الدرس في كتاب الحدود 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الحدود هي العقوبات التي قدرها الشرع، وحد الزنا ينقسم إلى قسمين: المحصن وغير المحصن. المحصن يرجم حتى الموت، وغير المحصن يجلد مئة جلدة ويغرب عاما.
حد الزنا إما الرجم أو الجلد مائة جلدة وتغريب عام، ويختلف بحسب حالة الزاني. شروط الإحصان هي البلوغ والعقل والحرية ووجود الوطء في نكاح صحيح.
يتناول أحكام الزنا واللواط وإتيان البهائم، حيث يختلف الأمة المملوكة والعبد في الحد عن الأحرار. حكم اللواط وإتيان البهائم كحكم الزنا، مع اختلاف آراء الفقهاء في قتل مرتكب اللواط.
يجوز تأديب الشخص الذي يرتكب معصية بحبسه أو ضربه بالنعل، وذلك بهدف تأديبه. وردت صيغة الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال القاضي أبو الشجاع الأصفاني رحمه الله في كتابه متن الغاية والتقريب، المشهور بمتن أبي شجاع: قال: كتاب الحدود. والحدود جمع حد، والحد في اللغة: المنع. ومنه حدود الأراضي، يقال: هذه الأرض حدها من هنا إلى هنا، يعني: يمنع التجاوز. وتطلق الحدود ويراد بها الفرائض والواجبات. ومنه قول الله عز وجل: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾، ويراد بها المعاصي والمحرمات. ومنه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾. والمراد بها هنا في هذا الباب: العقوبات المقدرة شرعا في المعاصي، لتمنع من الوقوع فيها. فالحدود: العقوبات التي قدرها الشرع، مثل حد الزنا، وحد السرقة، وحد القذف، إلى آخره. هذه حدود وضعها الشرع لتمنع من الوقوع في هذه المعاصي، وهي زاجرة للوقوع في هذه المعاصي والذنوب. فالله جل وعلا جعل زواجر طبيعية في نفس الإنسان تسجره من الوقوع في المحرمات، وجعل زواجر شرعية من جهة الشرع تمنع الإنسان من الوقوع في المعاصي والمحرمات. فحد الزنا -الزنا مثلا- إذا علم الإنسان المحصن أنه إذا زنى سيرجم حتى الموت، فإن هذا يمنعه من الوقوع في فاحشة الزنا. وإذا علم السارق أنه إذا سرق تقطع يده، فهذا سيسجره من الوقوع في السرقة، وهكذا غيرها من الحدود. ولهذا قال الله عز وجل في القصاص: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. إذا علم القاتل أنه إذا قتل عمدا عدوانا سيقتل ويهدر دمه، كان ذلك مانعا له من الوقوع في هذه المعصية وهذا الذنب العظيم. إذا شرعت هذه الحدود زجرا ومنعا من وقوع الناس في المعاصي والذنوب، وهي أيضا كفارة لأصحابها، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبادة بن الصامت: «من وقع أو أتى شيئا من ذلك فأقيم عليه حد الله، كان كفارة له». قال: وزاني على ضربين: محصن وغير محصن. فالمحصن حده الرجم، وغير المحصن حده مئة جلدة وتغريب عام إلى مسافة القصر. وشرائط الإحصان أربع: البلوغ، والعقل، والحرية، ووجود الوطء في نكاح صحيح. والعبد والأمة حدهما نصف حد الحر. وحكم اللواط وإتيان البهائم كحكم الزنا. ومن وطئ فيما دون الفرج عزر، ولا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود. ذكر هنا في أوائل هذه الحدود حد الزنا، والزنا هو فعل الفاحشة في قبل أو دبر، من كبائر الذنوب. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سئل النبي عليه الصلاة والسلام: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزني بحليلة جارك». فالزنا فاحشة محرمة، وهي سبب فساد الفراش واختلاط الأنساب وضياعها، وفساد الأسر والمجتمعات. فلذلك رتب الشرع على هذه الفاحشة حدا وعقوبة، إذا وقع الإنسان في هذه الفاحشة استحق أن يعاقب. قال: وزاني على ضربين: محصن وغير محصن. فالمحصن حده الرجم، يرجم بالحجارة حتى يموت. ودلل لذلك حديث عمر رضي الله عنه في الصحيحين: «كان فيما أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام آية الرجم، فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده». فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضل بترك فريضة أنزلها الله. وإن الرجم حق على من أحصن إذا كان الاعتراف أو البينة أو الحبل أو الاعتراف. ومعنى ذلك أن آية الرجم كانت موجودة في القرآن، ثم نسخت لفظا وبقي حكمها. ورجم النبي عليه الصلاة والسلام ورجم الصحابة بعده. فهذا هو حد المحصن: الرجم حتى الموت. وقد رجم النبي عليه الصلاة والسلام ماعزا، ورجمنا الصحابة رجل يقال له ماعز أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان في الصحيحين، وقال: يا رسول الله، إني قد زنيت. فأعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام حتى أقر على نفسه أربع مرات، وهو يقول: يا رسول الله، قد زنيت. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لعلك قبلت، لعلك غمزت. وهو يقول: يا رسول الله، زنيت. حتى صرح له النبي عليه الصلاة والسلام: لا يكني. قال: نعم. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمه، فرجمه الصحابة رضوان الله عليهم. وهكذا قصة الغامدية في الصحيحين، التي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرت أنها قد زنت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تضع ما في بطنها، فلما وضعت جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأطفل بيديها. قال: «اذهب حتى تفطميه». فذهبت، ثم رجعت بعد أن فطمته، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمها، وشدت عليها ثيابها، ثم رجمت. ومما رجمها خالد بن الوليد رضي الله عنه، فوقع شيء من دمها عليه، فسبها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبها، والذي نفسي بيده، قد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم». وهكذا أيضا في قصة العسيف في الصحيحين، في حديث أبي هريرة: قصة الأجير، رجل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، إن ابني هذا كان عسيفا على هذا، أو في بيت هذا، فزنى بامرأته. قال: وقد أقر ابني على نفسه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأقضين بينكم بكتاب الله، الشاة والوليدة رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام». واغد يا أونيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها. فاعترفت، فرجمها. هذه الأحاديث تدل على أن حكم المحصن الرجم. كما في حديث عبادة بن الصامت في الصحيح: «قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الرجم». قال: وغير المحصن حده مائة جلدة وتغريب عام إلى مسافة القصر. إذا زنى غير المحصن، وهو الذي لم يتزوج بعد، فحده مائة جلدة، يجلد مائة جلدة، لقول الله عز وجل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. ويجلد مائة جلدة. ذكر أهل العلم أن هذا الجلد يكون بعود وسط، ليس بالجديد ولا بالخلق. ويجلد في مواضع متفرقة من الجسد، ليس في موضع واحد، حتى لا يتلف هذا الموضع. ويتقى في حال الجلد المواضع القاتلة والمضرة، كالرأس والوجه والفرج، ومواضع القتل كالقلب والكبد والكليتين ونحوها. قال: وتغريب عام أيضا. يغرب الغير محصن مع الجلد، يجلد مئة جلدة ويغرب سنة. كما في حديث أبي هريرة: قصة العسيف، قال: «على ابنك جلد مائة وتغريب عام». وفي حديث عبادة بن الصامت: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام». لعموم الأدلة. البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، هذا يشمل الرجل ويشمل المرأة. وهل هذا التغريب عام للرجل والمرأة؟ الجواب: في هذا خلاف بين أهل العلم. فذهب الإمام الشافعي رحمه الله إلى أنه عام للرجل والمرأة. ومذهب الإمام أحمد كذلك. وذهب الإمام مالك إلى أن التغريب للرجل دون المرأة. والصحيح أنه للرجل والمرأة لعموم الأدلة. لكن المرأة لا تغرب إلا إذا كان معها محرم، لأن المقصود هو إصلاح حالها. أما أن تغرب من غير محرم، هذا سبب لفسادها. قال: و: شروط الإحصان أربع: البلوغ، والعقل، والحرية، ووجود الوطء في نكاح صحيح. شروط الإحصان أربع: البلوغ، أن يكون هذا الزاني بالغا. والبلوغ كما نعلم بثلاثة أشياء بالنسبة للذكر: بلوغ 15 سنة، وانبات الشعر الخشن في القبل، والاحتلام. وتزيد الأنثى نزول الحيض مع هذه الثلاثة. فإذا حصلت علامة من هذه العلامات صار بالغا. فإن كان دون ذلك، إذا زنى صبي دون البلوغ، في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، لم يضع عليه شيء من علامات البلوغ، فهذا لا يقام عليه حد الزنا. قال: والعقل أيضا مشروط للإحصان، العقل أن يكون الزاني عاقلا. فإن كان مجنونا فلا يقام عليه الحد، لأنه لا عقل له، وهو غير مكلف. قال: والحرية بشروط الإحصان، الحرية أن يكون هذا الإنسان حرا، حتى يقام عليه حد الرجم. ولهذا فالعبد وإن كان متزوجا فإنه لا يرجم، وإنما يجلد، لأن الرق نقص وليس بكمال. والإحصان فيه كمال. قال: ووجود الوطء في نكاح صحيح، أن يكون تزوج ووطئ في هذا الزواج. أما إذا عقد وطلق من غير أن يدخل، فهذا لا يعتبر محصنا. لا بد أن يتزوج وأن يطأ في هذا الزواج. إذا توفرت هذه الشروط الأربع صار