الدرس في كتاب البيوع 24، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الشفعة هي حق الشريك في أخذ حصة شريكه من المشتري بنفس الثمن، وتثبت في العقار الذي لم يقسم وهي ثابتة بالسنة والإجماع. يختلف العلماء في ثبوتها إذا انتقلت الحصة بغير البيع.
تثبت الشفعة في العقارات غير المقسمة، ويختلف العلماء في ثبوتها للمنقولات. يشترط لتطبيقها عدم تقسيم الحدود وانتقال الملكية بالبيع وأداء الشفعة فور العلم ودفع الثمن كاملاً.
يجب طلب الشفعة فور العلم ببيع الشريك، ولا تسقط بتحايل البائع، وتثبت للشريك. كما تثبت للجار إذا كانت هناك حدود مشتركة بين الجارين.
الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة مساعد رحمه الله في كتابه "منهج السالكين" في كتاب البيوع، قال: باب الشفعة. قال: وهي استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد من انتقلت إليه ببيع ونحوه، وهي خاصة في العقار الذي لم يقسم، لحديث جابر رضي الله عنه: "قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة"، متفق عليه. قال: ولا يحل التحيل لإسقاطها، فإن تحيل لم تسقط، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات". هذا الباب: باب الشفعة، بضم الشين وإسكان الفاء. والشفعة أصلها من الشفع، وهي ضد الوتر. وإصطلاحاً: كما ذكر المصنف، استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد من انتقلت إليه ببيع ونحوه، بنفس العوض المسمى. صورة الشفعة: أن يكون هناك شريكان مشتركان، مثلاً في أرض، فيبيع أحد الشريكين نصيبه لآخر. مثلاً: أنا وإبراهيم شركاء في أرض، فجئت وبعت نصيبي لنوفل من غير أن أخبر إبراهيم أو علمه بذلك. علم إبراهيم بأني بعت نصيبي، فيقول: أنا أطالب بالشفعة. كيف؟ يقول إبراهيم: أنا أحق بنصيبك من نوفل، أنا شريكك وبيننا حدود مشتركة. فحينئذ ينتزع إبراهيم نصيبي الذي بعته لنوفل، فيشتريه من نوفل بنفس الثمن الذي بعته لنوفل. مثلاً: أنا بعته لنوفل بخمسين ألف، فيقول إبراهيم: أنا أحق، أنا أطالب بالشفعة، فيقول لنوفل: خذ هذه الخمسين ألف التي أعطيتها لعبد المجيد، وأنا آخذ نصيبه. هذه الشفعة: استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه ببيع ونحوه، بنفس العوض، بنفس الثمن الذي اشترى به الثالث. فإن الشريك يقول: أنا أحق، فيأخذ هذا النصيب من هذا الذي انتقلت إليه بنفس الثمن والعوض الذي قد سمي. وقوله: "ببيع ونحوه"، يعني: سواء كان الانتقال انتقال هذا النصيب، نصيب الشريك، كان ببيع، أو كان بغير البيع، مثل الهبة والعطية أو نحو ذلك. على أن أكثر أهل العلم يقولون: بأن حق الشفعة لا يثبت إلا إذا كان انتقال نصيب هذا الشريك بالبيع، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: "من كان له شريك في ربع أو نخل، فلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه". هذا حديث جابر الصحيح. قالوا: فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا يعني جعل حق الشفعة في انتقال هذا النصيب بالبيع. "لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه". قالوا: فإذا انتقل بغير البيع، كالهبة، لو أني وهبت نصيبي لنوفل، يقول هنا: ليس لإبراهيم حق الشفعة، لأن نصيبي انتقل عن طريق الهبة، وليس عن طريق البيع. هذا قول أكثر أهل العلم. وبعض أهل العلم يقول: ولو بغير البيع، ولو بالهبة أو جعله مهراً لزوجته، فلي الشريك أن يطالب بحق الشفعة. هذا قول بعض أهل العلم. وإلى هذا يجنح المصنف رحمه الله، العلامة السعيد رحمه الله، إلى أن يثبت حق الشفعة ولو كان بغير البيع. وهذا الأظهر، والله أعلم. وأما كون النبي صلى الله عليه وسلم يعني يقول: "لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه"، ليس معنى أنه ليس له حق الشفعة إذا انتقل بغير البيع، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم البيع لأنه هو الغالب