يحتاج الواسطة فلذكر ذلك، لقال: اتخذوا وسائط واتخذوا ناسًا بيني وبينكم، ومع ذلك لم يقل ذلك سبحانه وتعالى، بل أمر بدعائه مباشرة وبسؤاله مباشرة: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. إذن فاتخاذ هذه الوسائط من الكفر بالله سبحانه وتعالى. قال: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة، يدعوهم يعني يدعو هذه الواسطة، يدعوهم فيقول: يا أحمد البدوي أطلب منك المدد أو الولد أو إزالة الكرب إلى آخر ذلك، يأتي إلى ذاك الميت الذي يتخذه واسطة فيدعوه، وهذا من الكفر والشرك، لأن الدعاء عبادة، وصرفه لغير الله سبحانه وتعالى يعتبر شركًا، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾، ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. فسمى الله سبحانه وتعالى دعاءهم لأولئك الأموات عبادة، وحكم عليهم جل وعلا بالكفر والشرك، حكم عليهم بالكفر والشرك. وكما قال جل وعلا: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، فحكم الله سبحانه وتعالى عليهم بالشرك. فدعاء الأموات من الشرك والكفر بالله سبحانه وتعالى، قد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الدعاء هو العبادة»، الدعاء هو العبادة، جاء النبي عليه الصلاة والسلام: أصل العبادة هو الدعاء، وصرفه لغير الله سبحانه وتعالى يعتبره من الشرك والكفر. أو هكذا يسألهم الشفاعة، يأتي إلى هذه الوسائط من هؤلاء الأموات يسألهم الشفاعة، يريد منهم أن يشفعوا عنده الله سبحانه وتعالى، فيقول: يا أخي الآن اشفع لي، كن شفيعًا لي، يأتي يخاطب ذاك الميت يطلب منه أن يكون شفيعًا له، وهذا من الشرك والكفر. أولًا لأن الله سبحانه وتعالى أخبر أن كفر الأولين كان بسبب ماذا؟ كان بسبب طلب الشفاعة من غير الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، هذا هو عين كفر المشركين. عبدوا غير الله سبحانه وتعالى وطلبوا منهم ماذا؟ طلبوا منهم الشفاعة، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فهذا يأتي ويطلب الشفاعة من الأموات ويزعم أنهم شفعاؤه عند الله سبحانه وتعالى، وهذا من الكفر والشرك. فالشفاعة هي حق لله سبحانه وتعالى، قل لله الشفاعة جميعًا، ما أحد يملك الشفاعة إلى الله سبحانه وتعالى، ولا أحد يستطيع أن يشفع يوم القيامة إلا من أذن الله سبحانه وتعالى له. فالشفاعة تنقسم إلى قسمين: شفاعة مثبتة وشفاعة منفية، فالشفاعة المثبتة ما توفرت فيها الشرطان: وهو الإذن من الله سبحانه وتعالى والرضا عن الشافع والمشفوع له، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى﴾. وجمع الله سبحانه وتعالى بينهما في قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، إذن فالشفاعة المثبتة لا تكون إلا بهذين الشرطين: الإذن من الله أن يأذن الله سبحانه وتعالى بالشافع أن يشفع، والشرط الثاني أن يرضى الله سبحانه وتعالى عن المشفوع له. والله عز وجل لا يرضى إلا عن أهل التوحيد وعن أهل الإسلام، لا يرضى إلا عن أهل التوحيد وأهل الإسلام، إذن من طلب الشفاعة من غير الله سبحانه وتعالى فإنه يقع في الشرك، يقع في الشرك، والمشرك ليس له شفاعة، المشرك ليس له شفاعة، بل هو محروم من الشفاعة. وهذه هي الشفاعة المنفية التي نفاها الله سبحانه وتعالى في كثير من الآيات، ومنها قوله: ﴿فَمَا تَنْحُ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾، كما قال سبحانه: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالَةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾. هذه الشفاعة المنفية هي شفاعة المشركين الذين يظنون أنهم يستطيعون أن يشفعوا بغير إذن الله، فيطلبوا الشفاعة من غير الله سبحانه وتعالى، فيقعوا في الشرك، فيحرمون من الشفاعة. إذن فسؤال هؤلاء الوسائط الشفاعة هو من الكفر بالله سبحانه وتعالى، ومن الشرك بالله سبحانه وتعالى. فإذا فعل ذلك العبد فقد وقع في الشرك، قد وقع في الشرك، والمشرك لا شفاعة له، المشرك لا شفاعة له، بل الشفاعة تطلب من الله، تقول: اللهم اشفع لي، أو اللهم اجعلني من شفعاء نبيك، فتطلب من الله سبحانه وتعالى الشفاعة، أمَّا سؤالها من غير الله سبحانه وتعالى فهذا من الشرك. قال: ويتوكل عليهم، كذلك التوكل على هؤلاء الأموات، التوكل عبادة من أعظم العبادات، الاعتماد على الله