الدرس في كتاب البيوع 26، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الهبة والعطية والوصية هي عقود تبرعات تختلف أحكامها باختلاف الحالة الصحية للشخص ونية التبرع. يجب فيها العدل بين الأولاد.
الهبة لا تلزم إلا بالقبض، ولا يجوز الرجوع فيها بعد القبض إلا للوالد فيما يعطيه لولده. النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويثيب عليها.
الوصية تكون واجبة إذا كانت هناك حقوق للناس، وتستحب إذا لم يكن هناك حقوق. لا تجوز الوصية للوارث إلا إذا أجاز الورثة ذلك.
المقطع يتضمن الدعاء بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. تعبر عن التبجيل والتقدير للنبي محمد.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام السعدي رحمه الله في كتابه "منج السالكين توضيح الفقه بالدين" في كتاب البيوع، قال: باب الهبة والعطية والوصية. قال: وهي من عقود التبرعات، فالهبة التبرع بالمال في حال الحياة والصحة، والعطية التبرع به في مرض موته المخوف، والوصية التبرع به بعد الوفاة. فالجميع داخل في الإحسان والبر، فالهبة من رأس المال، والعطية والوصية من الثلث فأقل لغير وارث. فما زاد عن الثلث أو كان لوارث توقف على إجازة الورثة المرشدين. وكلها يجب فيها العدل بين أولاده لحديث "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" إلى آخر ما ذكر رحمه الله في هذا الباب. قال: باب الهبة والعطية والوصية، وكلها من عقود التبرعات، يعني مما يفعله الإنسان تبرعا من غير إلزام. الهبة مأخوذة من هبوب الرياح، وهي التبرع بالمال في حال الحياة والصحة، يعني يكون الإنسان في حال حياته وصحته، ما عنده أمراض مخوفة يخاف منها الموت، فيتصرف في ماله، هذه تسمى هبة. فقولنا التبرع بالمال في حال الحياة يخرج به الوصية، والصحة يخرج به العطية. والهبة تكون من رأس المال، يعني له أن يتصرف من رأس ماله فيعطي ما شاء، ولو أن يهب ماله كله له ذلك إذا كان عنده ثقة بالله سبحانه وتعالى، وأن الله يخلف له خيرا، ولا يكون في ذلك تضييع للحقوق الواجب عليه. فلا بأس أن يتصرف في ماله كله، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه لما حث النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على الصدقة، فجاء أبو بكر بماله كله. قال: "ما تركت لهم؟" قال: "تركت لهم الله ورسوله". وأثنى النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك. والهبة من التبرع والإحسان، والله عز وجل يقول: ﴿أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وكون الإنسان يريد أن يهب شيئا من ماله، فأولى الناس بذلك هم الأقارب، لأن الله سبحانه وتعالى أوصى بهم في آيات كثيرة. وأولى القربى، وكذلك مما يدعى على هذا ما فعلته ميمونة رضي الله عنها لما قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: "أما شعرت أني أعتقت وليدة لي؟" فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "أما إنك لو أعطيتها أخوالك لكان أعظم لأجرك". والعطية التبرع بالمال في مرض الموت المخوف، يعني مرض الموت الذي يخاف منه الموت، مثل مرض القلب والسرطان ومرض الفشل الكلوي ونحوها من هذه الأمراض المستعصية التي يخاف منها الموت. فإذا أراد أن يتبرع بشيء من ماله، فهذه تسمى عطية. وأما إذا كان المرض غير مخوف، فهو يدخل في الهبة. إذا كان المرض غير مخوف، عنده مرض الغالب أن الإنسان يشفى منه، كصداع أو إسهال أو حمى أو نحو ذلك من هذه الأمراض، فهذا حكمه حكم الهبة. بخلاف المرض المخوف الذي يخاف منه الموت، فهذا تصرف المال يسمى عطية. والعطية في حال مرض الموت المخوف تكون من الثلث فأقل لغير وارث. وهكذا أيضا الوصية، قالوا: التبرع به بعد الوفاة. الوصية التبرع بالمال بعد الوفاة، يقول: إذا مت فمال فلان يعطى لفلان أو يصرف لفلان، هذا يسمى وصية. فهو التبرع بالمال بعد الوفاة. والعطية والوصية تكون من الثلث فأقل لغير وارث، وهذا قول جمهور أهل العلم. واستدلوا بحديث عمران بن حصين في قصة الرجل الذي كان له ستة عبيد فأعتقهم في مرض موته، فجمعهم النبي عليه الصلاة والسلام ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين. قال: فما زاد عن الثلث أو كان لوارث توقف على إجازة الورثة المرشدين. ما زاد عن الثلث يعني إذا أوصى بأكثر من الثلث، أو كان لوارث يعني كانت الوصية لوارث، وإن كان الأصل أنه لا يجوز، لكن لو فعل ذلك، قال: توقف على إجازة الورثة. إذا أجاز الورثة هذه الوصية بأكثر من الثلث أو إجازة هذه الوصية التي هي لوارث جاز ذلك، لأن هذا حق لهم تنازل عنه. قال: وكلها يجب فيها العدل بين أولاده، يعني الهبة والعطية والوصية يجب فيها العدل بين الأولاد. قال: لحديث "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" متفق عليه. نعم، حديث النعمان بن بشير لما أراد النعمان بن بشير والد النعمان أن يهب النعمان عطية، فقالت له زوجته: "هل أعطيت بقية أولادك مثله؟" فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألك أولاد غيره؟" قال: "نعم". قال: "هل نحلتهم مثل ما نحلته هذا؟" قال: "لا". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تشهدني إذن، فإني لا أشهد على جور". وفي رواية قال: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم". وفي رواية قال: "أشهد على هذا غيري". يعني أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعد هذه العطية جورا وظلما، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعدل. إذن في باب الهبة والعطية والهدية لا بد فيها من العدل. أما النفقة، النفقة لا يجب فيها العدل، يعني أن الوالد إذا أراد أن ينفق على أحد أولاده في شيء يحتاج له، لا يلزم أن يعطي البقية مثله. إلا إذا كانوا مثل هذا الولد واحتاجوا مثل ما احتاج، فيعطيهم مثلا. أحد أبنائه يدرس ويطلب العلم فيحتاج إلى كتب وإلى أقلام ونحو ذلك، والولد الآخر ليس يطلب علم، لا يلزم إذا أعطى هذا شيئا مما يحتاج له في دراسته أن يعطي الآخر وهو لا يتعلم. كذلك مثلا لو مرض أحد الأبناء يحتاج إلى علاج وإلى شيء من الطعام الذي يختص به بسبب المرض، هل يلزم أن يعطي البقية مثله؟ لا. لكن إذا مرض أولئك، فإنه يعالجهم مثل ما يعالج هذا الولد. وهكذا تكون النفقة على حسب الحاجة، كذلك ما يعتبر كبر السن وصغر السن، في الكبير يحتاج ما لا يحتاج له الصغير، فكل هذا لا يجب فيه العدل. وإنما المراد بوجوب العدل في الهدايا والعطايا التي يقصد منها التودد والتحبب. قال: وبعد تقبيض الهبة وقبولها لا يحل الرجوع فيها، لحديث "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه" متفق عليه. نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالعائد في قيئه". قالوا: وفي الحديث الآخر "لا يحل رجل مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي لولده" رواه أهل السنن، وخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي وهو صحيح. فبعد تقبيض الهبة وهذا قول أكثر أهل العلم وأكثر الفقهاء، وهو المنقول عن الصحابة رضوان الله عليهم، أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض. فإذا قبضت الهبة، أعطى شخص هبة لإنسان مثلا، وهبه جوالا أو وهبه مسجلة وقبضها الموهوب له، هنا ما يجوز له أن يأتي ويقول: "هات الهبة التي أعطيتك، هات الجوال الذي أعطيتك إياه أو المسجل التي أعطيتك إياها". لا يحل الرجوع فيها. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه". وهذا مثل سيء أن يكون الإنسان حاله وكحال هذا الحيوان المستخبث. إلا استثناء إلا الوالد فيما يعطي ولده، الوالد يشمل الأب والأم. إذا وهب الأب ولده هبة، له أن يستردها منه. أعطاه ساعة أو أعطاه جوالا أو أعطاه مسجلة أو أعطاه دراجة، ثم يقول الأب: "هات الهبة التي أعطيتك". له ذلك. كذلك الأم لو أعطت ابنتها شيئا من الذهب مثلا، ثم قالت: "هاتي الذهب الذي أعطيتك". ذلك لها أن ترجع في هبتها. لأن الوالدين لهم حق في مال الولد، لهم حق في مال الولد. لكن هذا متى؟ متى يعني يملك الوالدان الرجوع في الهبة إذا لم يتصرف فيها الولد تصرفا يخرجها عن ملكه. يعني هي ما زالت الهبة معه. لكن تصرف فيها بأن وهبها لغيره أو أوقفها أو مثلا باعها، هنا ما يملك الأب أن يرجع في هذه الهبة. واضح. وإنما يملك الرجوع إذا جعلها في يده وفي قبضته، فهنا يمكن أن يرجع فيها. وأما إذا خرجت من ملك الولد، فهنا لا يملك الرجوع فيها. قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها، الحديث رواه البخاري. وقد انتقد هذا الحديث، لكن معناه صحيح. النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة عليه الصلاة والسلام. كان يقبل الهدية ويثيب عليها، يعني إذا أهدى له إنسان هدية، قبلها ورد له مقابل هذه الهدية شيئا. وهو القائل عليه الصلاة والسلام: "لو أعطي إلي كُراعا أو ذراعا لقبلت، ولو دعيت إلى ذراع أو كُراع لأجبت". وهذا من تواضعه عليه الصلاة والسلام. فهو كان يقبل الهدية. في قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه، لما أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخبره بعض علماء النصارى أن هذا النبي المرسل يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، فأتى له بهدية وقال: "هذه هدية". فقبلها النبي صلى الله عليه وسلم وأكل منها. ثم جاء في المرة الأخرى وقال: "هذه صدقة". فدفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه ولم يأكل منها شيئا. نعم، أيضا في قصة العرابي الذي أعطى النبي صلى الله عليه وسلم هدية، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكافئه عليها، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، فقال: "لا". فأعطاه شيئا آخر، فقال: "لا". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد هممت ألا أقبل هدية إلا من قرشي أو ثقفي أو أنصاري أو دوسي". الشاهد أنه يقبل الهدية ويثيب عليها. وهذه من الأخلاق الفاضلة والأخلاق الحسنة أن المسلم يقبل هدية ممن يعني أهدى إليه شيئا، ولو كان شيئا يسيرا. يعني يطيب به خاطره. رغم أن يكون الإنسان يعني فقيرا ما عنده إلا شيء يسير يريد أن يهديه لمن يحب أن يتودد إليه، قد يعطيه قلما متواضعا أو شيئا من ذلك. ما يقول: "إيش هذا؟ إيش يفعل بهذا؟" لا. "جزاك الله خيرا". "خذ، أقبلها منك". "جزاك الله خيرا، الله يبارك فيك، أحسنت". لا بأس. هذا من الأخلاق الحسنة والفاضلة. نعم. قال: وللأب أن يتملك من مال ولده ما شاء، ما لم يضره أو يعطيه لولد آخر، أو يكون بمرض موت أحدهما، لحديث "أنت ومالك لأبيك" رواه أبو داود وابن ماجة من حديث ابن عمر، وجاء عند ابن ماجة أيضا من حديث جابر رضي الله عنه. نعم، يجوز للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء، يعني يأخذ من مال ولد ما شاء، من سياراته، من بيوته، من آخره. لكن بشرط ما لم يضره، لا يكون في ذلك ضرر للولد. ما يأتي يقول: "هات البيت، يسكنه أنا أحتاج له". ويخرجه من البيت، يجعله بلا مسكن. أو يأتي ويأخذ سيارته، والولد ما عنده إلا سيارة واحدة يحتاج لها، هذا ما يجوز. هذا يضره. أو يأخذ شيئا من ماله الذي يحتاج له، هنا لا يجوز. لكن إذا كان ليس عليه ضرر، الولد عنده بيتان وعنده سيارتان، ويكفيه بيت واحد، سيارة واحدة، هنا يجوز الأب أن يأخذ بيتا ويأخذ سيارة. لأن ليس عليه ضرر في أخذها. فهنا لا بأس. يجوز الوالد أن يأخذ. كذلك الشرط الثاني: أن لا يأخذ من مال ولده ويعطيه لولده الآخر. يأخذ من مال ولد ويعطيه لأخيه، هذا لا يجوز. هذا لا يجوز. إنما إذا أراد أن يأخذ هو وينتفع به، لا بأس. أما أن يأخذ منه ويعطيه لولده الآخرين، فلا. لا يجوز ذلك. قال: أو يكون بمرض موت أحدهما، يعني لا يكون هذا الأخذ في مرض موت أحدهما. لأنه حينئذ يتعلق به حق الورثة، يكون يتعلق به حق الورثة، ولا يستطيع التصرف في شيء من ماله إلا بقدر الثلث. وإنما يكون هذا الأخذ في حال الصحة والحياة. فيأخذ من مال ولده ما شاء. قالوا: عن ابن عمر مرفوعا: "ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" متفق عليه. نعم، هذا الحديث استدلوا به أهل العلم على حكم الوصية، وأن الوصية على قسمين: القسم الأول أن تكون واجبة، يعني يجب على الإنسان أن يوصي، وذلك إذا كانت هناك حقوق للناس، إذا لم يوص هذا الموصي ستضيع هذه الحقوق، هنا يجب عليه أن يوصي حفظا لحقوق الناس. هنا تجب الوصية. والقسم الثاني إذا لم يكن هناك حقوق للناس، فهل تجب الوصية؟ جمهور أهل العلم أنها لا تجب، وإنما تستحب. إذا لم يكن هناك حقوق للناس، فلا تجب الوصية، ولكن تستحب. يستحب أن يكتب وصية يوصي بها أقاربه، أهله، أولاده. نعم، وجمهور أهل العلم على أنه لا بد من الإشهاد في الوصية، لا بد أن يشهد في الوصية، يعني يكتب الوصية ثم يشهد اثنين أن هذه وصيته. وبعض العلم يقول: لا يكفي أن يعرف خطه، أن يعرف خطه أن هذا خط فلان، ويكفي ذلك. والإشهاد أحوط، الإشهاد أحوط أن يشهد على وصيته. قال: وفي الحديث "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" رواه أهل السنن، رواه أبو داود والترمذي وأحمد، وصححه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع. وفي لفظ "إلا أن يشاء الورثة" هذا اللفظ رواه الدارقطني والبيهقي. وقال الشيخ الألباني رحمه الله: إن هذه زيادة منكرة، أنها زيادة منكرة. وإن كان معناها صحيح. "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه" يعني من الإرث، الله سبحانه وتعالى قسم الإرث بين الورثة، وأعطى كل وارث ما يستحق من الإرث، فلا وصية لوارث، يعني لا يحتاج أن يوصي إلى وارث. وقد أعطى الله سبحانه وتعالى هذا الوارث ما يستحق من الإرث، فلا داعي أن يوصي له. فهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز الوصية للوارث، أنه لا يجوز الوصية للوارث. والمعتبر فيه عند موت هذا الميت، يعني أن يكون وارثا عند موت هذا الميت. فلو أوصى لوارث، لكن قبل موته أصبح غير وارث، تصح الوصية. وكذلك العكس، لو أوصى إلى غير وارث، وأصبح عند موته وارثا، لا تصح الوصية. مثاله: إنسان مرض فأوصى إلى أخيه، وأخوه يرثه، وما عنده أولاد، فأوصى إلى أخيه، هذه وصية لوارث. لكن قبل أن يموت رزق بولد، فأصبح الأخ غير وارث، فتصح الوصية. ومثال الثاني: إذا أوصى إلى ابن الابن، والابن حي، يعني والد هذا الابن الذي هو ابنه، وقبل موته مات الابن، أصبح ابن الابن وارثا، هنا لا تصح الوصية. فالمعتبر يعني عند حال موت الميت أو الموصي. لكن كما مر معنا، إذا أذن الورثة، إذا أذن الورثة الآن، مثلا أوصى إلى ابن الابن، وهناك ورثة آخرون، مثلا وقالوا: "نحن لا بأس، نجيز هذه الوصية، ما عندنا مانع". لا بأس. هذا حق لهم تنازلوا عنه، فتنفذ هذه الوصية. قال: وينبغي لمن ليس عنده شيء يحصل فيه غناء ورثته، ألا يوصي، بل يدع التركة كلها لورثته. نعم، الذي ما عنده شيء، يعني ماله قليل، الأولى أن لا يوصي ويترك هذا المال للورثة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: "إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس". متفق عليه. قال: والخير مطلوب في جميع الأحوال. نعم، الخير مطلوب في جميع الأحوال، لكن مع مراعاة المصالح والنظر كذلك في مصالح الأولاد. فكون الإنسان يريد أن يوصي، هو خير. لكن إذا كان هذا الخير سيضر بورثته، فالخير أن يترك هذا المال لهم، أن يترك هذا المال لهم. وإذا كان ماله كثير، لا يضر بهم إذا أوصى، فلا بأس حينئذ أن يوصي، ويترك لهم ما تبقى من المال. طيب، في هنا مسألة وهي مسألة ما يسمى في بعض المحاكم في بعض البلاد "الوصية الواجبة"، الوصية الواجبة، وهي يقولون: إنه يجب على الجد أن يوصي إلى أولاد أولاده، يسمون هذه "وصية واجبة" لابد. وهذه لا دليل عليها، ليس عليها دليل. وقول جمهور أهل العلم أنها لا تجب، أنها لا تجب ولا تثبت، وهذا هو الصحيح. فليس هناك وصية واجبة لأولاد الأولاد. طيب، ما حكم الوصية للأقارب دون الورثة؟ حكم الوصية للأقارب دون الورثة، يعني مثلا إنسان عنده أبناء، ما حكم أن يوصي لإخوانه أو لأعمامه أو لأبناء أعمامه إلى آخر ذلك من الأقارب؟ هل في هذا شيء مستحب أو واجب؟ فيه قولان لأهل العلم. منهم من يقول بالوجوب، ومنهم من يقول بأنه لا يجب، وهذا هو الصحيح. أن الوصية للأقارب لا تجب. وأدل عليه حديث عمران بن حصين في الرجل الذي أعتق ستة عبيد، فأقرع النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصي إلى أقاربه. فالوصية للأقارب لا تجب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.