في انتقال الملك من نصيب الإنسان إلى غيره، عن طريق البيع. فلا يكون فيه دليل على أنه لا يثبت حق الشفعة بغير البيع. هذه الآن صورة الشفعة، وهي ثابتة بالسنة والإجماع. ثابتة بالسنة والإجماع، السنة: حديث جابر، وهو الأصل في هذا الباب: "قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". وأجمع أهل العلم على ثبوت الشفعة. أولاً: من مسائل الشفعة، اتفق أهل العلم على ثبوت الشفعة في العقار، الأشياء الثابتة: أراضي، عمارات، ونحوها. هذا باتفاق أهل العلم، أن الشفعة ثابتة فيها إذا لم تميز الحدود، وإنما كانت الحدود مشتركة. يعني: مثلاً أرض مشتركة بين اثنين أو أكثر، وليس هناك حدود مميزة. هذا يثبت فيها حق الشفعة. عمارة مشتركة كذلك فيها حق الشفعة. هذا باتفاق أهل العقار والأشياء الثابتة، يثبت فيها حق الشفعة. واختلفوا في المنقولات: هل يثبت فيها حق الشفعة؟ مثل سيارات، أقمشة، وثياب، أواني، ونحو ذلك من أشياء التي تنقل. فجمهور أهل العلم يقولوا: لا يثبت حق الشفعة، وإنما الشفعة تثبت في الثابتات، في الأمور الثابتة. وذهب جماعة من أهل العلم إلى ثبوت الشفعة كذلك في المنقولات، قالوا: لقول النبي عليه الصلاة والسلام: "قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم". و"كل" من ألفاظ العموم. فكل ما لم يقسم مما فيه شركاء، فإنه يثبت حق الشفعة، لأن العلة التي لأجلها حكم الشرع بالشفعة في الثابتات، في العقار ونحوه، هي موجودة كذلك في المنقولات، وهو رفع الضرر عن الشريك. فكذلك يقال في المنقولات. والشرع لا يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين مختلفين. مسألة أخرى هنا: في قول النبي عليه الصلاة والسلام على جابر: "قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم". دل الحديث على أن الشفعة تثبت إذا كانت هناك حدود مشتركة بين الشريكين، كما سمعنا: أرض يعني مشتركة، لم تصرف الحدود، ولم تميز. عمارة ونحو ذلك، لم تقسم. فهنا يثبت حق الشفعة. أما إذا قد ميزت وصرفت الطرق، فحينئذ لا شفعة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". إذا قسمت الأرض: يا فلان، هذه أرضك من هنا إلى هنا لك، وهذه من هنا إلى هنا للفلان الآخر، كل واحد له حدود مختلفة عن الآخر، متميزة. هنا ما في شفعة، لأن الحدود ميزت والطرق صرفت. فحينئذ لا شفعة. إذا تثبت الشفعة إذا كانت الحدود مشتركة بين الشريكين. إذا هذا شرط لثبوت الشفعة، أن تكون الحدود لم تقسم بعد. وأما إذا قسمت وصرفت، فلا شفعة حينئذ. كذلك أيضاً من شروط ثبوت الشفعة، كما ذكر أهل العلم: كم صام؟ ذكروا أنه لابد أن يكون انتقال حصة الشريك عن طريق البيع، هذا قول أكثر أهل العلم. انتقال حصة الشريك إلى الآخر عن طريق البيع. أما إذا كان عن طريق الهبة أو نحو ذلك، فلا تثبت الشفعة. لكن الصحيح أنها تثبت ولو كان بغير البيع، لعموم الحديث: "قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم". وذكر البيع في الحديث كما سمعنا، على سبيل الغالب، الغالب في انتقال الملك في التصرفات أن تكون بالبيع والشراء. كذلك أيضاً من شروط ثبوت الشفعة: أن تكون الشفعة في المال كله، أن تكون الشفعة في المال كله. مثاله: أنا بعت نصيبي لنوفل بمئة ألف، فيأتي إبراهيم يقول: أنا أشفع، أريد الشفعة. لكن أنا ما عندي إلا خمسين ألف، سأعطي لنوفل خمسين ألف فقط. ما يصح. تريد الشفعة ادفع المبلغ كاملاً، ادفع المبلغ كاملاً لهذا المشتري الذي اشترى نصيب الشريك. أما أن تكون الشفعة في جزء من المال، لا، لا بد أن يكون في المال كله، وإلا فلا شفعة. أيضاً ذكروا من شروط الشفعة: أن تكون فوراً، يعني أن يطالب الشريك بالشفعة متى علم بأن شريكه قد باع نصيبه. استدلوا بحديث: "أن الشفعة كحل العقال". والحديث ضعيف. لكن هذا قول أكثر أهل العلم، على أن الشفعة تكون فوراً. لماذا؟ لأن المقصود هو دفع الضرر عن الشريك. فمتى ما علم متى ما علم أن صاحبه وشريكه قد باع، فيطالب بالشفعة. وأما إذا تأخر، يعني علم بأن الشريك قد باع، فسكت ولم يتكلم، وهذا الذي اشترى قد بنى وغير الأرض وفعل وفعل، ثم يأتي يقول: أنه طالب بالشفعة. نقول: هل علمت بأنه قد باع يعني الشريك نصيبه؟ فيقول: نعم. نقول: لماذا لم تأت طالب بالشفعة وقد علمت؟ والآن قد يعني تصرف هذا المشتري الجديد في الأرض وخسر وكذا. فلهذا ينبغي أن تكون الشفعة فوراً. أما إذا ما علم إلا بعد سنة مثلاً من بيع الشريك، المصيبة هنا له حق الشفعة، ما دام أنه لم يعلم إلا بعد مضي هذه المدة، فله أن يطالب بالشفعة، ولا يسقط حقه من الشفعة بطول هذه المدة. قال: ولا يحل التحيل على أنه ينبغي أنه لا يجوز للشريك أن يبيع حتى يستأذن شريكه. لا، لا يجوز أن يبيع الشريك حتى يؤذن شريكه. يقول: يا فلان، أنا أريد أن أبيع نصيبي، هل تريد تشتريه؟ لا أريد. يستأذنه لأنه أولى من غيره. المسلم يقول: "لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن رضي أخذ، وإن كره ترك". إذا رضي أخذ هذا النصيب هو أولى به، وإن كره يعني ما أريد، ما عندي رغبة الشراء، ترك. أما أن يبيع من غير أن يؤذنه، هذا لا يجوز، هذا لا يجوز. لكن لو حصل هذا، فللشريك أن يطالب بالشفعة. قال: "ولا يحل التحيل لإسقاطها". ما يجوز للشريك أن يتحايل ليسقط حق الشفعة عن شريكه. كيف يتحايل؟ من التحايل أن يظهر أنه باع هذا النصيب بثمن هو خلاف الأصل، حتى يعجز الشريك عن شرائه. هو مثلاً باع نصيب بمئة ألف، ويقول لشريكه: أنا بعتها بخمسمائة ألف. بعتها بخمسمائة ألف. يقول الشريك: خمسمائة ألف كثير، ما أستطيع هذا الثمن. فيترك. لماذا؟ حتى لا يطالب بالشفعة. يرى أن ثمن ما تستحق الأرض هذا الثمن، فيترك. وفي الحقيقة ما باعها بخمسمائة، باعها بمئة، لكن يريد تحايل على شريكه حتى يسقط حقه من الشفعة. أيضاً من التحايل: أن يقول: أنا أوقفت هذه الأرض. هو ما أوقفها، لكن من أجل أن يسقط حقه من الشفعة. أو ربما يوقف حقيقة، لكن ليس لنية الوقف، وإنما نية أن يمنعه من الشفعة. هذا ما يجوز، هذا من التحايل لإسقاط الشفعة. أو كذلك أيضاً: أن يهبها. هذا مما ذكر العلماء، أن يقول: أنا وهبت نصيبي لفلان من الناس. وحينئذ على قول أكثر أهل العلم، لا يكون له حق الشفعة، لأنه لم تنتقل عن طريق البيع، وإنما عن طريق الهبة. قال: "فإن تحيل لم تسقط". يعني إذا تحايل بهذه الحيل أو غيرها لإسقاط حق الشفعة، لم يسقط. لماذا؟ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات". ونيته ماذا؟ أن يتحايل على إسقاط هذا الحق عن شريكه. فحينئذ لا يسقط، ويعامل على نقيض قصده، ويثبت حينئذ حق الشفعة للشريك. طيب هنا مسألة أيضاً متعلقة بالشفعة، وهي: ما حكم الشفعة للجار؟ حكم الشفعة للجار، يعني: هل تثبت الشفعة للجار مطلقاً، أم أن لا تثبت الشفعة مطلقاً؟ في هذه المسألة خلاف من أهل العلم. من يقول: الشفعة تثبت للجار مطلقاً، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث رواه الصحيح: "الجار أحق بسقبه". الجار أحق بسقبه، يعني بجواره. الجار أحق بسقبه. ومنهم من قال: لا، لا تثبت الشفعة للجار. والصحيح: التفصيل، وهو: إذا كان بين الجارين حدود مشتركة، فهنا يثبت له حق الشفعة، لعموم حديث جابر: "قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم". يعني وإن لم يكونا شريكين، لكن مادام أن بينهما حدود مشتركة، وقد يكون شيء من الضرر على الجار الآخر، يعني بدخول إنسان آخر يعني بجانبه، فيكون هذا الجار أحق، يكون أحق بالشفعة وأخذ هذا النصيب الذي كان مع جاره. طيب هذا ما يتعلق بالشفعة، تقوم هذه الأرض كم تستحق؟ ويدفع له قيمتها. فهكذا إذا جعلها مهراً، لو قال: أنا جعلت نصيبي مهراً لزوجتي. يقول: لا، يقوم كم تستحق هذه الأرض؟ ويدفع لهم قيمتها. ويقول: أنا أحق بها، أنا أحق بها. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.