سبحانه وتعالى في جلب المنافع ودفع المضار مع الأخذ بالأسباب الشرعية، وهو عبادة، والله سبحانه وتعالى مدح عباده المؤمنين بأنهم يتوكلون عليه، كما قال سبحانه: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. فالتوكل عبادة عظيمة، ينبغي للمسلم أن يعتمد على الله سبحانه وتعالى مع أخذه بالأسباب، فهذا الذي يتخذ الوسائط يتوكل عليها ويلجأ إليها ويعتمد عليها، يعتمد على هؤلاء الأموات في جلب المنافع ودفع المضار، وهذا صرف للعبادة لغير الله سبحانه وتعالى. يجده إذا نزلت به نازلة أو أصابه ضر لجأ إلى هؤلاء الأموات وطلب منهم كشف الضر وإزالة الكرب، فهذا من الاعتماد على غير الله سبحانه وتعالى، والواجب على المسلم أن يعتمد على الله عز وجل وحده. إذن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعًا، لأنه وقع في الشرك. والكبر هنا شبهة يتذرع بها عُبّاد القبور على جواز اتخاذ الوسائط، فمنها مثلًا أنهم يقولون: إن الله سبحانه وتعالى أمرنا باتخاذ الوسائط، الله أمرنا أن نتخذ الوسيلة كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، الله أمرنا أن نتخذ الوسيلة بيننا وبينه. قالوا: والوسيلة وهي اتخاذ الوسائط تتخذ من الناس الصالحين، تقرب إليهم حتى يقربوك إلى الله سبحانه وتعالى. والجواب عن ذلك أن المراد بالوسيلة هنا هي الطاعة والعبادة، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة، يعني اتقوا إلى الله سبحانه وتعالى الطاعة والقرب بعبادته سبحانه، بفعل الأوامر واجتناب النواهي، بفعل الأوامر واجتناب النواهي. ولم يقل أحد من أهل العلم أن المراد بالوسيلة هنا ماذا؟ اتخاذ الوسائط من المخلوقين يدعونهم ويتوكلون عليهم. وكذلك أيضًا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾. قالوا: الله سبحانه وتعالى مدح من اتخذ الوسائط، أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة، يبتغون إلى الله سبحانه وتعالى اتخاذ الواسطة، أكذا يقولون؟ وهذا قول باطل. لم يقل أحد من أئمة التفسير، والمراد بالآية: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة، قسرت هذه الآية بتفسيرين. التفسير الأول: أن قوله: أولئك الذين يدعون، أي الذين يدعون الملائكة من كفار العرب، أو الذين يدعون المسيح من النصارى، فهؤلاء الذين يدعونهم من الملائكة والمسيح وغيرهم من الرسل يبتغون إلى ربهم الوسيلة، يعني يبتغون إلى الله سبحانه وتعالى القرب بفعل الطاعات واجتناب النواهي، فهم يرجون رحمة الله ويخافون عذابه، يرجون رحمة الله ويخافون عذابه. هذا المعنى الأول للآية: أولئك الذين يدعون، يعني الملائكة وبعض الرسل ممن عبد من دون الله سبحانه وتعالى، فإنهم عباد لله يتقربون إلى الله سبحانه وتعالى بطاعته، يرجون رحمته ويخافون عذابه. والمعنى الآخر للآية: أنه نزلت في قوم من الإنس كانوا يعبدون قومًا من الجن، فأسلم الجن ولم يعلم الإنس بإسلامهم، فبقوا على عبادتهم، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية يخبر بأن هؤلاء الذين يدعون يبتغون إلى الله الوسيلة، أي الذين يعبدون من الجن أسلموا ويبتغون من الله سبحانه وتعالى القرب والطاعة، ويخافون عذابه ويرجون رحمته. أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه، هذا التفسير الآخر للآية: أنه نزلت في ناس من الإنس كانوا يعبدون قومًا من الجن فأسلم الجن ولم يعلم الإنس بإسلامهم، فأنزل الله سبحانه وتعالى الآية يخبر بذلك. ولم يقل أحد من أئمة التفسير أن المراد بالوسيلة هنا اتخاذ الوسائط، هذا قول باطل، قول مردود. وكذلك أيضًا من شبههم أنهم يقولون: إننا نتخذ هؤلاء الوسائط لأنهم أناس صالحون، لهم أعمال صالحة ولهم طاعات، فنحن نتقرب إليهم بما عندهم ماذا؟ من أعمال صالحة، بما عندهم من أعمال صالحة. والجواب: أن الإنسان لا ينفعه إلا عمله، الإنسان لا ينفعه إلا عمله، فهؤلاء إذا كانت لهم أعمال صالحة فإنه لا ينتفع بأعمالهم إلا هم، فينبغي كذلك عليك أن تعمل أعمالًا صالحة تنتفع بها عند الله سبحانه وتعالى. وأما أعمال الآخرين فلا تنفعك، فكل إنسان يوم القيامة لا ينفعه إلا عمله، لا ينفعه ماذا؟ إلا عمله وما قدمه في هذه الدنيا، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾، ما أحد ينفعه يوم القيامة إلا عمله، فلهذا عمل هؤلاء الصالحين لا ينفعك ولا يقربك إلى الله سبحانه وتعالى، ولا تنتفع منه بشيء إلا ما قدمته في هذه الدنيا. وكذلك أيضًا ربما يقولون: إن المشركين الأولين كانت الوسائط هي الأصنام، كانوا يتخذون الأصنام وسائط بينهم وبين الله، أما نحن فنتخذ أناسًا صالحين نتخذ وسائط أناسًا صالحين يقربوننا إلى الله سبحانه وتعالى. والجواب: أن هذا القول باطل، فالمشركون كما أنهم عبدوا الأصنام فإنهم عبدوا غير الأصنام، وتقربوا وتقربوا إلى الله سبحانه وتعالى بغير الأصنام، من عبادة الأنبياء والملائكة والصالحين، عبدوا المسيح وعزيرًا وهكذا أيضًا غيرهم من الصالحين، كما أخبر الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة. ومع ذلك كفرهم الله سبحانه وتعالى جميعًا، فليس عبادة المشركين كانت الأصنام فقط أبدًا، بل عبدوا الأصنام وعبدوا غير الأصنام، عبدوا غير الأصنام من الأنبياء والصالحين، ومع ذلك حكم عليهم بالكفر والشرك. فينبغي على المسلم أن يحذر في هذا الباب، ويعلم الوسائط المشروعة والممنوعة. ولهذا ينبغي أن نعلم هنا ما هي أو ما هو التوسل الممنوع؟ وما هو التوسل المشروع؟ لأن الخلط في هذا الباب ربما يوقع الشخص في الضلال والزيغ. فالتوسل ينقسم إلى قسمين: توسل مشروع وتوسل ممنوع، أما التوسل المشروع فهو التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته، التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، فأنت تتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته، فتقول: يا رحيم ارحمني، يا غفور اغفر لي، يا غني اغنني، وهكذا، تتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته، فهذا من المشروع. ومنه قول يونس عليه السلام حين أغرق في البحر وأدخل ببطن الحوت، قال في تلك الظلمات: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، هذا من التوسل بأسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فهذا من التوسل المشروع. وهكذا أيضًا من التوسل المشروع: التوسل بدعاء الصالحين الأحياء، بدعاء الصالحين الأحياء، فهذا كذلك من المشروع أن يدعو لك الحي، فهذا جائز، ومنه ما فعله عمر رضي الله تعالى عنه لما استسقى بالعباس عم النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: اللهم إنا كنا نتوصل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوصل إليك بعم نبينا فيسقينا، ثم أمر العباس أن يقوم فيدعو، فدعا فسقوا. فعمر الآن توسل بالعباس لماذا؟ بدعائه، توسل بدعائه، قال: قم فادعُ، وقام فدعا، وهكذا توسل معاوية رضي الله تعالى عنه بيزيد بن الأسود لما استسقوا، أمر يزيد بن الأسود أن يدعو، فهذا التوسل بدعاء الصالحين الأحياء فهذا جائز. والنوع الثالث من التوسل المشروع: التوسل بالأعمال الصالحة، تتوسل يا الله سبحانه وتعالى بما قدمت من أعمال صالحة، ودليله حديث أو قصة الثلاثة الذين أطبقت عليهم الغار، فما استطاعوا الفرج من الغار، فتوسل كل واحد منهم بما قدم من عمل صالح لله سبحانه وتعالى، فاحدهم توسل ببره لوالديه، والآخر توسل بعفته، والثالث توسل بأمانته، فانفرجت عنهم الصخرة، هذا توسل بالأعمال الصالحة. وما سوى ذلك فهو من التوسل الممنوع، فهو من التوسل الممنوع، التوسل بذوات الأشخاص أو توسل بجاههم وبحقهم، فهذا من التوسل الممنوع، التوسل بذات فلان هذا لا يجوز، أو التوسل بحقه وجاهه، وإن كان له حق وجاه، فهو لا يجوز التوسل به. ولهذا الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما أجدبوا ما ذهبوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وتوسلوا بذاته أو توسلوا بحقه وجاهه، فحق النبي عليه الصلاة والسلام ما زال موجود، حقه ومكانته ما زالت، ومع ذلك ما توسلوا إلى الله بحقه وجاهه، وإنما عمَدوا إلى العباس وتوسلوا بدعاء العباس. ولو كان التوسل بالنبي عليه الصلاة والسلام يجوز أو بحقه وجاهه لنجأوا ماذا؟ إلى قبره وتوسلوا به، ومع ذلك ما فعل ذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم لعلمهم أن هذا لا يشرع. فإذا التوسل بالذوات أو بالحق والجاه فهذا من التوسل البدعي، وهو وسيلة من وسائل الشرك بالله سبحانه وتعالى، ينبغي للمسلم أن يحذر من ذلك، وأن يفرق بين التوسل المشروع وبين التوسل الممنوع، حتى يميز بين الحق والباطل في هذا الباب.