محصنا، فإذا حصل منه الزنا فإنه يرجم حتى الموت. ولم يذكر في شروط الإحصان الإسلام، لأنه لا يشترط أن يكون مسلما. ولو كان كافرا فإنه يقام عليه حد الرجم. وقد رجم النبي عليه الصلاة والسلام اليهوديين رجل وامرأة، زنا فأمر بهما النبي عليه الصلاة والسلام فرجما. قال: والعبد والأمة حدهما نصف حد الحر. الأمة يعني المملوكة. ورد فيها النص في قول الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. نصف ما على المحصنات أي الأحرار. فإذا زنت الأمة فإنها تجلد خمسين جلدة، نصف الحرة. الحرة مائة جلدة، فالأمة خمسين. والعبد قاس جمهور أهل العلم الأمة بجامع الرق. قال: وحكم اللواط وإتيان البهائم كحكم الزنا. اللواط هو إتيان الذكر في دبره. وإتيان البهائم، وهذا أيضا منكر. إتيان الأنثى في دبرها الأجنبية كذلك في حكم اللواط. ومن يأتي بهيمة يفعل فيها الفاحشة. فيقول هنا: حكم اللواط وإتيان البهائم كحكم الزنا. كيف كحكم الزنا؟ إذا كان محصنا فإنه يقتل. وإن كان غير محصن فإنه يجلد. وهذا يعني القول أحد الأقوال في المذهب. وهنا قول آخر: وهو أنه يقتل مطلقا. والقول الثالث: أنه يعزر. أما بالنسبة للواط، في الصحيح أنه يقتل مطلقا. وهذا مذهب الإمام أحمد وجمهور الصحابة. بل إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، أجمعوا على قتل من وقع في فاحشة اللواط. واختلفوا في كيفية قتله. منهم من قال: يرجم من فوق مكان مرتفع. ومنهم من قال: يرمى عليه جدار. ومنهم من قال: يرجم إلى آخر ذلك. ومنهم من قال: يحرق بالنار. المهم اتفقوا على القتل واختلفوا بصفة القتل. ولم يفصلوا بين المحصن وغير المحصن، بل يرون قتل الواقع في فاحشة اللواط مطلقا، سواء كان محصنا أو غير محصن. لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به». رواه الخمسة، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. هذا بالنسبة إذا كان بالغين. أما إذا كان غير بالغين فإنه لا يقتل، لكن يعزر. وإذا كان الفاعل بالغ والمفعول به غير بالغ، يقتل الفاعل ويعزر المفعول به إذا كان راضيا بذلك. وأما إن كان يعني بالغا أو كلاهما بالغ فإنهما يقتلان. وأما بالنسبة لإتيان البهيمة، فالأرجح في المذهب -مذهب الشافعي رحمه الله- أنه يعزر، ولا يقتل. وقصح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «من أتى بهيمة فلا حد عليه». وهذا الأثر الصحيح عن ابن عباس. وجاء مرفوعا من حديث ابن عباس: «من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة». وهذا الحديث مختلف في رفعه. ورجح بعض الأئمة وقفه، كالإمام الترمذي رحمه الله. وهكذا أيضا أبو داود وغيرهما. قال: ومن وطئ فيما دون الفرج عزر. من وطئ فيما دون الفرج، إنسان حصل منه مع امرأة أجنبية كل شيء إلا الجماع، حصل التقبيل والضم وإلى آخره. فهذا لا يقام عليه حد الزنا، وإنما يعزر. يعني يضرب، يسجن إلى آخره. لا يقام عليه حد زنا، لأن الزنا هو تغييب الذكر أو حشفة الذكر في الفرج. هذا هو الحد الذي يحصل به حد الزنا. فإذا كان هذا الوطف دون الفرج فإنه يعزر. وقد جاء في الصحيحين مثل حديث أبي سعيد رضي الله عنه: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، إني رأيت امرأة في البستان، فأصبت منها كل شيء غير أني لم أنكحها. ففعل بي ما شئت. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. قال: «يا رسول الله، لي خاصة؟ قال: بل لأمتي كلهم». فهذا فيه أيضا أن مثل هذا يعني ما ليس فيه حد، وإن فيه التعزير. إذا جاء الإنسان تائبا فللحاكم إسقاط التعزير عنه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعزره، وإنما أمره أن يكثر من الصلاة لأنه جاء تائبا. لكن لو قبض عليه مثلا ومتلبس بهذه المعصية ولم يكن تائبا فإنه يعزر. والتعزير هو كل معصية ليس فيها حد، هي عقوبة لكل معصية ليس فيها حد، فإنه يكون فيها التعزير. فمثلا في الزنا سيأتي معنا في السرقة، إذا سرق ما هو أقل من النصاب أو لأنه ما ليس في حرز مثله فيعزر، ولا تقطع يده. وهكذا بباب الزنا، لو حصل منه التقبيل أو الضم من امرأة أجنبية فإنه يعزر، لأن هذا ليس بزنا. قال: والأصح أنه يجلد عشرة أصوات، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يجلد فوق عشرة أصوات إلا في حد من حدود الله». ولا بأس أن يحبس مثلا تأديبا، أو يضرب بالنعل مثلا، أو نحو ذلك مما فيه تأديبه بارتكاب لهذه المعصية. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.